الحرب الكيماوية بالريف

الحرب الكيماوية بالريف
السبت 7 دجنبر 2024 - 10:13

تقديم:

خلال سنتي 2006 و2007 تم عقد مجموعة من اللقاءات الإعلامية والرسمية بالبرلمان الاسباني لدراسة التأثير السلبي للغازات السامة التي استعملها الجيش الاسباني في عشرينيات القرن الماضي في حرب الريف ضد سكان المنطقة الخليفية بشمال المغرب آنذاك، وذلك استجابة لطلب بعض الجمعيات الريفية التي كانت تفترض وجود علاقة سببية بين استعمال تلك الغازات في القصف وإصابة بعض سكان المنطقة بمرض السرطان وتطالب بالتالي بجبر الضرر الجماعي والفردي للساكنة المحلية.

في هذا الإطار قامت اللجنة الخاصة بالذاكرة التاريخية بالبرلمان الاسباني باعتبارها مختصة في مثل هاته المواضيع بتوجيه الدعوة إلى المؤرخة الإسبانية المعروفة “ماريا روزا دي مادرياغا” من أجل الاستفادة من خبرتها في هذا الموضوع والاستماع إلى تحليلاتها واستنتاجاتها بخصوصه نظرا لما راكمته من أبحاث ودراسات حول تاريخ العلاقات الاسبانية المغربية عموما وحول حرب الريف على وجه الخصوص. وقد حضرت الأستاذة ماريا بالفعل لذلك اللقاء وقدمت تقريرها المفصل حول الموضوع مع التطرق لكل التساؤلات المطروحة تقريبا حيث قامت بالجواب الواضح على بعضها فيما بقي بعضها الآخر محل شك أو غموض بسبب عدم تراكم البحث العلمي والتاريخي حولها مما يجعل الحسم في الجواب عنها صعبا في الوقت الحالي، وهو التقرير الذي قامت المعنية بالأمر ببسط أهم ما جاء فيه في مقال نشرته فيما بعد في السابع عشر من فبراير من سنة 2015 بصحيفة “الباييس El Pais ” تحت عنوان” الحرب الكيماوية في الريف وعلاقتها بمرض السرطان”، وقد اجتهدنا في نقله إلى العربية _كما تجدونه أسفله_ سعيا منا لتعميم الإفادة والاستزادة عند قرائنا المغاربة وتحفيزا كذلك لمسؤولينا حتى لا يتم إغفال هذا الموضوع بما يحمله من تداعيات سياسية وديبلوماسية واقتصادية واجتماعية هامة وأساسية.

نص المقال:

في 14 فبراير 2007 قامت اللجنة الدستورية بالبرلمان الاسباني بمناقشة مقترح تقدم به حزب اليسار الجمهوري الكطلاني (ERC) يتعلق باستعمال اسبانيا للأسلحة الكيماوية أثناء حرب الريف، وكان الحزب نفسه قد نظم في 26 يونيو 2006 في إحدى قاعات البرلمان مؤتمرا صحفيا حضرته مجموعة من الجمعيات الريفية للحديث عن القصف الذي تعرضت له منطقتهم والطرق والوسائل المتاحة للمطالبة بالتعويض المعنوي والمادي عن تلك الأضرار في إطار قانون الذاكرة التاريخية الذي كان البرلمان الاسباني يعتزم المصادقة عليه. في هذا السياق، تمت دعوتي كذلك من طرف حزب اليسار الجمهوري الكطلاني _باقتراح من الجمعيات الريفية_ بصفتي مؤرخة مختصة في هذا الموضوع للنظر في مزاعم الأضرار التي تسببت فيها تلك الحرب في صفوف الساكنة المحلية، وقد حاولت بالمناسبة أن أصحح بعض المغالطات وعدم الدقة التاريخية في ما يروج من معلومات ومعطيات في هذا الشأن.

