طفرة أسعار الذهب تُغذّي صعود إمبراطوريات التهريب والجريمة المنظمة

طفرة أسعار الذهب تُغذّي صعود إمبراطوريات التهريب والجريمة المنظمة
صورة: أ.ف.ب
السبت 23 غشت 2025 - 15:00

في ظل موجة ارتفاع أسعار الذهب عالميًا، يتسابق المهربون والمليشيات والتنظيمات الإجرامية للسيطرة على مواقع التعدين غير النظامي في إفريقيا وأمريكا الجنوبية، في ما يشبه حمى ذهب جديدة، لكن بطابع دموي واقتصادي غير مسبوق.

ووفق تقرير موسّع نشرته صحيفة “فاينانشل تايمز”، باتت تجارة الذهب غير الشرعية واحدة من أكثر قطاعات الجريمة المنظمة ربحًا في العالم، متجاوزة في بعض الأحيان عائدات تجارة المخدرات، مستفيدة من هشاشة الحكومات، وتطور أدوات التهريب، ومرونة الذهب في الغسل والتداول.

تشير الصحيفة إلى أن القيمة السوقية للذهب تضاعفت ثلاث مرات خلال العقد الماضي، وارتفعت بأكثر من 25 في المئة منذ مطلع العام، ما جعله ملاذًا آمنًا في ظل الأزمات الاقتصادية والتوترات الجيو-سياسية.

لكن هذا الصعود في السعر حفّز مجموعات إجرامية، من بينها “عشيرة دل غولفو” في كولومبيا، وميليشيات متصارعة في السودان، وعصابات تهريب في الأمازون، للاندفاع نحو التعدين غير المشروع، سواء عبر فرض إتاوات على عمال المناجم أو السيطرة المباشرة على المواقع.

في جنوب إفريقيا، تبرز بلدة ستيلفونتين كنموذج لهذا الواقع، حيث سيطرت عصابات مسلحة على مناجم مهجورة، وشغّلت مهاجرين فقراء تحت الأرض في ظروف خطيرة. وقال أحد المستشارين الأمنيين للصحيفة إن “حروبًا مصغّرة تجري تحت الأرض”، يستخدم فيها المهاجمون عبوات ناسفة وأسلحة ثقيلة. أما في بيرو، فقد تمّ قتل 39 عاملًا خلال ثلاث سنوات في اعتداءات على مناجم شرعية من قبل عصابات نهب الذهب.

وفي منطقة الأمازون، أوضحت “فاينانشل تايمز” أن عصابات المخدرات التي كانت تستخدم الغابة كممرات آمنة بدأت تتحوّل إلى التعدين مباشرة، عبر تمويل المعدات وحماية المواقع. في البرازيل، تشير الشهادات إلى دخول منظمات مثل “كوماندو فيرميلو” و”بي سي سي” إلى مجال التعدين غير القانوني، مستخدمة مطارات سرّية ومعدات متطورة، ما دفع الحكومة البرازيلية في 2023 إلى إطلاق حملة واسعة ضد المناجم غير المرخصة، خاصة في أراضي قبائل اليانومامي، التي تضرّرت بيئيًا وصحيًا من الزئبق والتلوث.

الذهب المستخرج من هذه الأنشطة يُهرّب عبر ممرات عالمية معقدة تمر عبر ميامي، ومومباي، وهونغ كونغ، دون رقابة فعالة على سلاسل التوريد. وتشير تقديرات منظمة “سويس إيد” إلى أن 435 طنًا من الذهب تم تهريبها من إفريقيا عام 2022، أي ما يعادل 31 مليار دولار بأسعار ذلك العام.

في السودان، يتخذ الأمر بعدًا أشد خطورة؛ إذ تموّل ميليشيا الدعم السريع المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، بما فيها الإبادة الجماعية، عملياتها العسكرية من خلال السيطرة على مناجم الذهب، بحسب تقرير للأمم المتحدة. ويتم تهريب هذا الذهب لاحقًا إلى الخارج عبر شبكات تهريب معقدة.

وبحسب التقرير، فإن التشابه الكيميائي بين سبائك الذهب يجعل من شبه المستحيل تعقّب مصدرها الأصلي، ما يُسهّل مهمة التهريب والتبييض. ويشير مراقبون إلى أن ضعف الشفافية في الأسواق العالمية يزيد من قدرة الذهب غير المشروع على دخول قنوات التداول الرسمي.

أما في جنوب القارة الإفريقية، فتُشكل مناجم الذهب المهجورة ملاذًا لعشرات الآلاف من العمال غير النظاميين المعروفين باسم “زاما زاما”. هؤلاء، وغالبيتهم مهاجرون من موزمبيق وإسواتيني، يعيشون في ظروف محفوفة بالمخاطر، ويتعرضون للاستغلال من قبل عصابات تسيطر على الموارد، فيما تكافح السلطات لإغلاق المناجم وقطع الإمدادات عن العاملين فيها. ومع ذلك، فإن محاربة الأفراد لا تفي بالغرض، بحسب أحد الخبراء الأمنيين الذي أكد أن الحل يكمن في الوصول إلى المموّلين والمستفيدين الحقيقيين من وراء الستار.

وفي كولومبيا، تسيطر عصابات مثل “عشيرة دل غولفو” على نهر كاوكا وتفرض إتاوات على عمال المناجم وأصحاب المتاجر على حد سواء، فيما تمدّ نفوذها إلى أنفاق مناجم صناعية مملوكة لشركات شرعية. الأمر ذاته يتكرر في نيجيريا والكونغو ومالي، حيث الذهب لا يُستخرج فقط من الأرض، بل من شبكات الفساد والسلاح والمال غير المشروع.

رغم الحملات الأمنية، تبقى قدرات الردع محدودة؛ إذ إن الرقابة الدولية على سلسلة توريد الذهب لا تزال ضعيفة، والتعاون بين الدول هش، والموارد المالية لإنفاذ القانون محدودة. وترى “فاينانشل تايمز” أن هذا الواقع يطرح أسئلة حرجة حول قدرة الدول على استعادة سيادتها على الموارد الطبيعية، وسط تمدد الجريمة المنظمة، وتحوّل الذهب من مخزن للقيمة إلى أداة لتمويل الحروب وتخريب المجتمعات.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • مواطن من هذا الوطن
    السبت 23 غشت 2025 - 15:34

    هناك دولة عربية معروفة بسبب حروب أفريقيا اشترت كميات ضخمة من الدهب وخصوصا من السودان التي كانت تتوفر على أكبر احتياط منه في أفريقيا

  • Sarfati
    السبت 23 غشت 2025 - 16:10

    أعتقد أن حمى الذهب الجديدة ربما قد تكون بسبب خطر الحرب الكونية المحدق بالعالم. أما ارتفاع أسعار الذهب، فقد يكون بسبب تهافت الدول والشركات الكبرى على شراء هذا المعدن الثمين، وليس العكس. نحن نرى أن الصين اشترت، وأعتقد لا تزال تشتري، كميات هائلة من الذهب، وهي ليست وحدها في هذا. بالطبع في مثل هكذا ظروف، تنشأ المؤسسات والتجارة غير الشرعيتين. فهل نحن مقبلين على كارثة كونية ثالثة؟

  • عابر سبيل ١
    السبت 23 غشت 2025 - 20:30

    ربما سحب الكاش من التداول قد يصبح العالم غير مأمن لهذا نرى هذا الارتفاع الصاروخي في معدن الذهب. انا شخصيا اتفق في ادخار هذا المعدن لان الدولة ستسلم عنق المواطنين للمجهول والعبدوبة.

  • Fellah
    الأحد 24 غشت 2025 - 10:47

    من يراقب فعليا وعمليا على أرض الواقع مصير ذهب والمعادن النفيسة لشركة مناجم ومستقلين آخرين؟ هل الدولة ؟ مراقبة ميدانية وبحث؟ أم مجرد أوراق وبيانات؟؟

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 12

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 3

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 7

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة