نحن أبناء وبنات هذا البلد العزيز، أجيال وُلدت من رحم كدِّ وعطاء رجال ونساء الوطن، ومن حاضنة الحركة الوطنية في ظل مشروع الاستقلال الوطني بكل روافدها، عشنا الحلم الوطني في صيغه المتعددة والمتجددة، من رهان الاستقلال أولا، إلى رهان الدولة الوطنية المستقلة ثانيا. ثم تبلورت من قلب ساحة الحراك السياسي والاجتماعي والشعبي شعارات متعددة. بعضها كان متناقضا في بعده الاستراتيجي كما في بعده المرحلي التاكتيكي. وبعضها كان متقاربا متوافقا على الأقل في بعده الاستراتيجي، وإن اختلف في الطريق إليه، وحتى لو كان الكثير ممن أبدعوا هذه الشعارات يعرفون أن السياسة هي فن الممكن، وأنه في عالم السياسية يبقى الدور الأكبر للفعل السياسي والمشي على تربة الواقع حيث المسير يصنع الطريق. الأفكار الكبرى والشعارات قد تنور البصيرة السياسية وتوجه الرؤية لكن المسير اليومي فوق رمال الواقع المتحركة هو الذي يصنع الطريق، ويفتح آفاقه، ويعطي للفعل معنى قابلا للفهم وقابلا للملاحظة. ومن ثمة يزرع الثقة المطلوبة على الدوام لنجاح الفعل السياسي نفسه. ومن بين هذه الشعارات الكبرى التي خرجت في رحم هذا الواقع، واقع الفعل والممارسة، واقع العيش والطريق إلى المواطنة الذي بدا طويلا ومعقدا، كان شعار “دمقرطة الدولة ودمقرطة المجتمع”، الذي لم يكن في سياقه التاريخي مجرد شعار ” عابر في زمن عابر” من المسلسل الديموقراطي المتعدد الحلقات، وإنما كان شعارا وظيفيا كثيفا يحمل في طياته كل إمكانيات التوافق والانفتاح والخروج من نفق مسلسل إعادة إنتاج روافد الوعي الزائف، بدون أي ممكنات التجاوز والانخراط الإيجابي في ترسيخ مسلسل البناء المندمج للعملية الديموقراطية في بعدها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
مر الزمن عقودا، ومعه تراكمت الانتظارات، وزادت الفوارق، وصارت السياسة مجرد لعبة دورية باردة تبتعد، دورة بعد أخرى، عن جوهرها وأخلاقها ووظيفتها. وها هي معظم تلك الشعارات الكبيرة والبراقة ظلت عالقة في هامش الغلاف الجوي للنوايا والطموحات والرهانات، وها نحن ما زلنا نتعثر في مسيرنا على هذا الطريق الطويل، طريق المواطنة والتنمية. وما زلنا نحلم بغد أفضل، تنعم فيه وحدتنا الترابية بالوحدة الكاملة غير منقوصة الأطراف من كل الجهات، غدٍ تَعُمُّ معه، في هذا الوطن، فضائل العدالة الاجتماعية، والمجالية، والكرامة، والعيش الكريم، والحرية، والديموقراطية.
بعد كل هذا وذاك، ما أحوجنا اليوم إلى الاستجابة لدعوة الوطن من أجل وطن للجميع، في هذا الزمن المفترس العنيد، وفي هذا السياق الوطني الذي بات متورما بالفوارق والتناقضات والانتظارات. ما أحوجنا أن نعيش الطريق إلى هذا الحلم الجامع. طريق يستقيم فيه المسير، وتنتصب فيه القامات في خطوها. خطوات لا نريدها اليوم أن تهرب من واقعنا فتستحيل سرابا. فالزمن صار سريعا بما لا يكفي للنسيان. وذاكرة الوطن حبلى بالتجارب، والعالم صار على صفيح ساخن، بل صار غابة كثيفة الفواعل تحترق من هول إيقاع التحول والتطور والتجاوز، وما عاد هناك وقت للفرجة في شرفة التاريخ والجغرافيا.