فعلى عكس ما يعتقد البعض، لم تكن إسبانيا هي الدولة الأولى التي استعملت الغازات السامة في أي حرب من الحروب، إذ سبق لألمانيا وفرنسا وإنجلترا أن استعملتها في الحرب العالمية الأولى، قبل أن تقرر الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى عدم استعمالها ضد دول أوروبية أخرى، أما في الدول المستعمرة أو المحتلة من طرف المد الامبريالي فلم يعد لتلك الدول الأوروبية نفس الوازع أثناء المواجهة الحربية معها، إذ أن إنجلترا كان قد سبق لها استعمال الغازات السامة في العراق خلال سنتي 1919 و1920 كما استعملتها إسبانيا في الريف المغربي وإيطاليا تحت قيادة موسوليني في الحبشة أو إثيوبيا في 1935 و1936. ومع ذلك فإن إسبانيا تبقى هي أول دولة استعملت سلاح الجو أو الطائرات لرمي مثل تلك القذائف.

هكذا، إذن، اقتنع قادة الجيش الإسباني بناء على تجربة الحرب العالمية الأولى باستعمال هذه الوسيلة الفتاكة لأجل تصفية الصراع الحربي في الريف وكذا لأجل إنقاذ حياة الجنود الإسبان المشاركين في تلك الحرب، فالفكرة بدأت على إثر كارثة أنوال بغاية الانتقام للمذابح التي وقعت في صفوف جيشهم في كل من زلوان والناظور وجبل أغوت ليس من طرف المقاومة الريفية فقط وإنما من طرف “مجموعات” غير منضبطة من القبائل المحيطة بمليلية. ومادامت إسبانيا لم تكن دولة مصنعة لتلك الغازات فإنها كانت تحتاج لجلبها أو استيرادها من الخارج لذلك فقد كانت تجلبها في البداية من فرنسا، ثم سرعان ما ستتحول إلى ألمانيا لتستورد منها تلك الغازات.

لقد استعملت الغازات السامة من طرف القوات الإسبانية في حملة عسكرية خلال سنة 1923 عن طريق سلاح المدفعية أولا ثم عن طريق الطيران العسكري حيث أراد الجيش الإسباني أن تكون تلك القذائف كثيفة لكي يكون هناك أكبر ضرر مادي وبشري ممكن ولكي تثبت للمقاومين أو المحاربين الريفيين وكذلك للساكنة مدى قدرتها على الفتك، ولكن، نظرا لعدة عوامل بعضها تقنية وأخرى سياسية لن يتحقق لهم ذلك بسهولة في تلك الفترة، كما ظهر أن تلك الاستعمالات الفتاكة كانت موجّهة وانتقائية خاصة في مركز الريف ووسطه وفي قبيلة غمارة وفي المنطقة الغربية لقبائل جبالة وهي الهجمات التي شرع فيها الجيش الإسباني قبل بداية الحكم الديكتاتوري لبريمو دي ريفيرا، وأما في ظل حكومته فقد تكاثف القصف على تلك المناطق واستمر إلى غاية نهاية الحرب في يوليو 1927.

وأما الغازات السامة المستعملة فقد كانت من نوع “الكلوروبيكرين chloropicrine” و”الفوسجينFosgène ” من عائلة الأوكسيكلورير وخصوصا غازات “الإيبيريت Iprite” التي تسببت في عدد كبير من الضحايا ليس فقط في المقاتلين المحليين وإنما كذلك في السكان والأهالي وهي مادة شبه نفطية تتسبب في خلق البثور والحرق في الجلد والالتهاب أو الإصابة في العيون مما قد يؤدي إلى العمى، وفي حالة التعرض لكميات كبيرة قد تتضرر الرئتان بشكل كبير مما قد يؤدي إلى الموت. وفي هذا الإطار لا زالت الدراسات العلمية تتباحث الآثار بعيدة المدى لمادة الإيبيرت على الإنسان ومدى تعرضه للإصابة بالسرطان حيث أن الأمر يتطلب متابعة دقيقة للمصابين بأعراض الإيبيريت. وإذا كانت الإيبيريت مادة مسرطنة عندما يكون التعرض لها مستمر في الوقت ومتواصل لمدة طويلة وهو ما أثبتته متابعة الأعراض المتتالية للإصابة بالسرطان لعمال المعامل الذين ينتجون هذه المادة فإن التعرض لها بشكل متفرق أو لمرة واحدة كما وقع في الحرب لا يؤكّد العلاقة السببية بين تلك المادة والإصابة بالسرطان، وبالتالي فإنه سيكون من المغامرة التقرير بأن أغلب حالات الإصابة بالسرطان راجع للتعرض لمادة الإيبيريت سواء تعلق الأمر بالساكنة المحلية التي كانت تقطن في الريف وجبالة في العيشرينيات أو بخلفهم من أبناء وأحفاد.

من جهة أخرى هناك سؤال آخر يطرح يفرض نفسه في هذا الاتجاه ألا وهو: كيف يمكن تفسير وجود حالات كثيرة من مرض السرطان في منطقة الريف الشرقي قرب مليلية رغم أن تلك المنطقة لم تتعرض أصلا للقصف بالغازات السامة، بل إن تلك المنطقة كانت قد استرجعت (أي احتلت من جديد) خلال سنة 1923 من طرف الجيش الاسباني، نفس الأمر يمكن قوله عن منطقة وجدة التي كانت تابعة للحماية الفرنسية والتي لم تتعرض أبدا للقصف بالغازات السامة هي كذلك، وبالتالي فإن الربط بين قنابل الإبريت وانتشار مرض السرطان في الريف على وجه الخصوص ليس له أي أساس علمي مثبوت.

فهل يجب على اسبانيا أن تعتذر؟

في هذا الصدد يبقى من الضروري تفادي التكهنات العاطفية وتقديم أدلة دامغة مثبوتة بمصادر ودراسات معترف بها علميا، وهنا لا أعتقد أن هذه الجمعيات التي تنظم مؤتمرات ولقاءات عامة بخصوص هذا الموضوع مؤهلة للتحقيق والتقرير في هذه النظرية بل إنه لا أحد من هؤلاء الخبراء قد سبق له أن وضع قدمه في الأرشيف للبحث في هذا الموضوع وبالتالي يجب تفادي استغلال هذه القضية في ما هو خارج عن إطار البحث عن الحقيقة العلمية والتاريخية، ورغم ذلك، فإن ما هو معروف اليوم على مستوى واسع بعد كل هذه السنوات (أكثر من تسعين سنة) هو أن اسبانيا قد استعملت الغازات السامة فعلا في حرب الريف وهذه حقيقة تاريخية واضحة اليوم وهي في نفس الوقت إدانة بالنسبة لها لذلك فيبدو من الواجب على اسبانيا أن تصحح خطأها من جبر الضرر الجماعي لسكان المنطقة والمساهمة في تنميتها الاقتصادية والاجتماعية. انتهى المقال.

قراءة موجزة في مضمون المقال:

لقد خرجت الكاتبة والمؤرخة المتألقة ماريا روزا دي مادرياغا بخلاصة مفادها أنه لا يوجد أي دليل علمي يثبت وجود العلاقة السببية المباشرة بين ارتفاع عدد الإصابات بالسرطان في منطقة الريف وبين تعرض سكان المنطقة للقصف بالغازات السامة لبضع سنوات (4 سنوات تقريبا) قبل قرابة 90 سنة من اليوم بالنظر لكون التعرض لتلك الغازات وخصوصا لمادة “الإبريت” لم يكن بشكل متواصل ومستديم على عكس حالة عمال معامل “الإبريت” الذين كان يتعرضون له بشكل يومي ومستديم مما تسبب بإصابة عدد كبير منهم بالسرطان بشكل مؤكد ومثبوت. من خلال هذا نجد أن المؤرخة ماريا روزا ديمادرياغا لم تنف وجود تلك العلاقة السببية المفترضة ولم تؤكدها في نفس الوقت مما يعني أن هذا الموضوع ما زال يحتاج للمزيد من البحث العلمي المعمق للخروج باستنتاجات مبررة ومسنودة علميا، ورغم ذلك فإنها أكدت في ختام مقالها على أن إسبانيا تبقى مدانة باستعمال الغازات السامة في الحرب بالتالي فهي مطالبة بجبر الضرر الجماعي والفردي لساكنة الريف.

