في ظل الشعارات الكبرى حول الإصلاح التربوي، التي تتغنى بها المؤسسات الوصية على القطاع، يواجه أساتذة وأستاذات اللغة الأمازيغية إقصاء متكرر داخل المنظومة التربوية، فبينما تمضي الدولة قدما في مشروع “مؤسسة الريادة”، نجد أن مدرسي الأمازيغية يشتكون من الإقصاء والحرمان من التكوينات والدورات التدريبية، بالإضافة إلى عدم الاستفادة من منح الريادة، مما يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام الدولة في تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وتحقيق العدالة اللغوية.
مؤخرا، أعاد أساتذة وأستاذات الأمازيغية فتح هذا النقاش من خلال شكاية موجهة إلى رئيس الحكومة المغربية، عبروا فيها عن استيائهم العميق من التهميش الذي يتعرضون له مقارنة بزملائهم في المواد الأخرى، خاصة فيما يتعلق بالتكوينات ومنحة الريادة. هذه الرسالة بقدر ماهي مطالبة بمساواة مهنية، فإنها دعوة صريحة لمراجعة سياسات الدولة تجاه الأمازيغية داخل المنظومة التعليمية.
طموح أم انتقائية؟
يأتي مشروع “مؤسسة الريادة” كمبادرة طموحة تهدف إلى إحداث تحول نوعي في المنظومة التعليمية من خلال الإرتكاز على ثلاثة محاور استراتيجية للتدخل، تشمل التلميذ، الأستاذ، والمؤسسة، وفقا لخارطة الطريق 2022-2026. ومع ذلك، فإن استثناء أساتذة الأمازيغية من التكوينات ومنح الريادة يجعل من هذا المشروع مشروعا غير شمولي، لا يستهدف جميع الفاعلين في الحقل التربوي.
فإذا كانت ”مؤسسة الريادة” تهدف في إطار مقاربة تشاركية ومندمجة، إلى إرساء نموذج المدرسة المغربية الرامية إلى توفير الظروف المناسبة للتعلم والرفع جودة التعلمات الأساس عبر تمكين الأساتذة وتطوير مهاراتهم، فلماذا يتم استثناء فئة معينة من هذا المسار الإصلاحي؟ إن تجاهل أساتذة الأمازيغية يتناقض مع مبدأ تكافؤ الفرص الذي ينبغي أن يكون أساس أي إصلاح تربوي شامل. فهل يمكن اعتبار هذا المشروع خطوة حقيقية نحو التغيير الفعلي، أم أنه مجرد نموذج انتقائي يخدم فئات دون أخرى، متجاهلا مقتضيات الدستور التي تنص على المساواة بين اللغتين الرسميتين للدولة؟
الإقصاء البنيوي
لقد عانت اللغة الأمازيغية تاريخيا من الإقصاء في المنظومة التعليمية، ورغم التقدم الذي تحقق منذ ادماجها في التعليم سنة 2003، وترسيمها في دستور 2011، إلا أن تفعيل هذا الإعتراف على أرض الواقع ظل بطيئا ومتذبذبا. ففي الوقت الذي كان يجب أن يتم فيه تعميم تدريس الأمازيغية على جميع المستويات أفقيا وعموديا، نجد أن الأمر يسير بوتيرة بطيئة، ويقتصر في أحيان كثيرة على مبادرات محدودة لا ترقى إلى مستوى التزام الدولة تجاه النواة الأساسية لهويتها، في خرق سافر لمقتضيات القانون التنظيمي 26.16 المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.
إن حرمان أساتذة الأمازيغية من التكوينات ومنح الريادة هو مؤشر على أن هناك خللا في تعامل الدولة مع الأمازيغية كلغة رسمية. فكيف يمكن الحديث عن مدرسة ريادة إذا كانت إحدى اللغات الوطنية والرسمية لا تحظى بنفس الاهتمام الذي تحظى به اللغات الأخرى؟ وأي رسالة تبعث إلى الأجيال القادمة حين تدرّس الأمازيغية بشكل هامشي، بينما يتم التركيز على لغات أخرى في برامج الإصلاح التعليمي؟
الريادة الحقيقية
إن مشروع الريادة الحقيقية لا يمكن أن يتحقق فقط من خلال تطوير أساليب التدريس أو توفير التكوين للأساتذة، دون تحقيق المساواة في الفرص والاعتراف بكل مكونات وأسس التعددية الثقافية واللغوية للبلاد. فمشروع “مؤسسة الريادة”، الذي يفترض أن يحدث نقلة نوعية في التعليم، لا يمكن أن يكون شاملا وعادلا ما لم يحتضن جميع اللغات الوطنية والرسمية، وعلى رأسها الأمازيغية. إن أي تصور لريادة تعليمية يجب أن يستند إلى مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع الأساتذة، بغض النظر عن المادة التي يدرّسونها.
لذا، فإن تحقيق العدالة اللغوية في هذا المشروع يستوجب إدراج أساتذة الأمازيغية ضمن برامج التكوينات التي يستفيد منها زملاؤهم، وعدم التعامل مع الأمازيغية كمادة ثانوية. كما ينبغي ضمان المساواة في الاستفادة من منح الريادة، حتى لا يشعر أساتذتها بالتهميش في منظومة يفترض أنها قائمة على الإنصاف والتطوير.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن الحديث عن إصلاح تعليمي حقيقي دون الإسراع بتعميم تدريس الأمازيغية في جميع المستويات الدراسية، وجعلها أساس أي مشروع إصلاحي مستقبلي، بما يعكس مكانتها كلغة رسمية تستحق الاهتمام ذاته الذي تحظى به بقية اللغات في المنظومة التربوية.
الإنصاف اللغوي
إن نجاح أي إصلاح تعليمي رهين بمدى شمولية رؤيته وعدالتها، إذ لا يمكن تحقيق ريادة حقيقية في التعليم دون ضمان تكافؤ الفرص بين جميع اللغات الوطنية. وإذا كانت “مؤسسة الريادة” تسعى إلى إرساء نموذج تعليمي حديث وفعال، فمن الأجدر أن تبدأ بتصحيح التمييز الصارخ الذي يتعرض له أساتذة الأمازيغية، لا أن تعمّقه.
بل كان ينبغي أن تأتي بما يضمن تمييز إيجابي لصالح الأمازيغية، يعوضها عما طالها من تهميش طويل، من خلال منحها أولوية في التكوينات والدعم البيداغوجي لتسريع عملية تعميمها في التعليم. فبدون إنصاف لغوي حقيقي، ستظل مشاريع الإصلاح التعليمي مجرد شعارات جوفاء، لا تعكس روح الدستور ولا تطلعات المغاربة إلى إصلاح تعليمي حقيقي.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.