نداء الكتابة

نداء الكتابة
الثلاثاء 2 يناير 2024 - 09:21

تقديم

إن المنعطف المهم المؤثر في تاريخ البشرية لم يأتِ جراء غضب الطبيعة أو قسوتها، فالزلزال الحقيقي أحدثه الإنسان من تلقاء نفسه، باختراعه للكتابة تعبيرا عن احتياجاته الفيزيولوجية الملحة ورغبته المتجددة في التواصل، وإصراره على فهم الظواهر وتطلعاته للسيطرة عليها. وعليه، فمنذ اختراع الكتابة – حوالي 5 آلاف سنة من الآن- حاول الإنسان إيصال رسائله بشكل أوضح مخبرا من يعيش معه ومن سيأتي من بعده. فنقلته الكتابة بالتالي من العصر الحجري إلى العصر النيوليتي، أي دخل الإنسان التاريخ من باب الحروف المسمارية، والهيروغليفية، والصينية القديمة، مع تحفظ يبديه بعض الدارسين، وعلى رأسهم علماء الأنثروبولوجيا وخبراء الآثار، في إشارة إلى ما أبدعه إنسان ما قبل التاريخ من رسومات وما ترك من أدوات وشواهد قبل تأسيس التجمعات البشرية الأولى؛ ومنها الحواضر والمدن. لكن للحروف الهيروغليفية والمسمارية آثار فريدة بدلالات لم يسبق لها مثيل. وكما قال الفيلسوف الفرنسي ديدرو في سياق حديثه عن الخطاب اللغوي ورسائل اللوحة الفنية: “…. فلقاء الجميل هو هيروغليف”؛ يأتي الخطاب بالتالي معبرا تارة بالكلمات، وأخرى بالرسومات، جامعا بين الواقعية والخيال. تصبح الكتابة بالكلمات هي ذلك الأثر الجميل الذي سيمكن الإنسان من البوح تعبيرا عن أفكار تراوده مثبتا إياها على الألواح الطينية، والخشبية، والحجرية، ثم الورقية… وحاليا على الحاسوب، بغية نقلها إلى الآخرين وبصيغة موحدة، كما تدل على ذلك شواهد من حضارات بلاد ما بين النهرين، مصر الفرعونية، والصين القديمة، على سبيل المثال لا الحصر.

وبالرغم من هذه الخطوة العملاقة التي كانت من أسباب قيام الحضارة، فإن هنالك من يربط ظهور الكتابة ببداية استغلال الإنسان لأخيه الإنسان؛ وفي طليعتهم الباحث الأنثروبولوجي لفي ستراوس. كما اقترنت في نظر بعض الدارسين، ومن هم مشيل فوكو، بسيطرة الأقلية على الأغلبية؛ اقتصاديا، وسياسيا، وثقافيا. ويعتقد عالم الاجتماع بيير بورديو بأن تعلم القراءة والكتابة، أو محاربة الأمية، ما هي إلا وسيلة لإخبار الناس حتى لا يتذرعوا بعدم معرفتهم للقوانين. أكثر من ذلك فإن رواد الحراك الاجتماعي بفرنسا سنة 1968 وفي مقدمتهم لفي ستراوس، فوكو، وبورديو، أقروا وقتها بأن القواعد اللغوية ما هي إلا آلية لفرض السيطرة ومنع الآخرين من التعبير والكلام بعفوية. أمام هذا الانقسام في الرأي، نتساءل مع الفيلسوف المعاصر ليك فري، كيف يمكن أن ننصف الكتابات الإبداعية لمؤلف كمارسيل بروست، ونعطي الحق لوجهة نظر الباحث في المجتمعات التقليدية “البدائية”، لفي ستراوس؟ أم أن محرك التاريخ، كما يقول هيغل، يكمن في رغبة الإنسان الجوهرية في نزع الاعتراف من الآخرين كيفما كانت وسيلة التعبير بالكتابة أو بالشيء؟ عن أي اعتراف نتكلم والكتابة تحفها عوالم مقلقة ومفزعة؟ كيف يواجه الكاتب معضلة بياض الورق؟

1- الولادة العسيرة للنص واختفاء المؤلف !

