مذكرات من داخل السجن

مذكرات من داخل السجن
الإثنين 26 ماي 2025 - 08:23

من مذكرات السيد توماس (موظف حراسة)

الصفحة 14

31 دجنبر سنة 1970 – ليلة رأس السنة- الساعة 12:15 سجن فينلو

شعرت أخيرا أن الحياة قد تواطأت معي؛ حقيقة، لم أكن محظوظا قط، تقول جارتي العمة صوفيا التي ربما قد جاوزت المئة من عمرها: “حينما تشعر فجأة أن الحياة بدأت تنحاز لك، عليك أن لا تضيع الوقت وراهن بقوة على الفوز”… ربما علي بالفعل أن أراهن على الحظ الذي عجبا اختار هذا الصباح أن يكون بجانبي وأتقدم بطلبي إلى السيد مدير السجن، سأكون ممتنا له لو أنه وافق على طلبي في الانتقال والاشتغال كحارس من الدرجة الأولى بسجن أمستردام الكبير، عوض العمل في هذا السجن البئيس وسيئ السمعة ضواحي مدينة فينلو على الحدود الألمانية، سأكون ممتنا أكثر إلى الظروف التي جعلتني ألج ومن غير المعتاد في أول صباح هذا اليوم إلى الزنزانة رقم 13 للسجين السيد برنار المحكوم عليه بالمؤبد حينها سقطت فجأة بعض الأتربة والحصى من خلف حوض الماء فأثارت حفيظتي ولما حاولت أن أستطلع الأمر أكثر بالنبش على الحائط صارت الأتربة تتهاوى وتتساقط وانتهى بي الأمر إلى اكتشاف حفرة كبيرة كان السجين برنار يخطط للهرب عبرها خارج أسوار السجن…

لم أكن إلى حدود ليلة أمس أتخيل أنني ممكن أن أتقدم بطلب الانتقال إلى المدير هذا الصباح خصوصا أن تعييني في سجن فينلو لم تمض عليه سوى سنة وبضعة شهور لكن الأمور أعتقد أنها تغيرت الآن وقد لمحت في وجه المدير وهو يعانقني مهنئا وهمس في أذني “لا تتردد في طلب أي شيء تريده، سجن فينلو مدين لك بسمعته وتاريخه الحافل”.

أجزم أن زوجتي باتريسيا ستكون سعيدة جدا لو قرر المدير الموافقة على طلب الانتقال، لم تستوعب باتريسيا المسكينة أنها قد تقضي سنوات من عمرها في هذه البلدة الكئيبة على الحدود الألمانية بعيدة عن أهلها وصديقاتها بمدينة أمستردام المتوهجة، سيكون الأمر رائعا أيضا بالنسبة لابني الصغير ميتشو رغم حداثة سنه كان قد عشق حد الهوس البيت الكبير للعائلة والمعارك اللذيذة مع أقرانه وأترابه من أبناء أعمامه وخالاته… شكرا للقدر أن منحني نهاية هذه السنة هدية فريدة لم أكن أحلم بها إطلاقا.

كما توقعت لم يمانع المدير في الموافقة على طلبي… في مساء هذا اليوم سوف أسافر رفقة باتريسيا وميتشو إلى بيت العائلة بأمستردام للاحتفال بليلة رأس السنة، سيكون احتفالا خاصا جدا، من كان يصدق أنني مباشرة بعد عطلة رأس السنة سوف التحق بمقر عملي الجديد؟ ما أجمل القدر حينما يبتسم!