من جهة أخرى نرى أن كاتبة المقال غالبا ما كانت تركّز في كتابتها على كون الغازات السامة تم استعمالها في الريف (اللهم إلا ما جاء فقرة عابرة واحدة بأن القنابل الكيماوية قد سقطت كذلك في منطقة جبالة الغربية وغمارة)، والحال أن منطقة جبالة برمتها تقريبا قد تعرضت لعدد أكثر من القنابل الكيماوية من نظيرتها في الريف وهو ما أكدته العديد من الدراسات والأبحاث الجارية في هذا الموضوع سواء في المغرب أو خارج المغرب استنادا على المعطيات العسكرية التي تم الحصوص عليها من أرشيف الجيش الاسباني وكذلك من الأرشيف الإنجليزي وغيرهما، وهنا أستشهد بتقرير للأستاذ والمؤرخ المغربي “مصطفى المرون” الذي ألقاء في ندوة بمناسبة الذكرى السابعة والستين لعيد الاستقلال المغربي تم تنظيمها بجماعة مولاي عبدالسلام بشراكة بين الجماعة ومؤسسة عبد الخالق الطريس للتربية والثقافة والعلوم وهو التقرير الذي أكد بالأرقام والمستندات بأن منطقة جبالة تحملت من القصف بالقنابل الكيماوية أكثر مما تحملته منطقة الريف بيد أن التركيز كان في الغالب منصبا على منطقة الريف لوحده بالنظر لكونها كانت تضم مركز قيادة المقاومة الخطابية إلا حدود سنة 1927 أي بعد إنزال الحسيمة.

وختاما أقول إنه حتى لو لم تكون الدراسات العلمية تؤكد وجود العلاقة السببية المفترضة بين القصف ومرض السرطان فإن الدراسات الإحصائية الكمية الدقيقة قد تعطي بدورها توضيحات أكثر في تناول هذا الموضوع بل إنها قد تعتبر مؤشرا علميا واضحا لتلك العلاقة المفترضة إن كان ارتفاع حالات المرض بالسرطان في موقع القصف ذاتها في كل المنطقة الخليفية وليس في منطقة الريف وحدها. وعليه فمهما كان تبقى دولة إسبانيا مطالبة بالاعتذار للساكنة المحلية ناهيك عن جبر الضرر الجماعي والفردي من خلال المساهمة المباشرة في تنمية المنطقة، وهذا أمر يحتاج في تفعيليه بدون شك إلى التدخل الديبلوماسي بين البلدين بعد التأكد من كل الأبعاد العلمية والتاريخية بطبيعة الحال.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • amaghrabi
    الإثنين 9 دجنبر 2024 - 09:47

    تلك امة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت والبكاء على الاطلال سيدي يورث الفقر والكسل وبالتالي فنحن والحمد لله فتحنا صفحة جديدة مع اسبانيا نؤذي الى ارباح طائلة للشعبين الشقيقين وبالتالي عفا الله عما سلف لانه ما يربح شعبنا اليوم من هذه العلاقة المغربية الاسبانية لا تقارن ببعض الاموال التي لا تسمن ولا تغني من جوع من هذه المطالب عن مسؤولية الدولة الاسبانية في حرب الريف

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30

اللغات المغربية في الأدب والإعلام