الشهود في المادة الزجرية

الشهود في المادة الزجرية
الأحد 13 يوليوز 2025 - 08:23

تعدُّ الشهادةُ من أقدم وسائل الإثبات في القضايا الجنائية، وقد ظلَّ القضاءُ المغربي يمنحها أهميةً بالغةً في تكوين قناعته، كما جاء في قانون المسطرة الجنائية. إلا أن واقعَ المحاكم اليوم يكشف عن ظاهرةٍ مقلقةٍ تتمثل في انحراف بعض الشهادات عن دورها الأصلي، وتحولها من وسيلةٍ لكشف الحقيقة إلى أداةٍ لتضليل العدالة والتأثير في مسار المحاكمة.

ينصُّ قانونُ المسطرة الجنائية على إجراءاتَ دقيقةٍ للاستماع إلى الشهود، ويُلزمهم بالحضور والإدلاء بأقوالهم تحت القسم أمام المحكمة. وتُعتبر الشهادةُ من عناصر الإثبات التي تدخل ضمن السلطة التقديرية للقاضي، ما يمنحه صلاحيةَ تبنيها أو استبعادها وفق قناعته. لكن هذه الحريةَ القضائيةَ تصطدم أحيانًا بواقعٍ ميدانيٍّ تختلط فيه النوايا، وتتعدد فيه الشهاداتُ الكيديةُ والموجهةُ، التي لا تستهدف سوى التلاعب بالوقائع وتشويه الحقيقة.

لقد أفرد المشرعُ المغربي في الفصل 369 من القانون الجنائي عقوباتٍ صريحةً للشهادة الزور، حيث يُعاقب كلُّ مَن يدلي بشهادةٍ كاذبةٍ أمام القضاء، وتشتدُّ العقوبةُ إذا ترتب عنها صدورُ حكمٍ بالإدانة ضد بريء. غير أن تطبيقَ هذه المقتضيات يواجه عراقيلَ كبيرةً، في مقدمتها صعوبةُ إثبات نية الكذب لدى الشاهد، وغيابُ وسائلَ دقيقةٍ لكشف التلاعب في الأقوال، مما يجعل العديدَ من شهادات الزور تمرُّ دون مساءلةٍ أو تتبعٍ قضائي.

والأخطرُ من ذلك، أن بعضَ الشهادات يتم تقديمُها لأسبابَ انتقاميةٍ، أو بإيعازٍ من أطرافَ لها مصلحةٌ في توجيه مسار المحاكمة. في حالاتٍ أخرى، يكون الشاهدُ تحت تأثير ضغوطَ أسريةٍ أو اجتماعيةٍ، أو حتى مقابل تعويضٍ ماديٍّ غير مشروعٍ، وهو ما يحوِّل المحكمةَ إلى ساحةٍ للتصفية بدل أن تكون منبرًا للحقيقة.

ورغم هذا الخلل، فإن القضاءَ المغربي لا يتوقف عند حدود الشهادة وحدها، بل يستند إلى أدواتٍ أخرى نصَّ عليها قانونُ المسطرة الجنائية. فمحاضرُ الضابطة القضائية، رغم كونها لا تشكل دليلاً حاسمًا، تظلُّ وثائقَ مهمةً لبناء تصورٍ أوليٍّ عن الوقائع. كما أن المحكمةَ قد تلجأ إلى الخبرة التقنية أو الطبية، خاصة في الملفات المعقدة التي تستدعي رأيًا متخصصًا لفهم جزئياتَ فنيةٍ قد تغيب عن غير المختصين.

وتُعتبر المعاينةُ وإعادةُ تمثيل الجريمة من الآليات المهمة التي تُسهم في تقاطع الأقوال مع الواقع، وكشف التناقضات في تصريحات المتهمين أو الشهود على حدٍّ سواء. هذا دون أن نغفلَ القرائنَ القضائيةَ التي يستخلصها القاضي من سلوك الأطراف، وظروف القضية، وسياق الأحداث، وهي أدواتٌ تسمح له بتكوين قناعةٍ مبنيةٍ على منطقٍ وتحليلٍ سليمٍ، بدلًا من التسليم الأعمى بشهادةٍ قد تكون زائفةً أو مدفوعةً.

ومع تنامي ظاهرة الشهادة المضلِّلة، يصبح من الضروري التفكيرُ في تعزيز آليات مراقبة الشهادات، وتوسيعُ صلاحيات النيابة العامة لتحريك المتابعة في حالات الزور. كما ينبغي ترسيخُ وعيٍ قانونيٍّ لدى المواطن بأن الشهادة ليست فقط حقًّا، بل مسؤوليةً قد يترتب عنها مصيرُ شخصٍ، إما بالإدانة أو بالبراءة.

لقد آن الأوانُ لإعادة الاعتبار للحقيقة القضائية، من خلال ضبط الشهادة ضمن إطارٍ قانونيٍّ صارمٍ، وتفعيلُ المقتضيات الزجرية ضد كل من يعبث بها، مع تقويةِ دور الأدوات العلمية والموضوعية في بناء الحكم الجنائي. فثقةُ المجتمع في العدالة لا يمكن أن تُبنى على شهادةٍ قابلةٍ للتوجيه، بل على منظومةِ إثباتٍ متكاملةٍ تحترم القانونَ، وتنتصرُ للحق.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الإثنين 14 يوليوز 2025 - 07:48

    “العدالة ليست مجرد كلمات تُقال، بل أفعال تُثبت، والحقيقة هي النور الذي لا ينطفئ مهما حاول الظلام أن يخفيه.”

    أستاذ مراد المحترم،

    أشكركم على طرح هذا الموضوع الحيوي الذي يعكس تحديات حقيقية تواجه منظومة العدالة في بلادنا. لقد سلطتم الضوء بموضوعية على إشكالية الشهادة الزائفة وأثرها السلبي في تشويه مسار المحاكمات، مما يستدعي تضافر جهود التشريع، القضاء، والمجتمع لمواجهتها.

    إن حماية مصداقية الشهادة تتطلب تطوير آليات قانونية وتقنية فعالة، مع تعزيز الوعي القانوني والأخلاقي لدى المواطنين، لأن القاضي، رغم سلطته التقديرية، لا يمكنه وحده أن يضمن وصول العدالة إلى الحقيقة دون دعم منظومة إثبات متكاملة. كما أن تفعيل العقوبات الرادعة بحق من يعبث بالحقيقة هو ركيزة أساسية لاستعادة ثقة المجتمع في القضاء وضمان أن تبقى المحكمة منبرًا للحق لا ساحة للتصفية.

    وأختم باقتباس فيه بعض الجدية مع لمسة فكاهية:
    “الشهادة الكاذبة قد تربك القاضي، لكنها لن تربك الحقيقة؛ فالحقيقة مثل الشمس، قد تتأخر في الظهور، لكنها لا تغيب أبدًا، أما الكاذبون، فغالبًا ما ينسون نص السيناريو في منتصف الطريق.”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام