"ترامب 2" ونزاع الصحراء

"ترامب 2" ونزاع الصحراء
الأربعاء 26 مارس 2025 - 19:43

لا تزال إدارة الرئيس الأمريكي ترامب الثانية صامتةً بخصوص موقفها من نزاع الصحراء المغربية، السكوت الذي يُفسَّر أنه استمرارٌ لتأكيد نفس الموقف بتاريخ 10 دجنبر 2020، الذي يعترف بالسيادة المغربية على كل الأقاليم الصحراوية، ويجعل مشروع الحكم الذاتي حلاً جديًّا وواقعيًّا ذا مصداقية في إطار خارطة طريق محددة منطلقاتها ونهاياتها وأطرافها.

بيد أن الأطراف تتوجس خيفةً من هذا السكوت، سيما إذا استحضرنا نهج الرئيس الأمريكي القائم على لغة الخطاب الجريئة والقوية والمستفزّة لتحريك مجموعة من الملفات والقضايا والنوازل، دون اعتبار لمصالح وحقوق أطراف القضية وتحفظات حلفائه التقليديين، بل بتهميشهم وإقصائهم، على غرار مبادراتٍ مثل الحرب في أوكرانيا.

وإذا تمعنّا في أولويات التوجه الأمريكي الذي يسعى إلى فرض الهيمنة الأمريكية على العالم بقطبٍ وحيد، ومحاولات إضعاف بقية الأقطاب الاقتصادية في أوروبا والصين وغيرها من المجموعات الصاعدة، واستعراض قدرتها المرعبة في بسط نفوذها وقراراتها حول العالم من خلال محاولة التأثير السريع والتّدبير الأحادي في مجموعة من القضايا والجبهات، وترسيخ مفاهيم وحلول غريبة، ومواجهة كل الخصوم والمتنافسين بقرارات فوقية على أساس تنفيذ الوعود الانتخابية وليس على أساس التوافق والحلول المستدامة؛ فإن أي مقاربة نسقية أو تحليل تفكيكي أو قراءة تأويلية تجعل ضبط الموقف والقرار الأمريكي الجديد مستعصيًا وصعبًا، بعد أن انقلب على كل القواعد والموازين، وكسر كل الضوابط والقيود والتحفظات، وتجاوز كل الحدود والمعايير والتوقعات. فلا حديث لدى الرئيس ترامب سوى عن المصالح والعروض الاقتصادية والمواقع والمجالات الاستراتيجية التي ستجعل من أمريكا العظيمة من جديد: “America great again”.

وعلى إثر ظهور وبروز بعض البوادر والمؤشرات الاقتصادية الدالة التي تستأثر باهتمام وتركيز الرئاسة الأمريكية والمؤثرة ترجيحًا في صناعة القرار الأمريكي، يحاول أطراف نزاع الصحراء المغربية – وخاصة الجزائر – إثارة انتباه وطمع الإدارة الترامبية (Trump Two) عبر التلويح بعروض مغرية تناولت مقدرات الجزائر من الطاقة والمعادن النادرة بدون تحفظ، ثمناً لاستمالة وإغراء ترامب بالتراجع عن القرار الأمريكي المؤيد لسيادة المغرب على كل الصحراء، أو كبح حركة مسيره، أو حتى إحداث انقلاب في الموقف الأمريكي لصالح الجزائر (“حلم الجزائر”)! وهو العرض المقدم من طرف صبري بوقادوم عبر جريدة USA TODAY – Business Focus بتاريخ 18 فبراير.

فالعرض الجزائري – بدون سبب وبدون موجب – يتجاوز بدهاءٍ مقرونٍ بالغباء مجرد توجيه دعوة بحسن نية وبطريقةٍ أغرب عبر الإعلام إلى الإدارة الأمريكية من أجل الشراكة في عمليات الاستكشاف والتنقيب، بل هو سيناريو محبوك وببروباغندا مستفزّة، موجهٌ عنوةً وبسوء نية، بدافع إلهاء الإدارة الأمريكية وتشتيت تركيزها وثنيها عن الاعتماد على دول ومنافذ وممرات تجارية واقتصادية محددة مسبقًا؛ دول تتمتع – وحازت – على خبرة وتجربة عالية مشهود لها بالكفاءة والفعالية في الميدان، آمنة ومستقرة ومفتوحة على العمق الأفريقي، مثل المغرب.