الطريق إلى حلم الوطن، إذن، طريق طويل، طريق ما كان يوما مستقيما، وما ينبغي له أن يكون كذلك. فالطريق الذي تُعَبِّدُه التراكمات والخبرات والتجارب والتناقضات والتفاعلات والترافعات والتدافعات، بل وحتى الصراعات، هو طريق لولبي كثير المطبات والحفر، يحتاج إلى كثير من الوعي الجمعي بخصائص الطريق وموضوعه، بإكراهاته ومخاطره، بتحدياته ورهاناته. لكنه طريق ليس مستحيلا. فإن كان بالطبيعة خاضعا لسياقاته الداخلية والخارجية وإمكانه التاريخي، فهو مع ذلك يبقى ضمن دائرة الممكن في حياة الشعوب العظيمة بعمقها التاريخي والحضاري، وبغنى وتنوع مصادر قوتها وتعدد روافد هويتها الوطنية الجامعة. وشعب المغرب، لا محالة، هو واحد من أعرق وأعظم هذه الشعوب. لم يكن صنيعة الاستقلال، وإنما هو الذي صنع استقلاله وتحرره وفق خصوصياته التاريخية.
الطريق إلى الحلم إذن ليس سهلا، ولا يمكن أن يصير دفعة واحدة، ولكن عندما يكون لهذا الطريق بدايات راسخة، ولحظات تاريخية قوية، وتراكمات إيجابية لا ينكرها إلا جاحد، فإن التاريخ ذاته بهذه العظمة يخلق الفرص، ويقدم الإشارات، وينبه بالمؤشرات. لا شك أن الإنصات الرصين والحكيم لتاريخنا الوطني يفيد بأن هذا البلد الأمين يعيش إرهاصات لحظة تاريخية فارقة على طريق هذا الحلم المستدام. وأول الغيث في هذه اللحظة التاريخية خطوة جديدة، حان موعدها، على درجات سلم التقدم، حيث يصير ذاك الحلم في درجة نوعية من درجات تحققه الفعلي حقيقة وواقعا. إنها تلك الخطوة التاريخية النوعية التي من شأنها أن تنعش الثقة فينا، ثقتنا في أنفسنا، وفي مجتمعنا، وفي دولتنا؛ في نخبنا، وأحزابنا السياسية، وفي مؤسساتنا. إنها خطوة ليست بالمستحيلة على أمة ما زال تاريخها حيا ناطقا. لكنها خطوة كمجرى الماء من النبع. وهذا النبع الوفير الغني ينبض بالحياة، لكن المجرى يحتاج إلى تنظيف، والتنظيف يحتاج إلى وعي جمعي، والتزام وطني، ومسؤولية تاريخية. كما يحتاج إلى شجاعة، وجهد، وتعاون، وتوافق، وتفاعل صادق وذي مصداقية. لعل الماء يتدفق ويجري ليصل مراده نقيا خاليا من الشوائب، ومفيدا للخلق أجمعين في هذا البلد الأمين.
إذن الأمة، أمتنا المغربية العظيمة، الممتدة جذورها في التاريخ العريق، بتراكماتها وتنوعات روافدها، هي في مواجهة تحد كبير، وأمامها رهان عظيم، والتاريخ نفسه لا يرحم، والمستقبل تبنيه العقول النيرة الحكيمة والسواعد المجدة، عندما تتوحد أمامها المقاصد والأهداف والجهود، وتجفف منابع التفرق والتفريق، ويصير معها الاختلاف والتنوع مصدر قوة وغنى.
وقد صارت الانتخابات المقبلة على مرمى عين السياسيين، أصبح من الطبيعي والمنطقي، عند العادي والبادي، أمام هذه التحديات الجمة، وهذه الرهانات الكبيرة، على فواعل السياسة ومجموع نخب الاستثمار في المواطنة وفي سوق السياسة، ومجموع الفاعلين والمهتمين والملتزمين بقضايا الأمة، بل وحتى مجموع المواطنين، أن يسائلوا، بالمفرد والجمع، طبيعة التجارب الماضية وآثارها، وتراكم المكتسبات وفضائلها، والعوائق والإكراهات وسلبياتها؛ وكذا قدرة الذات وشروط التحول، وطبيعة السياق ورهانات المستقبل القريبة والبعيدة ومدى قدرة المجتمع على تحمل فاتورة الانتظار والاستقرار والركود والخيبات والانتظارات أيضا. فهي مساءلة مشروعة، وضرورية، وذات منفعة. فالأجوبة التاريخية الملائمة تأتي نتيجة مساءلة تاريخية ملائمة، والأسئلة التاريخية الملائمة هي تلك الأسئلة الحقيقية والاستراتيجية المفتوحة على الواقع الموضوعي وعلى المستقبل بحكم قوتها وواقعتيها وموضوعيتها وطبيعة آثارها ونوعية من يطرحها. إنها أسئلة الوعي التاريخي الجمعي الممكن.