الكتابة هي تعبير عن قضية الكاتب في صراعه مع الفراغ الكبير والمهول الذي يحيط به من كل الجوانب جراء أحاسيسه المفرطة ونظرته الثاقبة. وكما يقول موريس بلانشو في مؤلفه (أسئلة الكتابة، ترجمة نعيمة بنعبد العالي وعبد السلام بنعبد العالي، 2004، ص.41) فـ”كل كاتب يجعل من الكتابة مشكلته الأولى. ومن هذه المشكلة موضوع قرار يمكن أن يغيره. […] حالما ينظر للأدب على أنه وسط يتغير فيه كل شيء (ويصبح أجمل). حالما تشعر أن هذا الهواء ليس فراغا وهذا الضياء لا يضيء فقط بل يغير الشكل بإلقائه على الأشياء نورا (غير طبيعي)، حالما ندرك أن الكتابة الأدبية …ليست فقط شكلا شفافا ولكن عالما مستقبلا تسود فيه …القوى (غير مرئية) التي تحرف كل شيء، يكون من الضروري على كل منا أن يحاول الانفلات من هذا العالم، فهو إغراء لنا جميعا بتخريبه لإعادة بنائه نقيا من كل استعمال سابق”.

تصبح الكتابة هنا ممحاة لمحو كل العلامات وكل الضمائر، ومحاولة للعودة إلى “نقطة الصفر” والتيه وسط البياض. وكأن الكاتب يبحث عن مساحات أعمق يغيب فيها وتعوضه الحروف عن مغامرات التيه في الغابات وبين الوديان السحيقة بغوص أعمق داخل الذات المتسائلة من أجل القبض على “الكتابة الأم”.

صار رهان المؤلف جراء حالة “استقراره” داخل التجمعات البشرية “الحضرية” هو الميل إلى الرمزية سعيا منه إلى تهذيب التعبير حتى لا يبدو وحشيا يذكره بحالته الطبيعية الأولى حيث كان يعيش حرا طليقا قريبا من الحيوانات مشبعا بأصواتها وحركاتها وهو يتابع خطواتها من طلوع الشمس إلى مغيبها. يختار المؤلف، في بعض الحالات، لغة الصمت ويعود إلى الفراغ أو إلى “درجة الصفر في الكتابة” كما يقول رولان بارت، لنفي كل مظاهر الكذب التي تحيط به ويراد لها أن تقهره وتشل حركته، حيث يقول بلانشو (المرجع السابق، ص.59)؛ “يرتبط الكاتب بما يقهر الموت. هو لا يعرف المؤقت. هو صديق النفوس وإنسان الأرواح وضامن الخلود”.

احتاج الإنسان إلى تطوير الرموز فسقط في المحظور باختراع الحروف التي مكنته من التعبير والتواصل بطريقة أوسع، بواسطتها نقل الأفكار والمعارف التي ساعدت على تنظيم الحياة والمعاملات الاقتصادية والسياسية على وجه الدقة، كما بينت ذلك الشواهد من الحضارات الغابرة إلى اليوم. وتعنينا هنا الكلمات في شقها الإبداعي بين ميلادها العسير وسط العدم، وبعوالمها المقلقة وطقوسها الفريدة بين حضور الكاتب تارة واختفائه تارة أخرى بحسب العلاقة التي يؤسسها – من دون أن يدري – مع “الصفحة البيضاء” التي تتطلب عناية كبيرة، في حركية يعتبرها الشاعر ستيفان ملارمي “خصوصية جمالية”، أو كما يقول في أحد رسائله لصديقه هنري كزاليس المؤرخة بـ13 يوليوز 1866: “… بعدما عثرت على العدم، وجدت الجمال”. فالكاتب المتكلم هو الكلمة فبواسطتها “يتجلى السر”، حسب ملارمي، نقلا عن العربي طواف (الآداب والفلسفة: إشارات نقدية، ص.8)، فتتدفق الأحاسيس من الأعماق البعيدة متوهجة لتشكل المعرفة ولتسبق الكلام كما يقول جاك دريدا. من هذا العمق ترتوي المُبدعات ويشرب المبدعون، ملاذهم الأخير المتسم بالغموض والرمزية والنزوع للمطلق، في سعي إلى خلق المعنى بواسطة الكلمات مقابل الكلام الشفهي الملازم للحضور والتداول العام.