القرار بالاعتماد والرهان على المغرب وموريتانيا في شمال أفريقيا – الذي اتخذته أمريكا بهدف استدراك الوقت لضمان التواجد الأمريكي في أفريقيا الذي تأخرت عنه أمريكا وأوروبا والحلف الأطلسي – لصالح أفضلية بفارق كبير لصالح الصين وروسيا. وبالمقابل، تُعتبر الجزائر – بحكم الواقع والمؤشرات – كيانًا منغلقًا بدون حظوظ ولا مؤهلات لجلب انتباه الإدارة الأمريكية الجديدة. فالحدود الجنوبية الجزائرية موصدة مع كل جيرانها: مالي والنيجر وليبيا وتونس والمغرب وموريتانيا، وتعيش حالة عزلة إقليمية وحصارًا وعقوباتٍ أوروبية تقودها فرنسا.

وتعتمد الإدارة والرئاسة الأمريكية على دول بأنظمة تحظى بمصداقية إقليمية ودولية، وجدية في علاقاتها الدولية، وثابتة في موقفها، ومستقلة في قرارها السياسي أمام القوى الكبرى المتصارعة والمتناقضة. ويتمتع المغرب بمؤهلات ومقدرات تجعل منه بيئة جاذبة وحاضنة للاستثمار؛ كلها مبادئ وقيم وخصال تفتقدها الجزائر، وتُقصى من الارتكاز الأمريكي لكونها جمعت كل القوى الكبرى تتصارع اقتصاديًا وتجاريًا في إقليمها، وفقدت الجزائر – من حيث تدري أو لا تدري – سيادتها على قرارها السياسي والاقتصادي، ومهددة بمخاطر أمنية حقيقية داهمة وليست فقط احتمالية.

ويعترف صبري بوقادوم – السفير الجزائري الدائم لدى الأمم المتحدة – في استجوابه مع جريدة أمريكا توداي بذلك بقوله: “أن التحدي الذي تواجهه الجزائر يكمن في عدم اعترافها كوجهة مفتاح للاستثمار”، وربط ذلك بغياب الأمن والاستقرار منذ عشرية الإرهاب: “One challenge we face is that Algeria is not widely recognized as a key investment destination”. والدليل توفر تصريحات الرئيس تبون خلال زيارته الأخيرة لروسيا، الذي قال في أمريكا والدولار الأمريكي والنظام الليبرالي: “ما لم يقله مالك في الخمر”!

وبالمقابل، فإن المغرب الواثق من نفسه حافظ على هدوئه الحذر إزاء أي تطور أو تغيير أو تعديل مفاجئ في الموقف الأمريكي، ويسعى بثبات وواقعية لترسيخ وتثبيت سابق قرار الإدارة الأمريكية، واستثماره في قدراته المعلومة والمعروفة لدى أمريكا في أن المغرب عنصر فعال وركن حاسم في ضبط وصناعة عوامل التنمية والأمن والاستقرار في المنطقة بامتدادها المغاربي وتردداتها الإيجابية في الساحل والصحراء. وحجة المغرب في ذلك؛ تقارير الأمين العام للأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن المرتبطة بدراسة الحالة الدورية في الصحراء المغربية، التي تعتبر أمريكا حاملة قلمها.

وما فتئ المغرب يقدم نفسه المؤهل الوحيد والأوحد في المنطقة الذي يساهم في صيانة الأمن والسلم الدوليين، ويحارب الإرهاب والجريمة المنظمة، ويبرهن بأنه آمن ومستقر، وبوابة جغرافية متاحة ومضمونة، لديه مدخرات من المعادن النادرة والثمينة التي تصلح في التكنولوجيا الجديدة للبطاريات والهواتف والشاشات (جبل تروبيك الذي يدخل ضمن المنطقة الاقتصادية للمياه الإقليمية المغربية مع إسبانيا).