من مذكرات السجين السيد برنار

الصفحة 1

2 يناير سنة 1971 الساعة 10:00 داخل زنزانة انفرادية

عزيزتي بربرا كم يحز في نفسي أن أخبرك بأني قد حاولت الهرب من السجن قبل يومين ورتبت خطة محكمة اعتقدت أنها ناجحة ستمكننا أن نقضي ربما ليلة رأس السنة معا وقد نهرب عبر الحدود إلى مكان آمن، بالصدفة اكتشف حارس السجن يُدعى توماس نيتي في الهرب فعوقبت بسجن انفرادي لمدة ثلاثة أسابيع… أعتقد أنك غاضبة مني عزيزتي بربرا فمسألة محاولة الهرب قد تعقد من وضعيتي وتصير أسوأ. قلتُ أسوأ؟ يا للسخرية! وهل هناك أفظع من حكم بالمؤبد؟ السجن الانفرادي منحني الإحساس بأن الإعدام يناسبني أكثر بينما المؤبد هو موت بالتقسيط، أن تموت دفعة واحدة أفضل وأرحم، أشعر أن عملية الموت تتكرر معي كل يوم، تصور أن تتجرع مرارة الموت في الشهر الواحد ثلاثين مرة!… لا أدري عزيزتي هل كلمة “انكسار” يمكن أن تترجم بالفعل الخراب الذي أشعره في داخلي، الإحساس بالعجز شعور فضيع جدا، لقد عجزت عن الهرب كما عجزت من قبل على إثبات براءتي، كان من الواضح أنني كنت ضحية حرب قذرة بين عصابتين كبيرتين، عادة هناك في أي معركة خسائر جانبية وكل هذا الدمار الذي حل بي يدخل في خانة “الخسائر الجانبية”، كنت مع الأسف ذاك الشخص الذي يستخدم كأداة لمسح آثار الجريمة كما يمسح الدم عن نصل السكين…

مصائب قوم عند قوم فوائد هذا بالضبط ما حدث معي ليلة أمس حينما اكتشف الحارس توماس خطتي للهرب لقد مُنح وساما وانتقالا سهلا إلى سجن مدينة أمستردام الذي لم يكن يحلم به ابدا بينما أنا تم الزج بي داخل زنزانة انفرادية، كئيبة، ضيقة ومظلمة إلا من نافذة صغيرة جدا يتسلل عبرها بعض الضوء وقليل جدا من الهواء.

من مذكرات السجين السيد برنار

الصفحة 2

21 يناير 1971 الساعة 15:00 داخل ساحة السجن

أخيرا! غادرت الزنزانة الانفرادية وسمح لي الخروج إلى الساحة ربما استغرقت بعض الوقت حتى تستأنس عيناي من جديد بأشعة الشمس والضوء، اقترب مني سجين يقيم في زنزانة مجاورة وخاطبني: “تبدو نحيفا جدا وشاحبا كأنك عدت للتو من قبر، على أي حال محاولة الهرب لنيل الحرية تستحق هذه التضحية، مع الأسف الحارس توماس أفسد عليك خطتك لكن لا عليك لقد أخذ جزاءه”.

لم أكن في الحقيقة مهتما بحديثه كنت أقاوم نوبة سعال حلت بي على حين غرة؛ ربما كانت رئتاي أيضا تحتاجان إلى الاستئناس بالهواء الطلق، لم يبق عالقا في ذهني إلا جزئية صغيرة من كلامه حين تحدث عن الحارس توماس، فقلت بكثير من الاستغراب والدهشة: “كيف أخذ جزاءه؟”

“في اليوم الأول من السنة الجديدة وبينما كنتَ في الحبس الانفرادي وصلت أخبار سيئة إلى السجن لقد انقلبت سيارة توماس حينما كان وعائلته الصغيرة متجهين نحو بيت العائلة بأمستردام ليلة رأس السنة ونتج عن الحادث وفاة السيدة باتريسيا زوجته وابنه الصغير ميتشو، يُقال إن عاصفة ثلجية تسببت في هذا الحادث المروع”.

بقدر ما كنتُ حانقا على الحارس توماس صرت الآن حزينا ومشفقا عليه!