إن من يقف على مسافة مما يجري بقليل من الموضوعية، وبقليل من الحياد، بعيدا عن أي خلفية إيديولوجية أو أحكام قيمة مسبقة وموجهة، حتى لو كان ذلك صعب الإمكان، يجد أن ما تعيشه الأمة المغربية، اليوم، لا يمكن اعتباره إلا مرحلة تحول بنيوي بلغ درجة الاحتدام الكمي، نتيجة ما صار يؤشر عليه الواقع من مفارقات، ومن خيبات، ومن صرخات، ومن تعثرات. وهذا التحول البنيوي، بكل بساطة، يقتضي في المقابل خطوة بنيوية على قدر طبيعة هذا التحول ذاته. ومن أولى أولويات الإعداد لمثل هذه الخطوات توحيد المقاصد والأهداف المشتركة. والطريق إلى هذا التوحيد لا يمكن أن يكون في مجمله إلا عبر سيرورة متدرجة تتكامل فيها العقول والسواعد والجهود والأهداف والمقاصد الجزئية ضمن إطار استراتيجي توحيدي يبدأ بإطلاق النقاش العمومي وتنويع آليات المشاركة الموسعة فيه، يصير معه التوافق الوطني نتيجة، ويصير معه العقد الاجتماعي في نسخته المحينة ممكنا. عقد مضمونه خطة التحول ذاتها بأهدافها الاستراتيجية والمرحلية، وبآلياتها ومعايير جودة نفاذها ومواكبة تنفيذها وتقييم مخرجاتها وآثارها، في ظل ثوابت الأمة الجامعة ومرجعيتها واختياراتها الدستورية.
لا يشك، حتى قليل الاهتمام، في خصوصية الدورة الانتخابية القادمة، وفي أهميتها، وفي كونها لحظة فارقة، إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم الاستثمارات والتحديات والرهانات والانتظارات الشعبية، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالتحضير الجيد لحسم ملف قضيتنا الوطنية؛ وبالتحضير الجيد لكسب رهان مشاركتنا في تنظيم بلادنا لدورة 2030 لكأس العالم في كرة القدم؛ وبالتحضير الجيد لتجاوز حالة الاحتقان الاجتماعي وتقليص الفوارق الاجتماعية؛ وبالتحضير الجيد لترسيخ خيار الدولة العادلة في بعديها المجالي والاجتماعي بالسعي إلى الحد من الفوارق الصارخة في السرعات على طريق التنمية. كما يتعلق بالتحضير الجيد للمستقبل في ظل عالم ارتمى في حضن اللايقين، ومضى نحو تكثيف حدة الشراسة الاقتصادية والتغول المالي، والتحول الأخلاقي، والهيمنة الثقافية، وتذرية الفرد في كينونته واختفاء المعنى تحت وطأة تضخم أخطبوط الاستهلاك.
كلنا يقول، ومن حق كل فرد مواطن منا أن يقول، فذاك ما يضمنه الدستور لجميع المواطنين، في ظل ثوابت الأمة، وضوابط القانون، ومعايير أخلاق السياسة، وأطر الثقافة المشتركة، ومعالم الوعي الممكن. تتعدد الرؤى والتحليلات والتأويلات والخلاصات، بل وتتعدد المنطلقات والخلفيات والمصالح، لكن التاريخ، هذا الحَكَم المتعالي له قول ونظر وعلامات. وواقع حياتنا اليومية أيضا يقول، وكلمته كلمة فصل، تتهاوى أمامها باقي الكلمات في اللحظات التاريخية العظيمة كهذه. وهكذا، عندما يفرز التاريخ علامات، ويدعو الوطن إشارات، وتصير لغة الواقع أكثر وضوحا، بل وأكثر إزعاجا، هي لغة الحقيقة بلا مجاملات ولا بهارات ولا مزايدات، يصير التجاوب مع يقظة التاريخ، وتصير الاستجابة لدعوة الوطن، ويصير الجواب عن أسئلة هذا الواقع مهمة وطنية لا تُنجز من خارج دائرة التركيب المضاد للاختزال والاقصاء والاستبعاد والاستفراد والاستقواء والانتقاص والتخوين. حيث تصير الأمة في حاجة إلى كل أبنائها وبناتها. لا فرق اليوم ونحن نحاول الإجابة عن أسئلة هذا الواقع الناطق، ومجابهة تحدياته، والتجاوب مع رهانات مستقبله، وتجاوز إكراهاته وعوائق تحوله، إلا باليد الممدودة والمفتوحة أمام الجميع، من أجل مساهمة الجميع. ففي اللحظات التاريخية، كهذه، يجب أن تتوارى فيها النعوت والصفات اللصيقة. إنها لحظة الوحدة الوطنية، اللحظة التي يصير فيها للانتماء وللالتزام، معنى واحدا موحدا. إنها اللحظة التي يجب أن يسهم فيها كل الأوفياء للوطن، المتشبثون بوحدته الترابية، وسيادته السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، تحت يافطة الوطن، أولا وأخيرا.