ومنذ سنة 2014، انتهج المغرب سياسات أفريقية جديدة منحته امتيازًا وأفضلية جعلت منه بوابة أوروبا وأمريكا – كما الصين وروسيا – نحو أفريقيا اقتصاديًا ولوجيستيًا، حيث مكنته من معرفة حقيقية بمراكز ومناطق وميادين الاستثمار في أفريقيا؛ في الصناعة والتعدين والأبناك والتأمينات، وهي قطاعات ذات أولوية واهتمام لدى الشركات الأمريكية.

كما أن للمغرب علاقات وطيدة مع كل دول الساحل وجنوب الصحراء، ومع كثير من الدول الأفريقية. ويستفيد المغرب كذلك من علاقاته المتميزة مع كل دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات اللتين أصبحتا ذات ثقل سياسي ودبلوماسي في التأثير على قرارات وتوجهات الإدارة الأمريكية الجديدة.

أكيد أن شهر أبريل المقبل سيكون محل تتبع واهتمام لأنه سيكشف عن التوجه الأمريكي بين الثبات والاستمرارية التي يتطلع إليها المغرب. ويعتبر تعيين سفير أمريكي جديد يعرف ويدرك مكانة المغرب في محيطه الإقليمي والجهوي وعلاقاته بأوروبا، ورقةً ومؤشرًا يدل على قوة الاهتمام الذي يحظى به المغرب لدى الرئيس ترامب. فقد كان سفيرًا سابقًا لأمريكا بإسبانيا، وهي دولة عضو فاعل في منتدى الدول أصدقاء الصحراء. كما يعرف حقيقة وعمقَ وآثار الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء، وبجدية وواقعية ومصداقية مشروع الحكم الذاتي.

ولا مراء أن إحاطة السيد دي ميستورا – المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء – والتي سيقدمها إلى مجلس الأمن خلال أبريل، ستجعله في موقف صعب وذا حساسية شديدة. فهو يعرف خلفية نوايا أمريكا في إلغاء أو تخفيض وتقليص دعمها وإنفاقها على البعثات الأممية والمنظمات الدولية، الذي قد يشمل ويطال المينورسو.

وهو (أي دي ميستورا) في ورطة حقيقية لأنه في وضعٍ – وفي أمس الحاجة – إلى استصدار دعم صريح وواضح وجديد من مجلس الأمن، بعد أن تسربت أخبارٌ أنه كشف عن مخططاته ومقترحاته بتقسيم الصحراء، وهي توصيات قديمة ترجع لعهد الأمين العام كوفي عنان، ومرفوضة بشكل بات ومطلق ولا رجوع فيه من طرف المغرب، ومقترحات تتناقض مع الاعتراف والالتزام الأمريكي والاعتراف الفرنسي والتأييد الإسباني الذين يؤيدون سيادة المغرب، وتتناقض أيضًا مع تنامي الدعم والحشد والديناميكية الدولية لتأييد مشروع الحكم الذاتي، وعلى أرض الواقع بفتح قنصليات في الإقليم كحل، وبالجهوية المتقدمة لتطوير الديمقراطية المحلية والتشاركية بالمغرب.

ومهما كان – ويكون – مضمون ما سيحمله تقرير المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في إحاطته نصف الدورية، وتنفيذًا لقرار مجلس الأمن عدد 2756 وتاريخ 31 أكتوبر 2024، فإن أي شكل من أشكال الحل يبقى مشروطًا بقاعدة التوافق بين الأطراف، وفي إطار الحل النهائي الذي يمنح إشهادًا بنهائية النزاع ويبقي الصحراء تحت سيادة المغرب، وليس مجرد حلول بائدة مؤقتة.

سيبقى تقرير دي ميستورا حاسمًا لدي ميستورا نفسه، ويضع ولايته ومهمته ومصداقيته في الميزان، وعليه مسارعة الوقت لإعادة ضبط مقترحاته تحت طائلة اعتباره شخصًا غير مرغوب فيه من طرف الجميع.

