دور الأسرة في منظومة القيم التربوية

دور الأسرة في منظومة القيم التربوية
الإثنين 14 أبريل 2025 - 20:30

تلعب الأسرة دورًا أساسيًا في تعزيز منظومة القيم لدى الأبناء، باعتبارها النواة الأولى في البناء الاجتماعي، حيث تُمكِّنهم من اكتساب المبادئ الجوهرية من خلال نشأتهم بها، وذلك عبر احتكاكهم اليومي بأفراد أسرتهم؛ من الأب والأم والإخوة، وصولًا إلى باقي أفراد العائلة. ومن بين القيم التي ينشأ عليها الأبناء: القيم الاجتماعية (مثل المسؤولية الاجتماعية)، القيم الدينية (مثل الامتثال للتعاليم الدينية واجتناب ما نُهِيَ عنه)، القيم الاقتصادية (مثل التعامل مع المال)، القيم التربوية (مثل احترام قوانين المؤسسات التعليمية واحترام الآخرين، والانضباط خلال التواجد بفضاءات التعلم)، وغيرها من القيم.

سنتناول من خلال هذا المقال الدور التكاملي للأسرة مع المنظومة التعليمية فيما يتعلق بتعزيز القيم التربوية، في تفاعُل مع ظهور بعض حالات العنف داخل الأوساط التعليمية. فما هو دور الأسرة في اكتساب الأبناء للقيم التربوية؟ وكيف يمكن للمؤسسات التعليمية إشراك الأسرة لاكتساب المتعلمات والمتعلمين لهذه القيم؟

تُعَرَّف “القيم التربوية بأنها التي تنبثق عن الأهداف العامة للتربية لنقلها إلى الأجيال اللاحقة، وهي بمثابة موجهات يُلْتَزَم بها من قِبَل المعلمين لما لها من تأثير على تربية النشء”، حسب تعريف الأستاذ أحمد سليمان ذياب علي (من قسم العلوم الإنسانية، كلية الآداب، جامعة أسيوط). وحيث إن الأبناء يتلقون مجموعة من القيم التربوية من خلال نشأتهم في أسرهم، ويتشربون تمثُّلات حول كيفية التعامل داخل الأوساط التعليمية، وعن آليات التعامل مع المتدخلين فيها (من أطر إدارية وتربوية وتلاميذ)، تُعَزَّز أو تُعَدَّل هذه القيمُ والتمثُّلاتُ من خلال الدور الذي تلعبه المؤسسات التعليمية بكل مكوناتها، وخصوصًا من طرف الأطر التربوية التي تقضي وقتًا أكبر مع المتعلمين والمتعلمات، ومن طرف الخبراء الذين اعتمدتهم الوزارة الوصية (المختصون الاجتماعيون)، حيث من بين المهام المنوطة بهم حسب المادة 15 من المرسوم رقم 2.24.140 الصادر في 23 فبراير 2024، في شأن النظام الأساسي الخاص بموظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية: المواكبة النفسية والاجتماعية والصحية للمتعلم، والمساهمة في الأنشطة التربوية والأنشطة الموازية المتعلقة بالمجال الاجتماعي.

هذا التكامل بين مكونات الأسرة والمؤسسات التعليمية يهدف إلى تنشئة الأجيال القادمة على تبني القيم التربوية، والحس الاجتماعي، واحترام الآخرين، والاستعداد للاندماج في المجتمع. لكن الملاحظ – خصوصًا بعد ظهور حالات من العنف والعنف المضاد بين المتعلمين والمتعلمات ومكونات المؤسسات التعليمية – أنَّ مقالات ونشرات انتشرت في الآونة الأخيرة حول تسجيل حالات عنف داخل الأوساط التعليمية، مما جعل هذه الحالات محط سؤال كتابي من قِبَل فريق برلماني حول مراجعة الإطار التأديبي لضبط السلوكيات العنيفة بالمؤسسات التعليمية، ورد الاعتبار والهيبة لها. وقد تساءل الفريق عن الاستراتيجية المعتمدة لمراجعة المذكرة الوزارية رقم 14/867 الصادرة في 17 أكتوبر 2014، في شأن القرارات التأديبية المتخذة من طرف مجالس الأقسام.

السؤال الذي يتبادر إلى أذهاننا بعد هذه التفاصيل: كيف يمكن للأسرة أن تلعب دورها الاجتماعي في تنمية القيم التربوية؟ وكيف للمؤسسة التعليمية أن تُعَزِّز أو تُعَدِّل السلوكيات الملاحظة على التلاميذ خلال تواجدهم بفضاءات التعلم؟ تعيدنا هذه الأسئلة إلى ضرورة تفعيل أدوار كل جانب من جوانب التدخل المنوطة بهؤلاء الفاعلين.