إنها إذن لحظة تاريخية فارقة، لحظة تحول وطني بنيوي، لحظة وحدة وطنية، وانخراط وطني، والتزام وطني، تتظافر فيها وتتوحد جهود الأمة دولة ومجتمعا. وكل لحظة من لحظات التاريخ الكبرى والنوعية تقوم على أرضية جامعة. أرضية تتضمن القضايا الاستراتيجية الملائمة لطبيعة هذه اللحظة التاريخية وخصوصياتها. إنها أرضية توحيد قائمة على كل ما يمكن أن يكون مشتركا في المنطلق والغاية. لذلك فإن هذه اللحظة الوطنية التي نعيشها اليوم لها أرضيتها الخاصة. وهي أرضية نجدها ملائمة يتحقق من خلالها ذاك التجاوب المنتظر مع يقظة تاريخ الأمة، وذاك التفاعل الإيجابي مع دعوة الوطن الهادئة. وذاك الجواب الممكن عن سؤال الواقع بتحدياته ورهاناته. وتتكون هذه الأرضية، في اعتقادنا، في ضوء التراكمات الحاصلة ضمن دائرة التفاعلات الجارية بين مختلف عناصر منظومة العلق، من خمسة عناصر مضمونية كلية، العامل المشترك فيما بينها هو التقدم خطوة جديدة بما تقتضيه من جدية، ومن تصحيح واستدراك، ومن تجاوز. وهي على التوالي:
أولا، التقدم في تصفية ملف الوحدة الترابية باعتبارها قضية الأمة الأولى في ضوء مبدأ الجهوية المتقدمة، وقد حان الموعد، ونضجت الشروط بما يكفي، وتحددت الوجهة بوضوح، واستقام الطريق المعبد بين كثبان الرمال التي كانت قد حركتها أصابع الحرب الباردة ومطامع الأشقاء الأعداء وعنفوان الشباب وتمرد الأبناء تحت وطأة أفيون الإيديولوجيا والمصالح الضيقة وخيارات التحرر الوهمية. وقد أنبأ السياق العام والإمكان التاريخي بساعة الحسم. إنها ساعة التطابق بين مسار حسم ملف الوحدة الترابية ومسار تفعيل الجهوية المتقدمة ذلك التطابق الكامل الذي تدعمه سنن جدل التاريخ، ومعايير الحق في التنمية، وتجليات المواطنة الحقة، وفعالية الديموقراطية كخيار مبدئي واستراتيجي.
ثانيا، التقدم في مشروع العدالة الاجتماعية والمجالية المفتوح في ضوء مقومات الحق في التنمية، حيث صار من غير المقبول السير على طريقه بسرعتين مختلفتين، إن لم نقل سرعات عدة، وخاصة في مجالات البنية التحتية والتجهيزات والخدمات الأساسية وعلى رأسها التعليم والصحة والشغل والسكن. إن ما عبرت عنه الحراكات الشعبية التي عرفتها البلاد منذ مطلع العشرية الثانية من هذا القرن، وفي أكثر من موقع، وفي أكثر من مناسبة، وفي أكثر من واجهة نضالية أو احتجاجية أو مطلبية او تضامنية، أكدت بما لا يدع مجالا للشك بأن الشعب المغربي بلغ من النضج ما بلغ، وبلغ من الوعي المدني في ترافعاته درجة عالية من المسؤولية والالتزام والسلوك المدني والتشبث بثوابت الوطن، والتعلق بحقه في التنمية بما يضمن كرامته ويحقق له مواطنته الكاملة، حتى لو كان المجتمع السياسي بدا، في مجمله، متعثرا ومكبلا بخصوصياته الذاتية وهشاشته المؤسساتية. لذلك فإن ساعة التحول دقت من أجل حسم معادلة التطابق بين المواطنة والحق في التنمية عبر بوابة العدالة الاجتماعية والمجالية، ولن يتحقق ذلك إلا عبر مجتمع سياسي حداثي ومؤسساتي منتج، ومجتمع مدني ترافعي منخرط في شبكات القرب.
ثالثا، التقدم في مأسسة الاقتصاد الاجتماعي باعتباره رافعة أساسية لتفعيل خيار العدالة الاجتماعية والتضامن الوطني، وهو ما يقتضي إعادة الاعتبار لوظيفة الدولة بإخضاع السوق للمراقبة وفق ضوابط المنافسة المسؤولة لصد نزعات الاحتكار والتغول، ودعم المقاولة المواطنة، والانفتاح على السوق العالمية الواعدة، وتحصين الاكتفاء الوطني والسيادة الغذائية والصناعة الوطنية الثقيلة والتحويلية، وترشيد وتوجيه ومراقبة الاستثمارات الأجنبية. إن إطلاق العنان لفئة اللوغارشية المالية والليبراليين الجدد للتحكم في السوق والسلطة ورهن البلاد والعباد لخدمة مصالحهم بكل الوسائل المتاحة، والهيمنة على مؤسسات الدولة والمجتمع، لم يكن خيارا سليما ونافعا لدعم القطاع الخاص وتأهيله في وطن ما زال في حاجة إلى دولة موجِّهة وراعية واجتماعية تقوي مؤسسات التضامن والتكافل المجتمعي، وتقيم التوازنات، وتقي الفئات الاجتماعية الهشة شراسة السوق الحرة، وتحمي وجودها، وتعزز أدوارها، وتؤمن استفادتها من خيرات البلاد بما تقتضيه مبادئ العدالة الاجتماعية ومقوماتها.
رابعا، الحكامة الرشيدة باعتبارها اختيارا مبدئا، وثقافة سلوكية، وآلية مؤسساتية حداثية ومعيارية قائمة على مقومات الشفافية والنزاهة والمشاركة الفعالة وربط المسؤولية بالمحاسبة؛ بما يسهم في الرفع من جودة ثقة المواطن في المؤسسات وفي الإدارة، ويقطع الطريق أمام تضارب المصالح والإثراء الغير مشروع والريع بمختلف أنواعه ودرجاته ومجالاته. إن إحداث مجموعة من مؤسسات الحكامة التي أحدثها دستور 2011 كان خيارا سليما نظرا لأهمية هذه المؤسسات في تحقيق التوازن وتوفير الخبرة الوطنية ومأسسة المراقبة المجتمعية وحماية المال العام وتحقيق سلامة التحول نحو دمقرطة الدولة ودمقرطة المجتمع، وتأمين فعالية العملية الديموقراطية كآلية لإنتاج النخب وتمكين المجتمع السياسي من تحقيق مشاركته الفاعلة وتمكين المجتمع المدني من تحقيق وجوده كقوة ترافعية واقتراحية تتقدم بنضج على سلم الديموقراطية الحقة. إنه لا يمكن للاقتصاد الخاص أن يلتزم بأدواره الوطنية إلا في ظل حكامة رشيدة تجعل بيئة الاستثمار بيئة آمنة ومحفزة وداعمة كما تجعلها بيئة خاضعة للمراقبة والمواكبة والتوجيه العقلاني المثمر.
خامسا، المواطنة الرقمية باعتبارها إطارا ناظما للانخراط في المنظومة العالمية، ورافعة أساسية للتنمية والتقدم العلمي وتحقيق الرفاه العام وتسهيل الولوج إلى الحياة، وآلية فعالة للانخراط الإيجابي في المواطنة العالمية من موقع الفعالية الإيجابية المنتجة المشاركة في سيرورة التطوير والإبداع والابتكار لا من موقع الاستهلاك الضار. إن التحول التكنولوجي والرقمي بات ضرورة وجودية في حياة الدول. وأن المهارات الرقمية تُعد من أخطر المهارات وأهمها على الإطلاق في عالم اليوم والغد. إن التحول البنيوي المنشود غير ممكن ما لم يجعل ضمن أولوياته الانخراط في اقتصاد المعرفة والبحث العلمي في مجالات التكنولوجيا الرقمية وتنمية المهارات الرقمية على أساس التعميم والانتقال إلى الخدمات الذكية والإدارة الذكية والمدن الذكية والاقتصاد الذكي والمدرسة الذكية والجامعة الذكية. وهو ما يتطلب ثورة هادئة سندها الأساس التعبئة المجتمعية من أجل مواطنة رقمية ناضجة تسهم في ترسيخ ممكنات التحول نحو مجتمع أكثر ذكاء وترسيخ مستلزمات الانتماء إلى ركب الدول الصاعدة بكل ثقة، وبكل أمان، وبكل فعالية.
تلك هي خمس قضايا مهيكلة لتحقيق التحول الفعال، والتحكم في المستقبل وإرساء مقومات الاستقرار الآمن. ذاك هو مضمون التوافق والتعاقد والالتزام في ظل الوحدة الوطنية الضامنة لشروط التحول الوطني. ولنا في الخطب الملكية السامية عامة، وتلك التي دشنها خطاب 9 مارس 2011 التاريخي خاصة، وما تلاه من خطب سديدة تضمنت تحليلات، وتساؤلات، وانتقادات، وإشارات، ورسائل، وتقييمات، وتوجيهات، وقد كان آخرها خطاب العرش لهذه السنة، وما حملته كل هذه الخطب من عناصر رؤية استراتيجية لقيادة هذا التحول الوطني، خير مرجع لتأطير هذه الوحدة الوطنية، وتأطير مدخلات التفكير الاستراتيجي الجمعي في مجموع عناصر هذه الأرضية، فماذا عسانا نفعل اليوم ونحن نعد للانتخابات المقبلة بما يجعلنا أكثر حماسا، وأكثر ثقة، وأكثر التزاما، وأكثر انخراطا، وأكثر اطمئنانا؟
الجواب الممكن يجد عناصره في الإعداد الجيد والنوعي لهذه الانتخابات من حيث:
أولا، الإشراف على الانتخابات نفسها بما يجعلها نوعية وجدية وجيدة وشفافة وذات مصداقية، إشراف تتوفر فيه شروط الحياد الإيجابي، يسهم في قطع الطريق أمام سماسرة الانتخابات وفي الحد من صلاحية تحكم وهيمنة المال في السياسة والعملية الانتخابية برمتها؛ وفي تأطير حياد السلطات التنفيذية والإدارية؛ وفي دعم أدوار السلطة القضائية من حيث التأطير القانوني ومراقبة التنفيذ؛ وفي تعزيز مأسسة حرية الإعلام والصحافة بما يجعلها تشارك بفعالية في النقاش العمومي وفي التعبئة الجماعية، وبما يجعلها كذلك قادرة على القيام بوظيفتها على أحسن وجه. كل هذا يتطلب رؤية استراتيجية للعملية الانتخابية في شموليتها كآلية لتفعيل خيار الديموقراطية، وكعملية تراكمية تقطع مع سلبيات التجارب الماضية وتنفتح على المستقبل في سياق عالمي شديد الحساسية. وطبعا لا يمكن إنتاج نسخة متقدمة من العملية الانتخابية على درب النضج الديموقراطي والحق في التنمية إلا في ضوء دعامتين أساسيتين: أولها، مساحة واسعة من الثقة الشعبية. وهذه الثقة لا يمكن إعادة تثبيت مداخلها إلا من خلال إطلاق مؤشرات التحول وعلى رأسها إعادة النظر في التقييمات السابقة للحراكات الشعبية والاجتماعية والتضامنية بما تقتضيه هذه التقييمات من موضوعية وإيجابية وحسن النية. وثانيها، إطلاق حملة تطهير شجاعة، تستهدف كنس الفساد أو على الأقل، بما يسهم في التخفيف من حدته. لأن العملية الديموقراطية لا تستقيم مع الفساد ولا مع الاستبعاد والإقصاء وقمع الحريات. كما لا تستقيم دون ربط المسؤولية بالمحاسبة. ثم توفير شروط التخفيف الناجع من هيمنة السلطة المركزية وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعية عن طريق تفعيل آليات الجهوية الترابية في ترسيخ آليات الانتقال والتحول من أجل تنمية حقيقية تتمحور حول تنمية القرب وفعالية النخب المحلية وبناء نموذج فعال للجهوية المتقدمة لا يقوم على مجرد تفويت الاختصاصات وإنما يقوم على تعميق وتوسيع دائرة المشاركة في بناء الرؤى وصناعة القرار وتملك آليات الإنفاذ والتنفيذ على الصعيد الجهوي والمحلي.
ثانيا، دفع الأحزاب السياسية إلى إعادة النظر في آلياتها التنظيمية وفي كيفية ممارستها لوظيفتها الدستورية بما يجعلها في قلب هذا التحول البنيوي المنشود. فحتما لا يمكن قيادة تحول وطني حقيقي بدون أحزاب متحولة قادرة على الفعل بالفعالية المطلوبة تأطيرا وتنظيما ومشاركة، كما لا يمكن إنتاج هذا التحول الوطني بكتلة حزبية هشة وضعيفة وتقليدية، بعضها منغلق على ذاته، وبعضها غارق في شعبويته، وبعضها منفصل عن المجتمع وما زال يسبح في ملكوت الإيديولوجيات العقيمة، وبعضها يدير السياسة بمنطق السوق وقواعده، وبعضه تحول إلى مجرد يد عاملة تنفيذية وموسمية لا قدرة له على إنتاج رؤية أو موقف أو حتى برنامج. وهذا يستلزم، بحسب سياق الخطوة الجديدة إعادة بناء الذات الحزبية، وبناء تحالفات استراتيجية ومرحلية فيما بين هذه الأحزاب عبر آليات تستوعب كل الطاقات بما في ذلك تلك الطاقات الحية التي استقطبتها واجهات الفعل الاجتماعي والمدني والثقافي. تحالفات عمادها الأساس برامج انتخابية واضحة الأهداف والمقاصد ومحدد المؤشرات ومعايير الفعل والمشاركة. بما يقلل من ظاهرة البلقنة الحزبية المقيتة، ويعبد الطريق نحو ترسيخ تحالفات قوية في المستقبل تكون قادرة على إنتاج رؤى سياسية واستراتيجية. وهذا لن يتحقق إلا بإطلاق حوار داخلي ديمقراطي داخل هذه الأحزاب نفسها وفيما بين الأحزاب. حوار مؤسساتي يحدد لنفسه ضوابط تحد من هيمنة الخلفيات الإيديولوجية، وينفتح على كتل الشباب التي استوطنت هواتفها وانعزلت في بيئات موازية، ويدعم تفعيل مبدأ المساواة ويعلي من مكانة المرأة المغربية والشباب في الحوار السياسي وفي النقاش العمومي حول الحق في التنمية ومقوماتها المادية والرمزية، ويعزز وحدة الفعل والبرنامج المشترك وتنويع آليات التنفيذ بما في ذلك الآليات التنظيمية وإمكانيات التأطير وواجهات العمل والاتصال والتواصل والتعبئة والنفاذية الرقمية الاجتماعية.
إن الانتخابات المقبلة خطوة جديدة على مسار التحول، وهي فرصة تاريخية حقيقية للجواب على أسئلة الواقع، لإعادة بناء الثقة، وإنتاج آليات تفعيل مضمون العقد الاجتماعي الجديد الذي رسخ مدخلاته خطاب العرش الأخير. كما هي فرصة لتمتين الوحدة الوطنية وتظافر الجهود وتوحيدها من أجل غد أفضل على طريق ترسيخ مقومات تحقيق حلم أجيال تشبعت بحلم الاستقلال وبرهانات العهد الجديد، وهي مستعدة للتفاعل مع يقظة التاريخ الذي أعطى إشاراته، ولتلبية دعوة الوطن الذي علت صرخاته، بصدق والتزام في ظل ثوابت الأمة المغربية الجامعة. فهل ستكون هذه المحطة خطوة جديدة من أجل تحول حقيقي أفقه مغرب جديد آمن ومستقر ومتملك لمقومات التطور، ضمن دائرة الدول الصاعدة، في ظل منظومة عالمية متحولة، ونظام عالمي جديد في وضعية تشكل؟
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.