(*) محامٍ بمكناس، خبير في القانون الدولي وقضايا الهجرة ونزاع الصحراء

الرئيس العام لأكاديمية التفكير الاستراتيجي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • Lamya
    الأحد 30 مارس 2025 - 17:45

    زيارة وفد أمريكي رفيع المستوى للصحراء المغربية بعد عودة الترامب للرئاسة تعتبر احتمالا قويا بناءا على سياسته السابقة و هذا سيفسر كتأكيد على استمرار الدعم الامريكي لموقف المغرب بشان الصحراء المغربية و الذي بدأ بالاعتراف بسيادة المغرب في سنة ٢٠٢٠ و حتى بدون إعلان رسمي جديد ستعتبر الزيارة اعترافا ضمنيا بمغربية الصحراء, خاصة اذا شملت اجتماعات مع مسؤولين مغاربة محليين و مشاركة في فعاليات داخل المنطقة و ستعزز الزيارة الموقف الديبلوماسي للمغرب دوليا و تشجع على الاستثمارات في المنطقة و ستكون رسالة للخصوم بأن الولايات المتحدة لا تزال تدعم الموقف المغربي

  • مربط الفرس
    الأحد 30 مارس 2025 - 18:12

    انا شخصيا استبعد ان تتراجع امريكا عن موقفها من مغربية الصحراء لقد اعتمدت القنصلية الامريكية في المغرب الخريطة الكاملة للمغرب التي تتضمن الصحراء المغربية و قد تم تقديم الخريطة رسميا في حفل اقيم في السفارة الامريكية في الرباط حيث وقع عليها السفير الامريكي و يعتبر هذا الاجراء خطوة مهمة في دعم موقف المغرب و يصعب التراجع عنه

  • Lamya
    الأحد 30 مارس 2025 - 20:26

    أكيد أن الجزائر تبدل جهودا ديبلوماسية مكثفة لمحاولة التأثير على موقف الولايات المتحدة الامريكية بشان قضية الصحراء, هذا ليس بالأمر الجديد, و لكن بالنظر لقوة العلاقات المغربية الامريكية المتجذرة, حيث يعتبر المغرب حليفا استراتجيا قويا لها في المنطقة و قد اعترفت امريكا بسيادة المغرب على صحراءه, ما يجعل مهمة الجزائر صعبة للغاية

  • قضيتنا المقدسة .
    الأحد 30 مارس 2025 - 23:52

    نحن نرفض أي تراجع عن الموقف الأمريكي من مغربية الصحراء . نحن لا نحتاج إلى هذا الاعتراف لتدعيم موقفنا ، بل نعتمد على يقيننا بأن الصحراء جزء لا يتجزأ من المغرب . نحن لم نغير رأينا يوما في هذا الموضوع ، ولم نعتمد على هذا القبول لخدمة أي من قضايانا الوطنية . اعتمادنا على يقين لا لبس فيه مشاطرة الآخر لنا تسعدنا ولكنها تحصيل حاصل لواقع تعترف الجغرافيا والتاريخ .

صوت وصورة
الضريبة على شركات المحروقات
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:57 1

الضريبة على شركات المحروقات

صوت وصورة
نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:40

نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية

صوت وصورة
هدم دوار الكوارة بالبيضاء​
الخميس 5 نونبر 2026 - 18:23 2

هدم دوار الكوارة بالبيضاء​

صوت وصورة
الحكومة والقدرة الشرائية
الخميس 5 نونبر 2026 - 17:01 8

الحكومة والقدرة الشرائية

صوت وصورة
مخطط إنهاء مهام المينورسو
الخميس 5 نونبر 2026 - 14:24 4

مخطط إنهاء مهام المينورسو

صوت وصورة
جدوى إحداث "شركات التوزيع"
الخميس 5 نونبر 2026 - 12:15 7

جدوى إحداث "شركات التوزيع"