تقديم "أطياف يما..."

تقديم "أطياف يما..."
الثلاثاء 8 أبريل 2025 - 10:02

تصدُرُ هذه المجموعةُ الشعريةُ تحت عنوان “أطياف يْمَّا”؛ كمحاولةٍ لردِّ الاعتبار للأمِّ، وذلك باسترجاع العلاقة الوجدانية معها – التي لا يمكن أن تمحى من الذاكرة. وكلمة “الطيف” هنا مقتبسةٌ من العنوان الذي اختاره المفكِّر المعاصر جاك دريدا (1930-2004) لمؤلفه “أطياف ماركس” الصادر سنة 1993.

وتشكِّلُ هذه القصائدُ فرصةً لإبراز الوجه الآخر للأمِّ وخصوصية محيطها المحلِّي؛ باعتبارها عاشت بقرية “لبابرة” الجبلية الواقعة بين حاضرتَيْ: وزّان وشفشاون (شمال المملكة المغربية)، وهما في وضعيةٍ هامشيةٍ بعيدةٍ عن الساحل الأطلسي، وعن مراكز صنع القرار كـالدار البيضاء والرباط وطنجة.

وهذه المحاولةُ التلقائيةُ أملَتْها ظروفٌ ذاتيةٌ وأخرى موضوعيةٌ. ويمكن اعتبار موت الأمِّ إبان جائحة كوفيد-19 محرِّكًا لتدفُّق المشاعر العفوية بكل ما تنطوي عليه من ارتباكٍ وكثافةٍ؛ تعبيرًا عن حالةٍ وجدانيةٍ يغمرها التعلُّق بـ“يْمَّا” حتى في مرحلة غيابها. ويقول رائد التفكيكية جاك دريدا عن مثل هذه المواقف:
“يَصمتُ الراحلون ليتكلَّم الأحياء”.

ونستلهم في هذا التقديم عبارته الشهيرة:
“أنا أتألم من أجل أمِّي” (“J’ai mal à ma mère”
ألمٌ يُخفِّف قليلًا من وجع الفراق، واعترافٌ يُحرِّر الذاتَ ويُبقيها مقبلةً على الحياة دون نسيان أصولها.

ففي وقتٍ اعتقد الجميعُ أن الفكر الماركسيَّ دُفنَ مع سقوط حائط برلين سنة 1989، ومع إطلاق برنامج البيريسترويكا سنة 1990، ينبعث دريدا ليكتب عن “أطياف ماركس”؛ ليُثبت أن نصوص ماركس (1818-1883) مشبعةٌ بالطيفية ولا يمكن تشييعها. وكِتاب دريدا هو في الأصل محاضرة ألقاها في كاليفورنيا (الولايات المتحدة الأمريكية) سنة 1993، وهي طريقةٌ أخرى لاستحضار ماركس – الغائب الحاضر – في قلب هذه الدولة العملاقة، وبدعوةٍ منها، في وقتٍ انتشرت فيه فكرة “نهاية التاريخ” التي روَّج لها فرانسيس فوكوياما سنة 1989 بمؤلفه المثير للجدل “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” (الصادر سنة 1992).

ونشير هنا إلى أن كتاب “الرأسمال” لكارل ماركس عادت إليه أمريكا بقوةٍ في الألفية الثالثة، نظرًا لتوالي أزمات النظام الرأسمالي المالي، الذي يُرخي بظلاله على البشرية جمعاء حاليًا.

وعلى هذا النحو، وجدتُ في “أطياف يْمَّا” طريقةً جديدةً للتعبير بإيحاءاتٍ مخفيةٍ وجدانيةٍ، تنفتح على أسمى العواطف، ببُعدٍ فنِّي تصويري اسمه “الطيف”، والغرض هو إعادة الاعتبار للأمِّ وللمحلِّي، عبر استنطاق الأحداث التي عايشتها، واستدراج جوانب من الثقافة المحلية في ظل عولمةٍ تهدف إلى إدخال الجميع – كأفراد – إلى سوق الاستهلاك، وتنميط سلوك ساكني القرية والمدينة.

فإذا عدنا إلى تعريف روبرت ماكيفر (1882-1970)، فإن المدنية تتمثَّل في السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا، أما الحضارة فتتمثَّل في الفنون والآداب والديانات والأخلاق… أي إن المدنية – بحسب ماكيفر – هي ما نستعمله، بينما الحضارة هي ما نحن عليه.