يختار الكاتب الخلوة يقطع مع كل ضجيج يذكره بصداع المدينة وأسواقها المكتظة، يريد عالما فارغا من الثرثرة قريبا من الطبيعة الأولى. هكذا يقوم مثلا بروست بعزل نفسه، ويعزل حتى غرفته باستعمال كل الأساليب الممكنة لمنع وصول الضجيج إليه، بعدها ينهمك في كتابة “البحث عن الطريق المفقود” لعله يجده ليستمتع به القارئ في حين يحترق المؤلف ولا يجد للاحتراق بديلا وللموت سبيلا؛ “يموت المؤلف”، كما يقول رولان بارت ليعيش القراء من بعده، في تجربة تقرب المؤلف من مقام الجليل عند كانط. يشبه بارت – في مؤلفه ‘درجة صفر في الكتابة’ (طبعة 1972، ص.50)- الكاتب بالحرفي “الذي يزاول عمله في مكان بحمولة أسطورية، […] ويقضي في محرفه ساعات منتظمة من العزلة والجهد […]: على هذا المنوال قام مبدعون أمثال فلوبير، غوتييه، فالري، أو أندريه جيد، وغيرهم بصقل جملهم على غرار الشكل والمعالم التي يكون عليها الوضع بالمحترف”.

الإبداع هنا عمل من نوع خاص أو نقول “اختراق واحتراق”؛ تتدفق الأحاسيس لتنتشر على البياض فتشحن الكلمات وتصعد الألوان في الأفق في حين يتراجع الفنان أو المبدع للوراء ويختفي، وعليه أن يختفي ليترك المنجز يتكلم عنه باعتباره إرثا ليس في ملكيته، هو في ملكية الآخرين. يعتبر بروست هذه الحالة الإبداعية بالدعوة التي على المؤلف أن يستجيب لها باعتبارها “نداء قادما من أماكن أخرى”، من “حدائق داخلية “، حتى وإن بدا الإنجاز في آخر العمر مُهلكا لصاحبه “يحفر له قبره”، فهذا الانفصال عن الحياة بحسب بروست “هو الذي يشفي رغبة البقاء فينا”، ويمكن المبدع من الصعود من قعر الهوة السحيقة للأعالي “تحمله الأنوار” كما يقول مرسيل بروست في مجلد ‘الزمن المستعاد، ص.461).

إن المبدع لا يحتاج إلى اعتراف الآخر حتى يعود إلى الواجهة بقدر ما يحتاج إلى أن يفهم هيامه وحالاته الوجدانية التي تناديه بإلحاح من حين إلى آخر ودون سابق إنذار فيستجيب لها فورا ويسافر لتلك “الحدائق الداخلية”، ثم سرعان ما يعود منها بأجود الثمار؛ البذرة على السطح ميتة، مثل الكلمة تماما، لا بد لها من أن تُطمر في أعماق التراب، وبفضل الغيث والأنوار تنمو وتثمر ليستفيد منها الجميع.