من مذكرات الحارس توماس

الصفحة 15

25 يناير 1971 الساعة 22:00 سجن فينلو

هذا الصباح كان شاقا وعصيبا جدا اعتقدت أنني حين أقف أمام القاضي سوف أتحدث بالتفصيل عن ظروف الحادث لكنه مع الأسف بدا متعاطفا ومشفقا ربما اعتقد أن الجرح القابع في القلب مازال نازفا لا يحتمل أسئلة كثيرة قد تعمق ألمه، لكنه بذلك حرمني ترف البوح شعرت بأنه يريد أن يختصر الوقت وينهي هذه الجلسة إكراما لنفسيتي المتعبة والمنهارة لرجل فقد زوجته وابنه في حادثة سير، كما أنني لم أمتلك الشجاعة للحكي واسترجاع تفاصيل تلك الليلة المشؤومة…

حينما غادرت السجن الساعة السادسة مساء ليلة رأس السنة هالنتي حالة الجو البارد والمثلج في الخارج حتى أنني أمضيت ربما قرابة نصف ساعة في إزالة كميات معتبرة من الثلوج تكدست فوق السيارة ومحيطها، كنت متحفزا جدا التوجه مباشرة إلى البيت لكي أزف خبر انتقالي إلى زوجتي باتريسيا وابني ميتشو لولا أن بعض الزملاء أصرّوا على أن نحتفل أولا بهذه المناسبة في إحدى حانات فينلو الشهيرة… الجو البارد ومنظر سقوط الثلج أشاهده عبر نافذة الحانة والنار المشتعلة في المدفأة والفرحة التي تغمر نفسي كل هذا كان يغرني باحتساء المزيد من أقداح النبيذ المعتق الدافئ… وجدتني أغني بنشوة كبيرة رفقة الرفاق “النبيذ الساخن زمن الثلوج دفء يُشرب كأنك تحتضن نار المدفأة في قدح”، كنا نرفع الكؤوس بمتعة ونلمس بعضها ببعض نخب الحياة.

حين وصلت البيت حاولت أن أبدو متماسكا أمام باتريسيا الغاضبة من قدومي متأخرا فقلتُ: “حينما نصل أمستردام سوف أخبرك بأجمل مفاجأة نهاية السنة، حينها سوف تغفرين لي كل زلاتي… لننطلق الآن”

مازلت أتذكر بالضبط تفاصيل اللحظات الأخيرة، كان الجو عاصفا، ممطرا جدا وقاتما بينما صراخ باتريسيا بدى مدويا، مازلت أسمع رنينه في أذني… كانت تصيح في وجهي: “إنك مخمور دعني أتولى القيادة قبل أن تحل بنا الكارثة”… لم أبال بصراخها ورجائها أيضا، كان ينتابني شعور من النشوة والفرح أعبر عن ذلك بالغناء والإجهاد في الضحك والتهور في قيادة السيارة… بين الموت والحياة مسافة رمشة عين، شعرت فجأة باسترخاء غريب وبدأت وكأني أفقد السيطرة على نفسي، بدت جفوني ثقيلة تتوسل للانغلاق وكأنني أحمل عليها أوزانا لا تطاق… إذا كانت رمشة عين كفيلة بأن تغير المصير، فكيف بمن غرق في نوم عميق؟

لقد تحدثت الجرائد في اليوم الموالي ضمن النشرة الجوية عن الحادثة واعتبرتها من مخلفات العاصفة التي اجتاحت شمال هولندا ليلة أمس، أضحت البلدة والأهل والرفاق مقتنعون تماما أنني وأسرتي من ضمن ضحايا سوء أحوال الجو لكن الحقيقة أنني كنت القاتل والمجرم والمخمور والجبان أيضا الذي لم يجرؤ على الكلام وقول الحقيقة أمام قاضي المحكمة هذا الصباح!

أعتقد أن القدر منحني عمرا إضافيا لغاية واحدة من أجل أن أتعذب أكثر وأعاني أكثر وأموت أكثر!

عند مغادرتي المحكمة توجهت مباشرة إلى سجن فينلو أتوسل المدير أن يلغي قرار موافقته على طلب الانتقال… سوف أقضي بقية عمري داخل هذا السجن البئيس لا أغادره أبدا، ربما كنت أحاول أن أصحح وضعا غير لائق؛ المجرمون عادة مكانهم السجن، توسلت للمدير أن أسكن غرفة مهجورة بجوار زنازين السجناء، أغلقت على نفسي جيدا الباب وسوف أنام ليلتي الأولى في “زنزانتي” كما يليق بالسجناء…

من مذكرات السجين برنار

الصفحة 25

30 يناير 1971 الساعة 23:00 سجن فينلو

انتظرت بشغف كبير هذا اليوم “السبت” حيث موعد الزيارات، لم تتأخر كما العادة بربرا كنت أود مناقشتها في أمور تخص مستقبل ملف القضية التي حُكمت بسببها، للوهلة الأولى رأيت في عينيها بريقا لا يشبه زياراتها السابقة، وكأنني أمام امرأة أخرى، كانت مرتبكة وتحاول أن تداري ابتسامة ترتسم من حين لآخر على شفتيها رأيت الفرحة تكاد أن تنط من عينيها فقالت بعد أن وضعت برفق يدها على بطنها: “في بطني جزء منك… يكبر”.

لم أستطع أن أنبس ببنت شفة بينما كان كل مكان في جسدي يصرخ… هل أنا سعيد لأن الحياة اختارت أن تزهر فينا زمن الخريف، وهذا الانتصار الصغير ربما قد يرتق جرح الانكسار الكبير، أم أني حزين جدا وها هي بربرا تغادر سجن فينلو ومعها قطعة من كبدي … لأول مرة لا أستطيع أن أحدد بالضبط طبيعة مشاعري.

من مذكرات السجين برنار

الصفحة 30

31 دجنبر 1971 الساعة 23:00 سجن فينلو

لم تأت بربرا، كنت أراهن كثيرا على ليلة رأس السنة، اعتقدت أنها لا يمكن أن تفوت هذه الفرصة دون القدوم إلى زيارتي، مع الأسف، بربرا لا تستوعب أنها النافذة التي أطل من خلالها إلى الحياة، في الشهور الأخيرة قلّت كثيرا وتيرة زيارتها لسجن فينلو وكانت تعتذر عن الغياب بسبب صعوبة ظروف الحمل وكنت لا أملك إلا تصديقها… بعد ذلك غابت إلى الأبد واكتفت بالتواصل معي عن طريق المحامي الذي أخبرني قبل ثلاثة شهور أن بربرا وبعد عملية قيصرية معقدة جدا أنجبت طفلا أسمته إيزاك وأنها شرعت في إجراء مسطرة الطلاق!

ألم يكن لائقا عزيزتي أن نظل أصدقاء وتمنحني ولو مرة واحدة ترف النظر إلى ابننا الصغير “إيزاك”؟

من مذكرات الحارس توماس

الصفحة 40

31 دجنبر 1971 الساعة 23:00 سجن فينلو

لقد مرت سنة كاملة على الفاجعة، بعض التواريخ تظل مع الأسف موشومة في الذاكرة… لم أغادر السجن طيلة العام، يبدو أن المدير والموظفين استوعبوا أخيرا أنني لا أرغب إطلاقا أن أكون خارج أسوار السجن فلم أكن أتفاعل أبدا مع أسئلتهم المملة والمكررة: “لماذا لا تأخذ إجازة من العمل؟ لماذا لا تستمتع بعطلتك وتغادر السجن؟ لماذا أنت هنا طيلة اليوم والشهر والسنة؟”.

