شهد المغرب في مطلع سنة 2026 فيضانات غير مسبوقة، دفعت عشرات الآلاف من الأسر إلى النزوح القسري من مناطقهم، لتظهر فئة جديدة من “مهاجري المناخ” الذين يواجهون تحديات إنسانية واجتماعية واقتصادية معقدة. هذه الظاهرة تكشف هشاشة البنية التحتية أمام الكوارث الطبيعية وتضع ملف العدالة المناخية في صدارة النقاش الوطني.
فخلفية الكارثة ترجع للفيضانات التي وقعت في يناير وفبراير من هذه السنة، بعد سبع سنوات من الجفاف الحاد، حيث تهاطلت أمطار قياسية، في فترة زمنية قصيرة، ملأت السدود لكنها أغرقت مدنًا وقرى بأكملها. وكانت المناطق الأكثر تضررًا في الشمال والشمال الغربي، حيث أجلت ورحلت السلطات ما يزيد عن 154,309 شخصاً من مناطق مختلفة، (خاصة مدن: العرائش، القنيطرة، سيدي قاسم، وسيدي سليمان)، كإجراء استباقي لحماية الأرواح من فيضانات استثنائية، وسط جهود ميدانية مكثفة للسلطات المحلية وتدخلات الجيش والمجتمع المدني لتوفير الإيواء والدعم.
هذه التحولات المناخية المفاجئة وضعت المغرب أمام واقع جديد يتسم بالتقلبات الحادة بين الجفاف والفيضانات. وفي ظل هذه الظروف ظهر نوع جديد من مهاجري الداخل، يطلق عليهم في أدبيات الهجرة مهاجري المناخ وهم:
سكان فقدوا منازلهم وأراضيهم الزراعية بسبب الفيضانات واضطروا إلى الانتقال نحو مناطق أكثر أمانًا.
يشملون فلاحين صغارًا، أسر حضرية في أحياء هشة، وسكان قرى جبلية انهارت طرقها وجسورها.
يواجهون فقدان مصادر العيش، خاصة الزراعة التي تضررت بشكل واسع، إضافة إلى تحديات في التعليم والصحة والسكن.
لقد بدأت تلوح في الأفق مجموعة من التداعيات الإنسانية والاجتماعية والسياسية نلخصها فيما يلي:
أزمة السكن: آلاف الأسر تعيش في مراكز إيواء مؤقتة أو لدى الأقارب.
البطالة والفقر: تضرر الأراضي الزراعية والمهن الصغيرة والحرة سيؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة في المناطق المتضررة.
الهجرة الداخلية: نزوح جماعي نحو المدن الكبرى مثل طنجة والدار البيضاء والرباط بحثًا عن فرص عمل، مما سيضغط على البنية التحتية والخدمات.
مخاطر الهشاشة الاجتماعية: تفكك الروابط المجتمعية التقليدية، وارتفاع احتمالات الهجرة غير النظامية نحو الخارج.
الفيضانات أعادت طرح سؤال العدالة المناخية: من يتحمل كلفة التغيرات المناخية التي يدفع ثمنها المواطن البسيط؟
الخبراء يؤكدون أن المغرب بحاجة إلى سياسة استباقية شاملة لإدارة المخاطر المناخية، بدل الاكتفاء بالتدخل بعد الكارثة.
يتطلب الأمر تعزيز البنية التحتية المقاومة للكوارث، وتطوير أنظمة إنذار مبكر، وإدماج ملف المناخ في السياسات الاجتماعية والاقتصادية.
إعادة الإعمار: توفير برامج إسكان عاجلة للأسر المتضررة.
دعم الفلاحين: تعويضات وإعادة تأهيل الأراضي الزراعية لضمان الأمن الغذائي.
التخطيط الحضري: منع البناء في مجاري الأودية والمناطق الهشة.
التعاون الدولي: الاستفادة من التمويلات العالمية لمواجهة آثار التغير المناخي.
فمهاجرو المناخ اليوم وبعد فيضانات 2026 ليسوا مجرد ضحايا لكارثة طبيعية، بل هم مؤشر على تحولات عميقة في علاقة الإنسان بالبيئة. إنهم يضعون أمام الدولة والمجتمع سؤالًا ملحًا: كيف نبني سياسات عادلة ومستدامة تحمي المواطنين من تقلبات المناخ وتضمن لهم الحق في العيش الكريم؟
أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة الحسن الأول – سطات
بخصوص التخطيط الحضري، فهانك مدن بنيت فعلا في مجاري الأودية، و عاجلا أو آجلا ستحل بها الكارثة.
أعطيكم مثال مدينة بيوكرى بإقليم اشتوكة آيت باها: فقسم كبير من تلك المدينة، و بمفاعيل منعش عقاري كبير، بني على أراض مهددة بالغمر بالمياه. و المدينة و رغم ذلك الخطر الذي يعلمه الجميع تزداد اتساعا و كثافة… مما يهدد برفع الكلفة المادية و البشرية .
لا بد من قرارات حازمة في هذا الشأن.