وكما هو معلوم، استهلَّ ماركس وإنجلز “البيان الشيوعي” (1848) بعبارة:
“شبحٌ يطارد أوروبا” (“Un spectre hante l’Europe”
أما بالنسبة لنا، فـ“شبح الأم” يطارد العالم الذي يتنكَّر لها ولحنانها الرباني، ولرحمتها الرابطة بين “الرحم” و“الرحمن” سبحانه.

بعبارة أخرى، يحضر “الطيف” هنا كحملةٍ مضادةٍ لما نحن عليه؛ أي كمقاومةٍ لِمظاهر التفكك التي باتت تعرفها الأسر. وفي هذا الشأن، كتبتُ سابقًا عن الأب (انظر مؤلفي: “أب في الذاكرة: الإخلاص للقرية والوفاء للأندلس” – 2021)، وأعودُ هنا لإبراز خصوصية الأمِّ ودور الوالدين المحوري في النهوض بالأسرة والمجتمع، وإقامة التوازنات قبل أن يختلَّ الميزان، وتصبح العلاقة مشبوهةً مع الذات والآخر، ومع القيم والإيمان.

وتطلَّب منا هذا العمل العزفَ على أحاسيس الفطرة التي تجمع الابن بأمه، في إطار محيطٍ عامٍ وخاصٍ، وفق فهمنا لهما، وما احتفظت به الذاكرةُ والحلمُ من عواطفَ وصورٍ؛ فـ“الحقيقة تذكُّر، والجهل نسيان”، كما قال سقراط (470-399 ق.م) على لسان تلميذه أفلاطون (427-347 ق.م).

والغاية من هذا العمل هي تسليط الضوء على الأمِّ، وتجنُّب النظرة الاستعلائية بحجة حصول جيل الأبناء على أعلى الشهادات وانتقالهم إلى المدن الكبرى؛ فهذه الوثبة لا تعني شيئًا أمام إشراقاتها وصبرها وعطائها، ولا أمام القيم التي تنفرد بها المناطق الجبلية ومقوِّماتها البيئية والثقافية.

يحضر “الطيف” هنا عبر الكلمات للمطالبة بحقٍّ غائبٍ، وبعدالةٍ غائبةٍ لم تنصف الأمَّ ولا الجبلَ؛ وهي إشكاليةٌ ترابيةٌ سوسيو-مجالية. ويحضر أيضًا للتعبير جهرًا عن مكونات الذات العميقة الملفوفة في طيَّات الوجدان، على غرار قصائد المتصوفة بنفحاتها الروحانية.

ولذلك، يأتي هذا المؤلف شعرًا لا نثرًا، وجوديًا عرفانيًا لا معرفيًا، كاشفًا لمشاعر الوجدان، اعترافًا بأهمية الأمِّ ودورها في بناء الأسرة والمجتمع، وتنبيهًا للصعوبات التي تواجهها – خاصة في وضعية الترمُّل المبكر وضعف المعاش المخصَّص للأرامل (الذي يُخفَض للنصف عند وفاة الزوج، إذا كان أجيرًا).


هيكلة الديوان:

قسَّمنا هذا الديوان الشعري إلى خمسة أبواب، تمثِّل مشاهد من حياة “يْمَّا” بحضورها المرئي واللامرئي الذي لا تُدركه الحواس، فحاولنا تقريب الجوانب الغامضة عبر “الطيف”؛ لالتقاط المعاني الروحية قبل أن تضيع في زحمة الحياة.

أبواب الديوان (35 قصيدة):

  1. الرحيل (6 قصائد)
  2. السيمفونية (3 قصائد)
  3. يْمَّا (10 قصائد)
  4. في حضرة الطيف (8 قصائد)
  5. الصعود (8 قصائد)

هذا باختصار السياق العام لـ“أطياف يْمَّا”، نسأل الله التوفيق والسَّلام.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 6

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 13

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع

صوت وصورة
بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 17:16 3

بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا

صوت وصورة
ترانسبارنسي تقرأ برامج الأحزاب
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 16:20 4

ترانسبارنسي تقرأ برامج الأحزاب