فمن جهة أولى: على الأسرة أن تعود لتأدية دورها في التنشئة الاجتماعية، وأن تحمل على عاتقها تربية الأبناء وإنشائهم على احترام الآخرين، واحترام القوانين والامتثال لها، وأن تُعَلِّمهم كيفية الانضباط الذاتي للسلوك، وذلك من خلال التشبُّع بالقيم الدينية والأخلاقية والتربوية والعادات المغربية الأصيلة التي تعبق بالأصالة واحترام الآخرين والتسامح وكرم الأخلاق، واتخاذ قدوة جيدة، بدل اتباعهم لما يُعرف بظاهرة “المؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي”، وما يُمرِّرونه من سلوكيات وألفاظ دخيلة على المجتمع المغربي، تؤثر دون شك على سلوكياتهم.

كما يجب تعزيز الأدوار التواصلية بين الأسرة والمؤسسات التعليمية، وذلك للتدخل الآني في حالة ظهور سلوكيات غير سوية لدى المتعلم(ة)، خصوصًا في ظل تواجد مختصين اجتماعيين وخلايا اليقظة، التي من بين أدوارها: تطوير خطط عمل شخصية لكل متعلم(ة) (لا سيما الدعم المدرسي، والدعم النفسي-الاجتماعي، والدعم الاجتماعي، والمشاركة في الأنشطة الموازية والرياضية، والتوجيه، والتواصل مع الأسرة)، بهدف التتبع الفردي والتدخل في حالة وجود سلوكيات أو مظاهر غير اعتيادية، والتواصل مع الأسرة من أجل تعديلها.

تَلعَب الأسرة دورًا جوهريًا في اكتساب الأبناء للقيم التربوية، في إطار التكامل مع المؤسسات التعليمية. لذلك، يجب تعزيز آليات التواصل والتتبع الفردي لكل سلوك غير عادي لدى المتعلم(ة)، في سبيل الحفاظ على القيم المجتمعية، وسعيًا للتنشئة الاجتماعية لجيل الغد. إذ يجب أن تتظافر الجهود الرامية إلى التدخل الآني لتعديل أي مظهر غير سوي، سواء تعلق الأمر بالعنف أو عدم احترام المؤسسات أو الأشخاص. فمتعلم(ة) اليوم هو مواطن(ة) الغد؛ يجب استحضار هذه الصورة والتدخل فيما فيه صالح الفرد والمجتمع، بدل لعب دور المتفرج حيال هذه السلوكيات الدخيلة على مجتمعنا، وانتظار ما ستؤول إليه الأمور مستقبلًا… فلنقم بأدوارنا اتجاه أبنائنا وبناتنا في سبيل تعزيز قيم التسامح واحترام الآخرين والمؤسسات.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • فريد
    الأحد 27 أبريل 2025 - 07:57

    ربما علينا الإنطلاق من كون أغلب الأسر المغربية غير مستقرة ماديا ودات مستوى تعليمي بسيط جدا حد الأمية:التشاحن اليومي والتصارع بين أفرادها هي أمور عادية.من هذا الواقع الأسري خرجت غالبية أطر التعليم.سنطالب الأسر بتربية أبناءها على وعلى و…لكن فاقد الشيء لايعطيه،لأن نموذجنا السياسي لايقوم على أساس كون”القانون فوق الجميع” وبالتالي”أْصغار كَيْتبْعو لكبار”،كما أن هيكلنا الإقتصادي إنحسر في”الفراشة والكريمات” ولأي كان حرية البيع والشراء والإصلاح و…بدون إطار قانوني.نظريا يُمكن الحديث عن دور الأسرة في تربية طفل على الإندماج في نظام مجتمعي يسوده إحترام القانون ولكن عن أي دولة نتحدث؟

  • MC
    الخميس 8 ماي 2025 - 14:48

    أستاذة سعيدة المحترمة،
    شكرًا جزيلًا على مقالك القيّم حول دور الأسرة في منظومة القيم التربوية، التي تُعد بحق البرنامج التعليمي الأول لأبنائنا قبل دخولهم المدرسة. فالأسرة هي المصنع الحقيقي الذي يُصنع فيه الإنسان، وهي التي تضع اللبنات الأولى لشخصية الطفل وقيمه، لكن أحيانًا، يبدو أن بعض الأسر تحتاج إلى تحديث برمجي عاجل في كيفية غرس القيم، خصوصًا في زمن “المؤثرين” على مواقع التواصل الاجتماعي الذين يروجون لكل ما هو غريب ومثير، حتى أصبح بعض الأبناء يظنون أن الانضباط والاحترام من قصص الجدات.
    أتفق معك تمامًا في أن التعاون بين الأسرة والمدرسة هو المفتاح الأساسي لنجاح التنشئة، فبدون هذا التنسيق، تصبح القيم التربوية مثل “الواي فاي” الضعيف الذي لا يصل إلى الجميع بوضوح.
    وبالطبع، لا يمكن أن ننسى أن التربية فن يحتاج إلى صبر ومهارة، وأحيانًا إلى حس فكاهي، لأن التعامل مع الأطفال يشبه قليلاً محاولة تعليم السمك الطيران! لكن مع الجهد المشترك، يمكننا تقديم “وصفة تربوية” متوازنة تجعل جيل الغد أكثر وعيًا وأخلاقًا، بعيدًا عن “تحديثات” السوشيال ميدياالتي لا تنتهي وتُربك القيم.
    دمتِ مبدعة ومُلهمة.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30

اللغات المغربية في الأدب والإعلام