لأنني السّجان والسّجين، القاضي والمتهم، المَلك والشيطان، أحمل في شيفرتي الوراثية كل هذه المتناقضات لأنني من فصيلة الإنسان…

سوف أقضي جزءا من هذه الليلة في انتظار السنة الجديدة رفقة السجين برنار هو الآخر لم يزره أحد بعد أن انفصلت عنه زوجته وانقطعت أخبارها… أشعر أننا نتشابه كثيرا فالطيور كما يقال على أشكالها تقع… أشعر أن صداقتي بالسجين برنار صارت تكبر يوما بعد يوم…

من مذكرات السجين برنار

الصفحة 120

22 مايو 1981 الساعة 10:00 سجن فينلو

هذا الصباح وقفت برهة أمام المرآة فاكتشفت أمرا مريبا حقا، بدت ملامح وجهي أكبر من سني وكأن السنين تتساقط عليّ بلا رحمة فعلق صديقي توماس وهو يحدق في التجاعيد التي لم تكن هناك أمس: “في السجن نشيخ بسرعة أكبر”… كل موضع في جسدي كان يهرم ويشيخ إلا مكانا صغيرا وعنيدا في قلبي لم يَبْلُ لم يجف أو يستسلم، هناك كانت تنمو وردة اسمها إيزاك…

إيزاك أكمل عامه العاشر.

عشرة أعوام من الغياب… عشرة أعوام من الحضور

من مذكرات الحارس توماس

الصفحة 820

25 دجنبر 2024 الساعة 13:00 سجن فينلو

مع الأسف لن أستطيع هذه المرة أن أطلب تمديد سن الإحالة على التقاعد سوف أكون مضطرا بحكم سلطة القانون أن أغادر أسوار السجن، ألم يكن أعدل وأولى بمغادرة السجن صديقي برنار الذي لم يقترف ذنبا قط؟ سجنت نفسي إكراما للعدالة وأنا في عز الشباب كيف وأنا في نهاية العمر أن تغريني حرية زائفة لا أستحقها؟ حر أنت إن استطعت أن تقنع نفسك بذلك، من الصعب أن تقنع رجلا بالحرية بينما دماء ضحاياه لا تزال عالقة به كأنها وشم لا يُمحى لا بالزمان ولا بالندم… كنت أسمع في داخلي ومازلت صراخا من الماضي لا يفتر أو يسكت… تمر الأعوام، تُفتح السجون وتُغلق إلا زنزانتي لا أبواب لها.

في القادم من الأيام سوف أرتب الأمر بطريقة أفضل، هناك خطة جيدة وجديرة بالمغامرة!

من مذكرات السجين برنار

الصفحة 121

26 دجنبر 2024 الساعة 22:30 سجن فينلو

لا أستوعب حقيقة بعض تصرفات صديقي توماس لقد أضحى عجبا أكثر حماسة للحياة رأيته فجأة يبتسم وبدت شهيته للكلام والطعام بصورة أكبر… أخذني من يدي مساء أمس وذهب بي إلى غرفة هو الوحيد من يملك مفتاحها، على أرضية الغرفة أتربة تغطي بوابة صغيرة تقودك عبر نفق مظلم وضيق إلى مقبرة خارج السجن… لم أكن أعلم سر هذا الفعل الخطير الذي قام به توماس وهو يمنحني عجبا سرا من المفروض أن لا يبوح به إطلاق سجّان لسجين! لكن نية السيد توماس بدت أكثر وضوحا هذا المساء حينما اقترح علي أن أنزع ملابس السجن وأرتدي ملابس مدنية لكي نحتفل بـ عشاء رأس السنة الجديدة… بت أنتظر ليلة 31 من دجنبر على أحر من الجمر… ربما الحارس توماس يرتب أمرا ما؟ شعرت أن لقائي بابني إيزاك أضحى وشيكا…

