في الوقت الذي تعتبر فيه الحركات النسائية والقوى الحداثية بأن الملك بوصفه “أمير المؤمنين” هو الضامن لمراجعة مدونة الأسرة من أجل إحقاق الكرامة للنساء والأطفال، يعتبر التيار الإسلامي بدوره بأن الملك هو “الضمانة” لكي لا تتجاوز التعديلات حدودا ضيقة فتؤدي إلى “تحريم حلال” أو “تحليل حرام”.
الملك إذن -حسب ما يبدو- “ضمانة” عند طرفين لهما مطالب متناقضة، القوى المحافظة تريد الحفاظ على ما هو كائن حتى لا تقترب التعديلات من أحكام الشريعة المسنودة بنصوص يقولون إنها “قطعية”، ولا تهمهم كثيرا مصالح النساء ولا الأطفال، لأن الدين عندهم أسبق من الإنسان، بل هو “قلعة في خطر” ينبغي “الذود” عنها لمحاولة منع التحولات الجارية في المجتمع من الدخول إليها، ولهذا يركزون في كلام الملك على قولته “لن أحلل حراما ولن أحرم حلالا”، أي بقاء منظومة التقليد قائمة بأسُسها ومنطقها الداخلي. بينما تعتبر القوى الحداثية والحركات النسائية بأن “الحرام” هو الظلم والتمييز ضدّ المرأة والطفل، و”الحلال” هو المساواة والإنصاف، كما تركز على قولة الملك بضرورة “الاجتهاد والتفكير المقاصدي” الذي يراعي مصلحة الإنسان قبل كل شيء، وكذا “تطورات الواقع المغربي”.
“إمارة المؤمنين” إذن ضمانة بوجهين، وعليها أن تحقق أماني طرفين لا يلتقيان، وهو عين المستحيل كما هو معلوم، إذ لا بد في النهاية أن يكون هناك طرف سعيد بالتعديلات وطرف غاضب وإن سكت على مضض.
يعكس الدور الصعب لإمارة المؤمنين غياب تعاقد اجتماعي حاسم، يضمن حقوق الجميع ويحمي الكل من الظلم بصفة نهائية، ويكرس المساواة التامة والحريات الضرورية، وفي غياب هذا التعاقد الذي ينبغي أن يكون محلّ رضا وقبول الجميع، والذي لا يتحقق إلا بالترسيخ الديمقراطي، تبقى الأدوار الصعبة ولعبة الأقنعة، وازدواجية السلوك المؤسساتي، وتناقض القوانين، هو الخاصية المميزة للمرحلة الحالية التي لا يمكن أن تدوم بالطبع، ولكنها تسمح في الوقت نفسه بإحداث خطوات محسوبة ومراقبة، مع ترك بعض ثوابت التراث الفقهي لتعضد نفوذ التقليدانية داخل دوائر السلطة.
يسمح لنا ما حدث سنة 2004 بفهم الطريقة التي تعمل بها هذه المؤسسة التي تحتكر الشأن الديني بغرض الحفاظ على توازنات داخلية تضمن الاستقرار دون إيقاف مسلسل التحديث أو حركية الواقع، مع ما في هذه المعادلة الصعبة من تأخير وإبطاء لمسلسل التحديث والدمقرطة.
لقد حاول التيار الإسلامي من خلال استعراض القوة العددية عرقلة تفعيل خطة إدراج المرأة في التنمية ومراجعة مدونة الأسرة مع مطلع الألفية الثالثة، من خلال مسيرة بالدار البيضاء رفعت شعار الدفاع عن “ثوابت الأمة” و”الإسلام في خطر”، ضد اليساريين الذين كانوا يرأسون حكومة عبد الرحمان اليوسفي، وكذا عبر استعمال الأساليب المعتادة مثل الإشاعة والعنف اللفظي والتخوين والترهيب، وهي كلها أساليب كانت تعوض ضعف هذا التيار أمام تحولات الواقع الاجتماعي التي لا تتوقف، كما كانت تحاول التغطية على عيوب النص القانوني الذي ما فتئ يبعُد عن واقع الناس يوما بيوم.
كان ما يسمى بالتمييز والظلم وهدر الكرامة عند الحداثيين يعتبر ثوابت دينية عند التيار المحافظ، مما جعل التقارب أو التفاهم مستحيلا، ومعلوم أن خطة اليوسفي لإدماج المرأة في التنمية كانت تعتبر عند النظام السياسي تدخلا حزبيا في حقل إمارة المؤمنين، ولهذا لم يكن مستغربا أن يكون وزير الأوقاف السابق نفسه من “منظمي” مسيرة الدار البيضاء والمحرضين عليها عن بُعد، مما أعاد الأمور إلى حقل إمارة المؤمنين، وجعل السلطة العليا تقدم نفسها بديلا للطرفين عبر التحكيم الملكي، لتفادي انقسام المجتمع، ثم إقرار التعديلات نفسها، التي كان يسعى إليها اليسار، ولكن باسم الملك وليس باسم اليوسفي. وقد سكت التيار الديني على مضض، دون أن يعترف بهزيمته، حيث لم يستطع منازعة الملك في سلطته الدينية، وفي الوقت نفسه لم يقبل الخطوات الكبيرة التي تمت آنذاك لصالح النساء، حيث اعتبرها “تهديدا لاستقرار الأسرة”، وظل يحاربها إلى اليوم، إذ يخشى من جديد الاستمرار في مسلسل التعديلات التي من الواضح أنها ستستمر في سحب النص تدريجيا من الحقل الديني ووصاية الفقهاء إلى المجال المدني الصرف.
ما سيحدث في مراجعة المدونة حاليا لن يختلف كثيرا عما حدث قبل عشرين سنة، فالتيار الحداثي متحمس للمراجعة، والتيار الديني متخوف منها، التيار الحداثي كما في السابق يقدم الأرقام ومعطيات الواقع، ويبرهن على أنّ النص لا يتسع لحركية المجتمع، وأنه لم يعُد يستجيب لأوضاع المرأة والطفل، بينما يعمل التيار الديني في إطار نظرية المؤامرة على التحذير من المسّ بالثوابت، مع اعتماد العنف والتهديد بالفتنة والتحريض ضدّ المؤسسات والجمعيات والمرأة العصرية عموما، وتصوير المطالب النسائية كما لو أنها مخطط لهدم الأسرة المغربية.
ولعل المؤشر الذي أزعج التيار الديني الإخواني والسلفي منذ البداية هو موقع المجلس العلمي الأعلى الذي انتقل من الوصاية على نص المدونة إلى موقع المؤسسة الاستشارية فقط، مع العلم أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية قد يلعب دور التيار المحافظ بشكل أكثر تطرفا، بالنظر إلى العقلية المهيمنة في مجال القضاء والتي تتسم عموما بالتحيز للفقه التراثي القديم، وإعطاء الأولوية للنص على مصالح الإنسان المواطن.
ولا شك أن مؤسسة إمارة المؤمنين ستعمل على الحفاظ على التوازن المعتاد، عبر السماح بالتعديلات الضرورية التي لا يمكن تفاديها بسبب الآثار السيئة لتهميش النساء على المشروع التنموي الوطني عامة (والمؤشرات الوطنية والدولية واضحة في هذا الصدد)، كما ستعمل على فتح الباب من جديد أمام التعديلات القادمة في الأمور التي تعتبر من الطابوهات الكبرى كما فعلت سنة 2004.
ومن المؤكد أن التعديلات التي ستطال نص المدونة ستجعل “الحرام” يبدو في صيغة “اجتهاد فقهي” من داخل المرجعية، وإن كان في الحقيقة وجها من وجوه العلمنة التدريجية للقوانين.
وسيكون على الفاعلين المدنيين والسياسيين الديمقراطيين أن يعملوا على ترشيد نقاش عمومي متوازن ورصين، للتغطية على شغب التيار الديني المتطرف وشبكات التواصل الاجتماعي حيث يغلب العنف اللفظي على الفكر، وذلك عبر تحويل المواجهة بين مرجعيات متناقضة إلى نقاش للواقع وللأفكار.
أظن ان خطاب الاستاذ الفاضل يغفل عن عامل مهم الا وهو الثأثير الملموس لفرنسا وعشاقها من المغاربة.
لا يمكن ان يختلف مغربيان على ان ترسبات النمودج العلماني الفرنسي الموروث والاليات الثقافية والسوسيوقتصادية المواكبة لها من مؤسسات اعلامية واقتصادية كانت وما زالت تلقي بظلالها على المجتمع المغربي بشكل مقلق.
والبتالي، يظهر جليا ان تجاهل هذا الجانب ممكن ان يوسع الهوة، اما ان اخدناه على محمل الجد، وعملنا على تمنيع المجتمع المغربي ضد التأثير الفرنسي، الذي بدأ يأخد منحى واضح من حيث الخلفيات، فالاجتهاد والحوار كفيلان بتقريب وجهات النظر بين الحداثيين والقوى المحافظة داخل المملكة.
لكن ربما في آخر المطاف سيحتكم الجميع إلى متغيرات الواقع: ديموغرافية المرأة آخذة في التصاعد ، بطالة النساء ، عزوف عن الزواج ، تربية النشء ، ولعل هذا الأخير هو التحدي الأكبر الذي يواجهه المغرب ، فهل تستطيع المدونة لعب دور ريادي في هذا الصدد ، سلمات
صراحة سيدي عصيد المحترم ,يجب ان نعترف ان المؤسسة الملكية تلعب ليس دورا وانما ادوارا ايجابية تسجل باستمرار نقط ايجابية في السياسة المغربية الاجتماعية والاقتصادية وتحافظ على السلم الاجتماعي بطرق ذكية جدا بحيث تسير بالمجتمع المغربي نحو المعاصرة ونحو اصلاح القوانين المجحفة بذكاء رائع وبالتالي فلو فتحنا معركة سياسية مباشرة بين العصريين والاسلاميين فالنصر سيكون للاسلاميين لان المجتمع متأسلم ومتخلف فكرا وما زال يعيش على الفكر التراثي القديم وبالتالي فدور جلالة الملك في مرحلتنا ضروري وينقذ ماء الوجه العصريين ويبرد طغيان الاسلاميين الذين يستغلون سذاجة المجتمع المغربي,انا مع حقوق المراة والاسرة بصفة عامة ومع اصدار قوانين جديدة تساير عصرنا ولكن اليد قصيرة والعين بصيرة لان المعرقل عنيد جدا لا يقهر
ايها الاستاذ التحولات الجارية في المجتمع هي التي يجب أن تخضع الشريعة الإسلامية لانها من عند الله سبحانه وتعالى. الذي يقول تلك حدود الله فلا تعتدوها
لا تنسي انك في بلد مسلم بلد العلماء والاولياء والصالحين بلد عريق ولها تاريخ حافل بالفتوحات
بلد المدارس العتيقة وبلد القرويين .
وانسى المؤمنين ادرك هذا حينما قال. بصفتي امير المؤمنين لن احلل ما حرمه الله ولن احرم ما حرمه الله
هل هذا الكلام يحتاج الى التفسير والتاويل.؟
مقال ممتاز والفكرة فريدة قلما يتم الإنتباه لها وفي رأيي ليس هناك سوى طريقة واحدة لهزيمة المتطرفين في هذا الإستحقاق بالذات :الإستفتاء. طرح التعديلات للإستفتاء للشعبي المباشر سيكون هو الجدار المنيع الذي تتحطم أمامه الأقلية التي تجيد الصراخ. والنتيجة مضمونة لصالح التعديلات، لسبب جوهري، وهو أن شرعية الملك في أوجها بعد المونديال والاداء المبهر بعد الزلزال والفوز بتنظيم كأس العالم، وكما قال أحمد. بهاء الدين فإن أي شعب يلتف تلقائيا حول أي قرار يتخده حاكم لا جدال في شرعية حكمه.
تمنيتُ لو أنك اختفيتَ وتواريتَ إلى الخلف كما فعل من سبقوك. ولكنك مصرّ على استفزاز المغاربة بخرجاتك بين الفينة والأخرى، فأي حقد هذا الذي يسكنك تجاه المغاربة، ألست منهم؟ أشك في ذلك.
فلاش: بنظرة تأمل عميقة
كاتب مغربي. ايطاليا