منذ شهرين لم يتوقف سقوط المطر إلا فترات قصيرة، وهو أمر غير معتاد، على الأقل منذ نهاية السبعينيات، لذلك فالأجيال التي ولدت بعد 1981 لا تمتلك مشاهد للمطر تقارن عن طريقها الماضي بالحاضر. كأنها لا تمتلك ذاكرة مائية.
نحن أجيال الخمسينيات والستينيات كنا نمل من كثرة الأمطار، حتى أني أذكر عطلة 15 يوما من سنة 1964 لم نتمتع ولا بيوم واحد منها، بسبب الطوفان الذي ملأ عطلتنا آنذاك. الإحساس بالملل والقنوط من كثرة الأمطار لم يقتصر على الصغار بل إن الكبار أيضا كانوا يمارسون طقوس مناقضة للاستسقاء، فيخرجون طالبين من الله تعالى أن يحد من الماء النازل فوق الحاجة والاحتمال.
كنا تلامذة قسم التحضيري في موسم 64/65 وكان عندنا كتاب مقرر عنوانه “إقرأ” للأستاذ أحمد بوكماخ رحمه الله، وكان نص “يا إخوتي جاء المطر” يشدنا أكثر من النصوص الأخرى، لأنه يحكي معاناة جيلنا مع المطر، الذي كنا نكرهه، غير مهتمين بالفلاحة ولا السدود ولا الجفاف، هذا الجفاف الذي لم نكن نسمع به. كنا نسمع بسنوات المجاعة وأهوالها، لكننا لم نكن نربطها بالجفاف.
لم يتغير الأمر كثيرا بعد حلول السبعينيات، قل المطر عن السابق وانعدمت كوارث الفيضانات، لكن الجفاف لم تظهر أنيابه بعد، حتى سنة 80/81. هذه السنة التي لم تسقط فيها ولو قطرة واحدة من منتصف شتنبر إلى يونيو (على الأقل تحت خط وجدة مكناس الرباط) وكان من شدة وطأته أن أصاب اقتصاد البلاد بأزمة شديدة عمقت جروح الدين الخارجي وجعلت الحكومة تتوقف عن التوظيف الواسع (من 80000 وظيفة عمومية إلى 8000) بل امتنعت حتى عن التوظيف من أجل الخدمة المدنية.
بعد هذا الزمن الكئيب قلت سنوات المطر وتباعدت، حتى أننا نستطيع عدها ما بين 1981 إلى اليوم. وترسخت عادات القنوط من قلة المطر واجتفاف المياه الجوفية والنقص الكبير في مخزون السدود (مثل سد المسيرة الخضراء) وحل في الخواطر خوف ساكن من شح الأمطار، وتكاثرت صلوات الاستسقاء حتى أن الناس كانوا يقومون بها دون أمل ولا رجاء في عمق نفوسهم. وتبدلت الطباع حتى قست من الخوف على المستقبل، وتوسع الفقر دون المجاعة.
حاولت جاهدا أن أجد شهرين مطيرين مثل هذين اللذين مرا بنا مؤخرا فلم أجد الذاكرة تسعفني إلا بسنوات ما بين 1963 و1969 ومن هنا حيِيَ الأمل بعودة دورة المياه القديمة، أي كثرة الأمطار في السنة الواحدة وتردد السنوات المطيرة. وقد سمعت ما يشبه توقعات عالمية بكون الأرض ستعرف انقلابات هائلة في الطقس، تزيح عن كاهلنا رعب الإجهاد المائي الذي سكن أفئدتنا عشرات السنين.
أختم بحادثة طريفة وقعت لي في أحد أيام شهر يناير من سنة 1987 بمدينة تيسة. إذ لم تعرف أواخر سنة 1986 سوى أمطار قليلة، جلها عواصف رعدية في شتنبر، ثم توقف الغيث. وفجأة سقطت الأمطار بغزارة، وكان عليّ قطع مسافة طويلة بين السكن والثانوية، فاضطررت إلى حمل مظلتي، ثم مضيت. لكن في منتصف الطريق توقفت الأمطار، فطويتُ المظلة. وبعد خطوات لقيتُ شابا ينظر إليّ وإلى مظلتي بحقد شديد، ثم قال دون سلام ولا كلام ” وخليوها غير تطيح بعدا”.
سيدي لم تعمل بنصيحة المرحوم بوكماح بحيث فال في شعره “ياخوتي جاء المطر ,هيا اجلسوا تحت الشجر ” وانت بذل ان تجلس تحت الشجر استعملت المظلة وانقطع المطر وازعجت الرجل المحب للمنتظر والذي كان مشتاقا للمطر مما جعله يزجر وينتقد استعمالك للمظلة .على كل كانت ايام الجد النشاط وايام البركة والقناعة بحيث كان المغربي عيشه بسيط ولكن كان يحمد الله ويعيش في سعادة جميلة لا تراها اليوم في الاسر التي تكنز الاموال وتكنز الذهب وتسوق اغلى السيارات ومع ذلك اسرنا تعيش في الجحيم واطفال الشوارع المتخلى عنهم في كثرة يوما بعد يوم والطلاق وصل الى الارقام القياسية ومع الاسف ونحن اليوم نبكي على تلك الايام البسيطة التقليدية خلال ما نراه في هذه الايام المعقدة رغم ان الخيرات متوفرة وترمى البقايا في الازبال حتىاصبح ازبالنا ترهقنا وننتقد المسؤولين على التقصير في جمعها والاهتمام بها وقديما كنا نهتم بازبالنا وكانت ازبالنا لا تزعجنا لانها كانت قليلة ونظيفة
“Nature provides a free lunch, but only if we control our appetites”
“الطبيعة تقدم لنا وجبات مجانية (من خيراتها)، ولكن فقط إذا استطعنا التحكم في أطماعنا.”
(تعليقاً على استنزاف المياه الجوفية)
W Ruckelshaus
(1932-2019)
“The sound of the rain needs no translation”
“صوت المطر لا يحتاج إلى ترجمة”
Alan Watts
(1915-1973)
“In the Arabic language, rain is called ‘Ghayth’ because it rescues (yugheeth) people from destruction”
“في اللغة العربية، المطر ‘غيث’ لأنه يغيث الناس من الهلاك.”
“الماء هو ذاكرة الأرض التي لا تخون”،
وأجدني يا أستاذ علي منجذباً لبوحك الذي ربطت فيه بين زخات المطر وتجاعيد الزمن، فاسترجاعك لموسم 1981 يذكرنا بأن الطبيعة هي المعلم الأول للصبر والتدبير. إن تفاؤلك بعودة الدورة المائية القديمة يمنحنا أملاً في أن الذاكرة المائية للأجيال الجديدة قد تُبنى أخيراً على الوفرة لا على القحط، مما يغير سيكولوجية الخوف إلى طمأنينة الاستقرار. وفي يقيني أن “الأمل غيث القلوب قبل أن يكون غيث الحقول”، فشكراً لأنك أحييت فينا بريق التفاؤل بمستقبل أكثر اخضراراً.
ALHOCEIMA