بمناسبة افتتاح الموسم التكويني 2025/2026، وبدعوة من الفرع الإقليمي للمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة الرباط سلا القنيطرة بسيدي قاسم، ألقى محمد الخمسي، أستاذ باحث متخصص في الرياضيات والذكاء الاصطناعي، محاضرة علمية افتتاحية بالقاعة الكبرى للعروض بدار الشباب سيدي قاسم، موضوعها: “أفق مهن التعليم ومتغيرات الذكاء الاصطناعي”، استفاد منها “أساتذة الغد” الطلبة المتدربون بحضور الأساتذة المكونين وبعض الضيوف.
المحاضرة قدم لها عز الدين النملي، أستاذ مكون بالمركز منسق سلك الرياضيات والذكاء الاصطناعي، من خلال ورقة تأطيرية موجزة تعرف بالمحاضر وبالموضوع. بعد ذلك تناول الكلمة المحجوب ادريوش، مدير الفرع الإقليمي لمهن التربية والتكوين بسيدي قاسم، مشيرا في البداية إلى أن تنظيم درس افتتاحي بداية كل موسم تكويني سنة حميدة سنها فريق التكوين بالمركز وإدارته تشجيعا للطلبة ودعما للبحث العلمي، وكذا للتعرف على فاعلين في المجال التربوي وما يرتبط به، “ناهيك عن كون النشاط يتماشى مع ما نص عليه المقرر الوزاري 24/066 بتاريخ 22 نونبر 2024، وتنزيلا لرزنامة التكوين للموسم 2026/2025 الخاصة بتأهيل أطر التدريس بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، لا سيما الشق المتعلق بالتكوين التكميلي والأنشطة المندمجة”.
وأكد ادريوش على أهمية المحاضرة لطبيعة الموضوع وكذا المحاضر؛ “فالأستاذ الخمسي أستاذ التعليم العالي تخصص رياضيات، ومتعاط دائم مع الذكاء الاصطناعي، وأحد الوجوه المعروفة ليس على الصعيد الوطني فقط بل دوليا، مما يجعل منه أولا قدوة للطلبة المعنيين، وثانيا مصدرا للمعلومات حول الموضوع، كمعلومات علمية أكاديمية وليس معلومات ‘كوكوت مينوت'”.

وعدد مدير الفرع الإقليمي لمهن التربية والتكوين بسيدي قاسم في كلمته أسباب اختيار الموضوع، قائلا إنه يجمع بين الجانب الأكاديمي والنظري، وبين ما يحبل به الميدان بل الواقع برمته بخصوص التعاطي مع الذكاء الاصطناعي، لافتا نظر الحضور، في ختام كلمته، إلى أن “السؤال الذي يجب أن يطرح ليس هو: كيف نتعامل مع الذكاء الاصطناعي والجوانب المرتبطة بالمجالات الأخلاقية والقانونية؟ ولكن السؤال الأهم: كيف يمكننا مسايرة ما يقع من تطور في هذا المجال ارتباطا بمنظومة التربية والتكوين؟ خصوصا وأن الذكاء الاصطناعي أصبح ينافس الإنسان في أكبر قوتين يمتلكهما ساعدتاه على ‘السيطرة’ على الكون وعلى بسط نفوذه وتفوقه وفق رؤيته الخاصة، هما اللغة والكتابة، اللتان أصبحتا ملكا أيضا للذكاء الاصطناعي”.
في بداية محاضرته التي دامت قرابة ساعتين، قال محمد الخمسي إن الذكاء الاصطناعي لا يُعد مجرد تقنيات رقمية، بل هو منظومة متكاملة تتكون من خمس طبقات أساسية، تبدأ بشبكة عالمية عالية الاستهلاك للطاقة تتطلب بنى تحتية متطورة، كما تقوم هذه المنظومة على الترابط والانسجام بين العلوم التقنية والعلوم الإنسانية، مبرزا أن الذكاء الاصطناعي يعتمد على استقطاب الكفاءات المتميزة في مختلف المجالات للاستفادة من مهاراتها وخبراتها، كما يسعى باستمرار إلى التطور والارتقاء نحو الأفضل، بما في ذلك دوره في تجديد أساليب التعليم والرفع من جودتها.
وبعد شرح مسهب معزز بأمثلة من واقع المنظومة حول دور الذكاء الاصطناعي في التجديد وتحسين الجودة، انتقل الأستاذ الخمسي إلى الحديث عن بعض المستجدات الأساسية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، “أولها أنه أصبح ينازع إرادة صانعه، حيث لم يعد التحكم فيه مطلقًا، بل بات يؤثر في مشاعر الأفراد وتوجهاتهم”. أما المستجد الثاني، “فيتعلق بالأثر العميق للخوارزميات، التي أصبحت قادرة على تشكيل المواقف، وخلق مشاعر الحب أو الكره، وتعزيز العداء والتحيز والعنصرية، مما يؤدي إلى نوع من برمجة العقول الجماعية وإيهام الأفراد بحرية الاختيار”. ويتمثل المستجد الثالث “في اقتران عالم الخيال والمخيال بعالم اللذة والمتعة، مما غيّر أنماط التفاعل الإنساني وزاد من الارتباط بالعوالم الرقمية”.

وأكد الخمسي ضرورة تفكيك النموذج التقليدي للتعليم وبناء أنساق تعليمية جديدة، نظرًا لقصر عمر المعرفة والتكنولوجيا في العصر الحالي، مشيرا إلى حدوث تحوّل عميق في معنى الشواهد والشهادات، حيث لم تعد القيمة للشهادة في حد ذاتها، بل للكفاءة والقدرة على التوظيف العملي للمعرفة، “إضافة إلى ذلك أصبحنا أمام مهارات وخبرات مركبة ومترابطة، تتطلب من الفرد امتلاك مجموعة من المهارات المتداخلة، مع الجمع بين عدة علوم. ويُعد الأستاذ نموذجًا دالًا على ذلك في ظل انفتاح الذكاء الاصطناعي على هذا النوع من الكفاءات”، يقول الخمسي.
وأوضح المحاضر القصور الذي مازلنا نعانيه في بناء خمس مهارات أساسية داخل المنظومات التعليمية، مجملا إياها في: كيفية بناء القرار، كيفية اتخاذ القرار، طرق التواصل، التفكير النقدي، وتحقيق الجودة باستعمال الذكاء الاصطناعي؛ فالمؤسسات الناجحة، بحسبه، هي التي تعلّم كيفية بناء القرار واتخاذه بشكل واعٍ ومدروس، مع مهارات تواصل تختلف باختلاف المجال والفضاء وطبيعة الحاضرين، إضافة إلى ضرورة ترسيخ التفكير النقدي كأداة أساسية للتحليل والتقييم.
وفي ختام محاضرته، نوه الخمسي إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصرا محوريا في تشكيل مستقبل التعليم والمعرفة والمجتمع، بما يحمله من فرص كبيرة وتحديات حقيقية، مع التأكيد على ضرورة توظيفه توظيفا واعيا ومسؤولا، والتركيز على بناء المهارات الإنسانية والنقدية، لضمان استفادة فعّالة ومتوازنة من هذه التكنولوجيا الحديثة، مشددا على أن “حسن استعمال الذكاء الاصطناعي يساهم في تحقيق الجودة في الدروس وتحسين الأداء التعليمي، غير أن من بين آثاره السلبية المحتملة بروز ظاهرة العزلة، مما يستوجب التعامل معه بتوازن ومسؤولية”.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.