من مذكرات الحارس توماس

الصفحة 821

31 دجنبر 2024 الساعة 20:00 سجن فينلو

أعتقد أنه العشاء الأخير الذي سوف أحتفل به الليلة رفقة صديقي برنار انتظرت حتى غادر جل زملائي موظفي السجن وبقيت وحيدا في المداومة، طلبت من برنار أن يرتدي ملابس مدنية كما اتفقنا سلفا كنت أراهن على ذكائه ونحن نجلس حول مائدة صغيرة نتناول بعض شرائح الدجاج المدخن وسمك السلمون النيئ كما هي عادة أهل المنطقة في الاحتفال بليلة رأس السنة…

تظاهرت فجأة بصداع في الرأس استلقيت على السرير ونمت بعينين شبه مغمضتين… ابتسمت حينما رأيت برنار يغادر الزنزانة بعد أن أخذ مفتاح الغرفة السرية التي تقودك إلى خارج السجن…

ها أنا ذا أخالف القانون الذي كان من المفترض أن أكون حارسه… أفتح أبواب السجن على مصراعيها للسجين برنار، البريء الذي لا يليق به القيد.

وأنا؟ أنا السجّان المؤتمن على غلق الأبواب، لا فتحها. لكن ألم أخالف القانون منذ زمن بعيد؟ ألم أتحايل عليه حين سجنت نفسي طوعا في السجن ذاته الذي أشتغل فيه؟ حين أغلقت على نفسي زنزانة لا تفتح، رغم أن القاضي قد برّأني من تهمة الحادثة… قالوا: “لا دليل، مجرد حادث سير بسبب العاصفة الثلجية. “لكنني أعلم أنني أنا الجاني، أنا المتهور، المخمور… أنا من قتل زوجته وابنه بيده المرتجفة على المقود.

ما أقوم به الآن قد يعتبر خيانة للمهنة والقانون لكنه انتصار للعدالة… القانون وسيلة أما العدالة فهي الغاية… القانون صنع البشر والعدالة من عند الرب.

أعتقد الآن أن برنار في طريقه نحو بيته وأسرته لأول مرة ومنذ زمن طويل جدا أنام وأنا قرير العين، راضيا عن النفس وفي كامل سعادتي وكأني من فرحتي صرت أمتلك جناحين أطير بهما نحن الجنة…

من مذكرات السجين برنار

الصفحة 122

01 يناير 2025 الساعة 00:15 حديقة وسط مدينة فينلو

من الصعب بما كان أن أعثر على كلمات في قواميس اللغة يمكن أن تترجم مشاعر رجل ظل في الحبس أكثر من نصف قرن ليجد نفسه فجأة خارج أسوار السجن… المعتقل الذي ولجته أول مرة وأنا في عز الشباب أغادره الآن بعدما صرت هرما لا تطاوعه قدماه على الجري لكن مع ذلك وجدتني أهرول مبتعدا قدر الإمكان عن محيط السجن، أهرول من فرط خوفي وفرحتي أيضا وتمنيت لو أن الله منحني جناحين يُغنياني عن المشي، شعرت بالإعياء الشديد وقفت برهة على ربوة ألهت وأسترد أنفاسي المتقطعة، صارت مدينة فينلو من بعيد تبدو متوهجة ومزدحمة وصاخبة، كنت وأنا فوق الربوة أطل على فينلو كمن يطل على ماضيه من بعيد… وكلما اقتربت أكثر أكتشف أن مدينتي الصغيرة أضحت كبيرة جدا ومترامية الأطراف، لم أهتمّ بذلك فلم أكن في رحلة بحث عن ما وقع من تغيير طال البنيان والشوارع والمرافق كنت في مهمة محددة أبحث عن أسرتي التي انقطعت عني أخبارها قرابة نصف قرن، عاودت الهرولة من جديد استعجل تلك “اللحظة” التي ستجمعني مع ابني إيزاك وبربرا… لن أسأل بربرا عن سبب الغياب والجحود والإهمال طوال السنوات التي قضيتها في السجن، تلك “اللحظة” يليق بها الفرح واللمة بدل لوم أو عتاب، لم أكن أرغب أيضا في أن أفكر في القادم من الأيام وكيف سوف أرتب أموري لكي أظل بعيدا عن أعين الشرطة… قدسية تلك “اللحظة” أنستني عتاب الماضي وهواجس المستقبل. هي “لحظة”، نعم بكل تأكيد لكنها أكثر اتساعا من عمرٍ كامل، الزمن ليس ما تقوله الساعات بل ما تصنعه لحظة لا تتكرر!

وجدتني من جديد أهرول حينا وأتوقف حتى أسترد أنفاسي حينا آخر وأنا وسط المدينة المكتظة بالناس والأضواء والألعاب وأشجار نويل المزينة بالمصابيح والألوان، الشارع الرئيسي الوحيد الذي كان يحليك إلى بيتي لم أهتد إليه ولم يعد موجودا أصلا صرت أجر قدماي وأنادي على إيزاك وبربرا لكن لا أحد يجيب لا أحد يسمع حتى جف حلقي وبح صوتي كنت وكأني أفتش في الزمن لا في الطريق، كلما عبرت شارعا اعتقدت أنني تذكرت وكلما مررت بجانب باب خيل إلي أنه باب بيتي فأعود إلى نقطة التيه من جديد، كان الناس من حولي يندفعون كأنهم في سباق لا نهاية له، لا أحد يلتفت الإحساس بالغربة شيء فظيع جدا، لم أعد أقوى على السير ولجت حديقة وأسندت ظهري إلى جذع شجرة عجوز سقطت بين زحمة الأشجار… ما أشبهني بهذا الجذع فكلانا بلا جذور وفروع… شعرت فجأة بالحنين والرغبة في العودة إلى السجن كما يحن المغترب إلى أن يعود يوما إلى أرض الوطن!

من مذكرات السجين برنار

الصفحة 123

07 يناير 2025 الساعة 20:30 سجن فينلو

فجر يوم الأول من يناير تسللت من جديد عبر نفس النفق السري الموجود بالمقبرة والذي يحيلك إلى غرفة داخل السجن، حين ولجت زنزانتي وجدت توماس مستلقيا على سريري حاولت أن أتجنب إيقاظه فتركته في غفوته الجميلة ولم أشأ أن أصحيه لكي يذهب إلى غرفته، نمنا تلك الليلة في نفس الزنزانة.

ربما كنت تعلم توماس أنها ليلتك الأخيرة التي لن تصحو منها أبدا فاخترت أن نقضيها معا وكأنك تودع الحياة بصحبة من أحببت. والآن لا أدري كيف سأتدبر أموري من بعدك كيف سأقنع نفسي بالعيش وسط عالم مقرف خال من الناس، أقصد خال منك، أي متعة مستحيلة أن أجلس وحيدا إلى الطاولة دون أمدّ لك أوراق اللعب دون أن أسمع ضحكتك المائلة إلى الصمت… صرت أعيش كما لو أنني سجين في كون خال لا أحد فيه سواي.

في اليوم التالي دفن توماس حسب وصيته في المقبرة الخلفية للسجن… بقدر الحزن الذي يعتصر قلبي بقدر السعادة التي أشعر بها كلما زارني طيفك في المنام وأخبرني أنه آت ليخلصني من السجن والقيد نحو الفضاء الرحب اللا محدود…

من مذكرات مديرية سجن فينلو

16 مايو 2025 الساعة 10:00

توفي هذا الصباح السجين برنار ودفن حسب وصيته في المقبرة الخلفية للسجن جوار قبر السيد توماس… لقد عاشا معا دهرا من الزمن لا كسجين وسجان بل كرفيقين جمعتهما الجدران وربط بينهما ما هو أعمق من الحرية… تشاركا الحزن، الصمت، والضحك الخافت في ليالي وسنوات الوحدة… لقد قدما معا درسا للبشرية وللعالم كيف يمكن أن تنمو الصداقة حتى في أكثر الأماكن قساوة وبؤسا…

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • farouk
    الإثنين 26 ماي 2025 - 13:19

    محمد الجباري قدّم في “مذكرات من داخل السجن” سرداً أدبياً محكماً ومحمّلاً بالمعاني، لا يكتفي بنقد المنظومة، بل يغوص عميقاً في جوهر الإنسان. إنها قصة تستحق القراءة، ثم إعادة القراءة، ثم النقاش. نادراً ما تُصوَّر السجون ليس فقط كأماكن مادية، بل كمساحات أخلاقية ووجودية بهذه البلاغة والدقة

  • ilham
    الإثنين 26 ماي 2025 - 13:43

    قصة مؤثرة، حزينة، وعميقة الإنسانية تدور أحداثها في سجن، لكنها في جوهرها تتناول مفاهيم الحرية، الذنب، الغفران، وقوة الصداقة غير المتوقعة. ينجح محمد الجباري ببراعة في تمييع الحدود بين الخير والشر، بين الجاني والضحية، وبين السجّان والسجين

  • مغربي حر
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 08:07

    داكشي علاش واحد يدخل سوق راسو ويبعد على السياسة و مشاكلها ( قبل ما يدخلوه لشي زنزانةبحال هادي)، و يحمد الله على نعمة الأمن و الحرية و المغرب إنشاء الله تعالى سيكون من أجمل الدول يوما ما

  • MC
    السبت 31 ماي 2025 - 20:01

    “بين جدران السجن وحدود الحرية: حين يصبح الإنسان سجان نفسه”

    أيها الكاتب العزيز،
    قرأتُ مذكراتك بتمعن وتأمل، فوجدتُ فيها مرآة تعكس هشاشة الإنسان وقوة القدر، وتخلط بين الحظ والمأساة، وبين الأمل والانكسار. رسمت بقلمك عالماً داخلياً معقداً، حيث يتحول السجن من جدرانٍ إلى قيودٍ في النفس، ويصبح الحارس سجيناً بضميره، والسجين حراً بروحه حين يزهر في قلبه حب أو ذكرى.

    تظهر في نصك كيف أن الحظ قد يبتسم فجأة، لكنه أحياناً يخفي مأساة لا تخطر على بال، كما حدث مع توماس الذي ظن أن الحياة منحته فرصة، ليجد نفسه أسيراً لذنب لا يُغتفر. ونلمس معاناة برنار، الذي لم يكن سجنه جدراناً فقط، بل موتاً متكرراً، حتى صارت الحرية نفسها غربة حين فقد كل ما يؤنس وحدته.
    لقد جعلتنا نؤمن أن العدالة ليست دائماً في القانون، بل في الضمير، وأن الصداقة قد تكون الخلاص الوحيد وسط عتمة الحياة، وأن لحظة لقاء أو فرح قد تساوي عمراً من الانتظار.

    أحياناً، السجن الحقيقي ليس في الجدران، بل في الندم الذي لا ينام، وفي الذكريات التي لا ترحل. وحدها الصداقة الصادقة تمنحنا نافذة على الضوء، حتى وإن كان العالم من حولنا مظلماً.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 09:15 1

سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة

صوت وصورة
عروض فرقة المسيرة الخضراء
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 19:35

عروض فرقة المسيرة الخضراء

صوت وصورة
محافظتي تتيح تتبع العقارات عن بعد
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 18:00 1

محافظتي تتيح تتبع العقارات عن بعد

صوت وصورة
إعادة هيكلة جوطية درب غلف
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 17:12 4

إعادة هيكلة جوطية درب غلف

صوت وصورة
"صاك طنجة" يشعل مجلس البيضاء
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 14:37 14

"صاك طنجة" يشعل مجلس البيضاء

صوت وصورة
محامو المغرب يعودون إلى المحاكم
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 13:18 4

محامو المغرب يعودون إلى المحاكم