قالت ورقة بحثية منشورة ضمن عدد هذا الشهر من مجلة “ليكسوس” إن “الزبل لا يختزل في كونه مجرد فضلات تُطرح خارج النظام، بل يتحول إلى رمز سوسيولوجي بالغ الدلالة، يعبر عن أنماط عميقة من التصنيف الاجتماعي والإقصاء الرمزي. إنه تمثيل مادي للهامش، ووسيلة لإعادة إنتاج الفروقات الطبقية، ليس عبر المال أو السلطة فحسب، بل من خلال أنظمة غير مرئية من النظافة والاحترام والجدارة الرمزية”.
وأوضحت الدراسة المعنونة بـ”سوسيولوجيا الزبل في المجتمع المغربي: من تدبير النفايات إلى الرمزية الطبقية والاجتماعية”، للباحث في علم الاجتماع هشام بوقشوش، أن “المجتمعات الانتقالية، ومنها المجتمع المغربي، تعيد شحن النفايات بدلالات أخلاقية ووظيفية، فتقصي من يُعتبرون زبلًا اجتماعيًا إلى هوامش المدينة والوعي، في استبطان عميق لما سماه بيير بورديو العنف الرمزي، حيث تُفرض معايير النظافة والرقي على الفئات الدنيا، دون أن تدرك هذه الفئات نفسها طبيعة الإقصاء الذي تتعرض له”.
وأضافت: “هكذا يصبح الزبل، من منظور سوسيولوجي، أداة تحليلية لفهم علاقات الهيمنة، وآليات السيطرة الرمزية، وإنتاج الآخر المنبوذ، فهو يكشف عن الكيفية التي تشتغل بها البنى الاجتماعية من خلال ما يبدو هامشيًا أو تافهًا في صياغة المعنى”، معتبرة أن “ما نرميه ليس فقط مادة مرفوضة، بل جزء من النظام الاجتماعي الذي نعيد إنتاجه كل يوم، حين نحدد من يستحق البقاء في المركز ومن يُدفع إلى هامش الزبل”.
وأبرزت أن “الزبل في المجتمع المغربي ليس مجرد مخلفات مادية تُرمى وتُنسى، بل هو عتبة رمزية، تكشف عن كيفية تصنيف الأجساد، والأماكن، والوظائف داخل تراتبية اجتماعية مشحونة بالمعنى. إنه مرآة تعكس علاقات القوة داخل الحقل الحضري والاجتماعي، حيث تُرسم الحدود بين الراقي والوضيع، وبين النظيف والملوث، وبين المرئي واللامرئي، وبين المركز والهامش”.
وتابعت الورقة البحثية ذاتها أن “الزبل ليس فقط نتاجًا ثانويًا للاستهلاك، بل هو أيضًا نتاج للنظام الطبقي والثقافي والسياسي، حيث تُنتج النفايات وفق منطق غير عادل يُفرغ القذارة من المركز ليحملها إلى الهامش، ويحوّل العمل اليدوي (كالبوعارة والنظافة) من خدمة اجتماعية إلى وصمة اجتماعية. وبهذا المعنى، يصبح الزبل تجسيدًا ماديًا للتفاوتات الاجتماعية، يُستخدم كأداة للهيمنة وفق بورديو، ويُعتبر مجازًا عن النظام الحضري المختل وفق هنري لوفيفر، وعنصرًا بنيويًا في خطاب الوصم وفق إرفينغ غوفمان”.
وبينت الدراسة أن “تحليل الزبل من منظور سوسيولوجي متعدد الأبعاد، يجمع بين الاقتصاد السياسي، والجغرافيا الاجتماعية، وسيميائيات الفضاء، ونظرية الوصمة، يسمح بفهم أعمق لكيفية اشتغال القذارة كفئة سياسية رمزية، تنظم العلاقات بين الناس، وتعيد إنتاج اللاعدالة في صيغها المادية والمعنوية. ولذلك، فإن سوسيولوجيا الزبل ليست دراسة في الوساخة، بل هي قراءة في البنى العميقة للتمايز الاجتماعي، وفي قدرة المجتمعات على تحويل نفاياتها إلى آليات لإخفاء ظلمها البنيوي وإعادة تدوير اللاعدالة في هيئة أشياء لا يجب الحديث عنها”.
وشددت الوثيقة نفسها على أن “مصطلح الزبل في الثقافة اليومية المغربية لا يُستخدم فقط للدلالة على النفايات المادية، بل يتسلل إلى الخطاب العام كأداة تحقير اجتماعي وجندري. فحين يُقال: «نتا بحال الزبل» أو «هاد المرأة ديال الزبل»، لا تشير العبارة إلى مستوى نظافة مادي، بل تُوظف لترسيخ تصنيف رمزي دوني. هذا التصنيف ليس محايدًا جندريًا، بل يميل إلى تأنيث القذارة وجعلها لصيقة بالمرأة أو بالأنوثة التي لا تستجيب للمعايير المثالية التي يضعها المجتمع حول النظافة والحياء والاحتشام”.
سنين عديدة و الدولة أهملت تدريس الأخلاق و النظافة و التسامح الديني في المدارس العمومية و في التلفزيون و الراديو.
و مؤشر لقياس مدى نجاح الدولة و الأسرة في اداء وتجب الربية و التوعية و لو في الشق المتعلق بترسيخ قيمة المجال المشترك و اهمية تحقق رهان الحفاظ عليه و على نظافته