2ـ معاناة المبدع

لا يتسع المجال لبسط معاناة الكتّاب والمبدعين مع الإبداع نفسه قبل المحيط، وهي معاناة بسبب غموض الرحلات المكوكية للمؤلف المعنية بمجالات لا علاقة لها بما يجري على السطح، ولو أنها أكثر استيعابا لهذا الواقع؛ لأن المبدع يعيشه بطريقة أكثر كثافة وحضورا. هذه الرحلات جعلت مؤلفين عديدين يختارون الخلوة ويقاطعون الارتباط أو الزواج حتى لا يتسببوا في إحراج يعصف بكل الأطراف المكونة للأسرة. ونستحضر هنا أمثلة عديدة لمفكرين كبار أجبرهم “الأنا العميق” إلى نسيان – دون قصد – الطرف الآخر مما تولدت عليه مشاكل مثل ما وقع للمفكر كارل ماركس مع زوجته، شعور يخفي في الوقت نفسه ظلم ماركس لرفيقته لأنه أهملها وانصرف إلى الكتابة منجذبا إلى سحر عوالمها الباطنية والاهتمام بهموم البروليتاريا. عبرت جيني، زوجة ماركس، عن هذا الوضع متمنية لو عاش زوجها بيد واحدة تبعده عن المكتب وعن هموم البروليتارية المضنية، ليحس بمعاناتها التي لا تنتهي؛ فتحول ماركس إلى “شيطان” كما عنونت ذلك الكاتبة والصحافية الفرنسية فرانسواز جيرو، في مؤلفها الصادر سنة 1993 تحت عنوان “جيني ماركس أو زوجة الشيطان”. عبر ماركس عن هذا الإهمال غير المقصود بالقول: “لو قدر لي أن أعيش حياتي من جديد لما تزوجت”.

يتذكر المتابع في هذا الباب فرانز كافكا، الذي لم يجد الطريق للتوفيق بين الكتابة وحياته الزوجية. لقد عذبه هذا الارتباط، وتعذبت أكثر شريكة حياته الراغبة في الاستمتاع بالحياة. ظل يصارع مضاعفات مرض السل من جهة ويبحث عن أية فسحة لمواصلة الكتابة لأنه وجد فيها ما لم يجده في العلاقة الزوجية. اعتاد كافكا أن يخصص الصباح للعمل، يرتاح بعد الظهر ليسافر مساء مع الكلمة “خصبة الخيال”، في اتجاهات مختلفة بحثا عن المعنى قبل أن “ترفضه الكتابة” كما يقول عن نفسه وهو يستسلم للمرض الذي سيفتك به.

إن المعالجة الإبداعية هنا هي ثورة على الحياة العادية بحثا عن معرفة اختفت داخل ثنايا الطبقات في ظلمة قاتمة تحت الأرض. والتجلي الإبداعي هو هنا فيض غزير وقوي نابع من الضعف، هلال نوراني يطل ويختفي بسرعة؛ يجسد الوعي الحقيقي بحاجات المجتمع ويتجاوزها، لهذا يعتبر الفيلسوف هنري برغسون الواقع بأنه “روحي وليس ماديا”.

يصبح الدافع إلى الكتابة هو القلق أو الألم باعتبارهما انشغالا إنسانيا وليس ذاتيا فقط، تتكلف هذه الأخيرة بتشكيله عن طريق الهدم وإعادة التركيب باللجوء إلى ذخيرة نورانية طارحة تصورا مختلفا للوجود والحياة. وكما يقول الكاتب محمد شكري في “الخبز الحافي” قل: “كلمتك قبل أن تموت فإنها ستعرف، حتما، طريقها. لا يَهُمُّ ما ستؤول إليه. فالأهم هو أن تُشعل عاطفة أو حزنا أو نَزْوَة غافية”.

خاتمة

الكتابة هي إدراك صادق وليد معركة داخلية بين أطراف عديدة غير معلنة تتشابك فيما بينها وفي ما بين محيط خارجي يفترض أن يطلع على المنجز ويتفاعل معه ويغذيه. نداء الكتابة هو قبل كل شيء استجابة القلم “للذات العميقة” التي تقوم بتوظيف الكلمات ذات المعاني والحمولة الوجدانية الكثيفة لتشكل “لحمة قوية” – كما يقول هيسرل – تمكن من إبراز الجوهر والمعنى. وبالرغم من أن الكلمات تواجه أشكالا تعبيرية منافسة، فإن “لا شيء خارج الكلمات” على حد تعبير الفيلسوف موريس ميرلوبونتي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان