مأزق الحياة البوهيمية...

مأزق الحياة البوهيمية...
الأحد 6 غشت 2023 - 12:14

يَجتاز إنسان اليوم اختبارا صعبا، مع أن إنسان اليوم نفسه هذا الذي يَستبعد منشارَ المحاسَبة التي تُغَيِّبُ كليا مسطرة المنطق الذي لا تعترف النملة البشرية بقانونه ولا تَخضع لنظامه بعد سقوط كل أوراق التوت الأمَّارة بإخراج الفرد من جنة الحكمة.

ركوبُ موجة اللامعقول يتزامن مع غرق سفينة الاحتكام إلى المواثيق التي كانت تُجَنِّدُ البشريةَ للبحث عن خلاص من عقدة حالة التوحش البدائي التي تنأى بالذات عن أن تَستدرجها اللحظةُ إلى مستنقع عقيدة الذئاب التي لا تَعترِف سوى بقانون الغاب، والقصد: إن لم تَكن ذئبا فتأكد أنك ستصرخ صرخة نعجة مذبوحة كثير عليها أن تَركن إلى الظل وتكتفي هي بدور المتفرج السلبي.

الحياة بهذه المعايير عند هؤلاء لن تَخرج عن عرض قصير، ولن تتجاوز كونها فُرجة ممسوخة تشوِّهُ حقيقة الإنسان الذي يمثل على الآخرين وعلى نفسه، يمثل بحنكة جزار يبيع الوهم لطُلاّب اللحم.

لا تَكذبْ على نفسك، لا تَكذبْ على نفسك يا من تَمْضغ قلبَ الحكمة والمنطق وتُفَرْقِعهما كما تشاء في دروب الحياة المظلمة، بسقوطك في حفرة الحقارة النائية بك عن مُدن الوعي بحاجتك إلى أن تَصنع من قماش الحق فساتين وسراويل لا تَضيق بأجساد أقصى مُناها ألا يَفضحها مأزق الحياة البوهيمية.

لِنَكُنْ أَبْعَد عَمَّنْ صَدَّقُوا الغوغاء، وأحرقوا الحصيرَ وكسروا الوعاء، فكيف الحال وقد كان ذاك الوعاء الوحيد الذي كانت تمتدّ إليه الأيادي لِتَقْتَطِعَ شيئا من خبزه الأسود وتَلتمس شيئا من زيتونه الْمُرّ أو تَرتشف شيئا من لبنه البائت…
الطاولة الخشبية القصيرة التي كانت تضخُّ الدفءَ في قلوب أهل البيت الطيني لم تَعُدْ تَجِد لها مكانا في زمن الإنسان البوهيمي الذي ثار، ثار ونثر الأعواد وأطفأ النار، ثار وكفر بزمن البردعة والحمار، ومضى في طريق جبلي وعر تُحَرِّكُه غريزة قُطَّاع الطرق وسواهم من المارقين الفُجَّار.

أهُوَ دَم كَذِب هذا الذي شوَّهَ معالم خريطة قميص الأُخُوَّة؟ أم هو ذِئبُ الساعة الذي أكلَ إنسانَ اليوم ونهشَ كبده، فما عاد يُحِبّ لأخيه ما يُحِبُّه لنفسه، لكأن ميثاق الأخوة لا يَعترف به سوى كنَّاش الحالة المدنية.

نَشرب النهر، ونُفرغ البحر، ونعيث فسادا في أرض الإنسانية، وقلما يشدنا الحنين إلى جذور أجدادنا الذين فصَّلوا من أمجاد التاريخ عباءة تَقِيهم بردَ الزمن وصَهده، وبَنَوْا أهراما من التيجان التي كُللت بورد الشرف والعزة.

يَطلع النهار، ونَستفيق على أبواق النرجسية التي تَنفخ فيها أفواهُ النزعة السادية، فإذا بمارد الرغبة في ثوران بركان الدم والذّعر يتمدَّد، وإذا بالنية الشمطاء في حرق زرع القلوب تُبَيَّتُ وتُزَيَّتُ، وإذا برأس الضمير الحي يُصْلَبُ على باب مدينة الروح.

الروح يَهجرها الجسد، والقلب يَعصره الصَّدَأ، والحقدُ أفعى سامة تُسافر بلا عنوان، والجهل مظلة مثقوبة لا تَحبس شيئا من أنفاس النفس التواقة إلى وخز الآخَر بإبر تَنفث السم في الشرايين.

إبليس يتجسد في أكثر من وجه تستقرئ فيه الشرَّ المطبق، وميدوزا عجوز خرقاء تَحكم قبضتها على شوارع العيون المستجدية للشفقة، ليس لك إلا قَدَرك الناطق بما لا تقوى على أن تَنطق أنتَ به، فانصرْ قَدَرَك يَنصرك، واحفظْ لسانَك يَحفظك، والْجمْ لسانَ الوحش الأرعن ذاك الساكن فيك لتتسع المساحة لحورية بحر النُّبْل الإنساني.

كُنْ لَكَ أو عليكَ.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 4

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء