مؤلَّف جماعي يتعقّب "كتابات ضد الفساد".. "النزاهة" تُطلق "معركة الوعي"

مؤلَّف جماعي يتعقّب "كتابات ضد الفساد".. "النزاهة" تُطلق "معركة الوعي"
صور: منير امحيمدات
الجمعة 13 فبراير 2026 - 23:00

في لحظة فكرية امتزج فيها عمق الثقافة برمزية المبادرة نظمت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، مساء الجمعة، اللقاء الثقافي المخصص لتقديم مؤلفها الجماعي الجديد “شروخ المعنى: كتابات ضد الفساد”؛ فيما رسَم محمد بنعليلو، رئيس هذه الهيئة الدستورية للحكامة، “معالم مقاربة جديدة تتجاوز الأطر التقليدية في محاربة الفساد، لتجعل من طرائق الفكر والأدب رافعتيْن أساسيتين في هذه المعركة الوطنية”.

“ما لا تقوله التقارير والإحصائيات”

أوضح بنعليلو أن اختيار فضاء المعهد الوطني العالي للموسيقى والفن الكوريغرافي بالرباط لاحتضان اللقاء يحمل “رمزية تؤكد أن معركة النزاهة هي معركة وعي وذوق وحسّ إنساني”، وانطلق في بسطه مضامين الكتاب من قناعاتِ “تجاوز النمطية” و”الإصغاء للعقل الجمعي”، مع ضمان تعدد الزوايا، نظراً ومعالَجة.

وقال المتحدث خلال اللقاء نفسه: “لم يكن الهدف إضافة تقرير جديد إلى الأرفف، أو استنساخ لغة المؤشرات الجافة والأدبيات المعيارية، بل الإصغاء إلى العقل الجمعي، حيث ثمّة قضايا لا تختزلها الأرقام، بل تحتاج إلى ملامسة ما لا يُرى ولا يُقاس مما يوجّه السلوك ويؤثر في القيم”.

وشدد رئيس “هيئة النزاهة” على “السعي نحو صياغة نظرة مُركّبة ومتحرّرة تجاه ظاهرة الفساد، بوصفها واحدة من أعقد الظواهر التي تخترق نسيج المجتمع”: من الاقتصاد إلى السياسة وعديد مناحي الحياة.

فتح نوافذ الفكر وإشراك النخبة

وشدد رئيس الهيئة، ضمن كلمته المطولة، على أن هذا العمل الجماعي هو محاولة جادة لـ “فتح نوافذ الفكر على واقع الفساد”؛ ومن هنا جاء إشراك نخبة من الكاتبات والكتاب المغاربة في هذه المهمة النبيلة، بحسبه، مردفا: “لقد سعيْنا إلى إشراك نخبة من الكاتبات والكتاب المغاربة لتفكيك هذه الظاهرة من مواقعهم المختلفة، وبأدواتهم التأملية والبلاغية والنقدية، التي تجمع بين التجربة الحياتية والرؤية الثقافية، وبين الكتابة الحرة والانخراط المواطن”.

وعن “أدوات التفكيك والمقاومة الرمزية” يرى بنعليلو أن المساهمات في هذا الكتاب تجاوزت كونها ترفاً فكرياً إلى “ضرورة معرفية وأخلاقية”.

ووفق ما أبرزه “دركي النزاهة” بالمملكة تميزت هذه المساهمات بـ”المقاومة بالكلمة”: استخدام التحليل والاستعارة والفكرة لنزع الغطاء عن الفساد وتفكيك “الحياد الزائف” الذي يُشرعِنه، كما استحضر معنى عنوان المؤلَّف “إحداث الشروخ”.

فكل نص هو محاولة لخرق “لغة التطبيع” و”هندسة الصمت” ومنطق “التواطؤ غير المعلن”، بتعبير بنعليلو الذي أكد تنوع المقاربات بتشكيل “فسيفساء فكرية” تعكس تعدد زوايا النظر وتحول الكتاب إلى مساحة حوار بين الذات والمجتمع.

الفساد كـ”شرخ في المعنى”

في تقديمه لمضامين الكتاب الواقع في 123 صفحة من القطع المتوسط، بمساهمة 24 كاتبةً وكاتباً متعددي التخصصات الثقافية والأدبية،، بسَط بنعليلو رؤية الهيئة للفساد كظاهرةٍ “تتجاوز الاختلال التدبيري”، وتابع بأن المساهمات المتضمنة بين ثنايا المؤلّف الجماعي ترسّخ كون “الفساد سؤالا وجوديا: يتعلق بالعدالة والحق والمساواة والثقة، مِثلما أنه سؤال سياسي واقتصادي: يرتبط بممارسة السلطة وكيفية إنتاج الثروة وتقاسمها”، وصولاً إلى سؤال ثقافي “يبحث في معنى العيش المشترك داخل مجتمع عادل”.

وبناءً عليه يخلص رئيس الهيئة الدستورية إلى اعتبار أن النزاهة ليست مجرد قيمة معلّقة على الجدران، بل هي “شرط تأسيسي لمَعقوليّة الفعل العمومي ولعدالة المعنى داخل المجتمع”.

نحو خطاب وطني جديد

ختم رئيس الهيئة كلمته بالتأكيد على أن هذا الكتاب يعد “لبنة أساسية في صرح بناء خطاب وطني جديد حول النزاهة”، وأجمَل: “كتابٌ لا يكتفي بالحديث عن الفساد، بل هو كتاب يقرأُه الفساد نفسه ليدرك أن المجتمع لم يعد صامتاً”.

المعركة ضد الفساد، كما لخّصها بنعليلو، لا تُخاض بين ردهات المحاكم والنصوص القانونية وحدها، بل في “مجال الوعي العميق”، حيث تُعيد الثقافة ترتيب الأشياء في وجدان الناس، مشددا على وضع هذا المؤلف “رهن إشارة العموم والجمهور لتحفيز الفعل المشترك وتغذية الذاكرة الجماعية والنقاش العمومي ضد هذه الظاهرة”.

وبحسب ما طالعته جريدة هسبريس فإن مضامين هذا العمل الجماعي أثْراها نخبة من أبرز الكتاب والمفكرين والمبدعين المغاربة الذين قدّموا مقاربات نقدية وإبداعية وتأملية متنوعة لتفكيك ظاهرة الفساد، إذ شملت قائمة المساهمين كلاً من: عبد القادر الشاوي، وموليم العروسي، ومحمد نورالدين أفاية، وفريد الزاهي، وسعيد بنيس، إضافة إلى محمد أقضاض، وعبد الكريم جويطي، وأحمد الكبيري، والدكتورة ثريا ماجدولين، وعبد الجليل الوزاني التهامي؛ كما ساهم في صياغة رؤاهُ كل من العربي بنجلون، ويحيى بن الوليد، ومحمد مشبال، والحبيب الدائم ربي، وعبد السلام المساوي، وأحمد العمراوي، ومحمد أمنصور، والبشير الدامون. واكتملت هذه الفسيفساء الفكرية بمشاركات حبيب مزيني، وعبد العزيز كوكاس، وعبد الجواد الخنيفي، فضلا عن محمد المرابط، وموحا صواك وغيثة الخياط، ضمن ثلاثِ مساهمات باللغات الأجنبية.

ويشكل الكتاب وثيقة فكرية إستراتيجية تهدف إلى تعزيز النقاش المجتمعي الرصين حول ظاهرة الفساد ومسبباتها وآثارها المعطِّلة للتقدم. كما تجسد هذه المبادرة، التي تعد فاتحةَ مشاريع مستقبلية مماثلة، “انفتاحَ الهيئة على النخبة والمثقفين والفاعلين في الحقل الثقافي المغربي، سعياً منها إلى تحويل مكافحة الفساد إلى مشروع مجتمعي متكامل يزاوج بين الإجراءات القانونية وبين بناء مجتمع منيع أخلاقياً ومتشبع بقيم النزاهة”، حسب ما أبرزه اللقاء التقديمي وتابعته هسبريس.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • كمال امارير
    السبت 14 فبراير 2026 - 01:52

    نزاهة المجتمع هي كل شيء، فهي التي تفرز النخب السياسية وتشكل موظفي مؤسسات الدولة. إن ضعف القيم والمبادئ في المجتمع يؤدي بالضرورة إلى انتشار الفساد، سواء في الإدارات أو المؤسسات أو على مستوى صانع القرار.
    ولذلك، فإن معالجة الفساد تبدأ من ترسيخ الأخلاق والمبادئ في المجتمع، عبر التربية، التعليم، وتعزيز ثقافة الشفافية والمساءلة. المؤسسات والقوانين وحدها لا تكفي، إنما المجتمع الذي يحترم القيم هو الضمان الحقيقي لنزاهة الدولة واستقرارها.
    كما قالوا في حكمة شعرية ملهمة:
    الأممُ بالأخلاقِ تبقى وعلوها
    إذا ضاعت أخلاقها، ضاعوا وذلوا
    هذا يوضح أن أصل الفساد يكمن في المجتمع نفسه، وأن كل إصلاح حقيقي يحتاج إلى وقت ومتابعة مستمرة، فالأمم إذا ضاعت أخلاقها ضاعت معها كل مؤسساتها، وذهبت قوتها واستقرارها.

  • كمال امارير
    السبت 14 فبراير 2026 - 02:19

    في المغرب، يظهر الفساد في الإدارات العمومية والقطاع السياسي والاقتصادي، ويستفيد منه مسؤولون ونخبة سياسية ورجال أعمال، لكنه يمتلك شبكة واسعة من النفوذ غير المباشر تصل تأثيرها إلى نحو 1.5 مليون مواطن عبر مساعدات مزيفة أو تشغيل جزئي، كما يمكنه إشعال الفتن والتحريض على مظاهرات، ما يصعّب محاسبته ويجعل أي مواجهة مباشرة محفوفة بالمخاطر، شبيهة بـ”حرب استنزاف”.
    تواجه الدولة الفساد عبر آليات متدرجة: محاربة الرشوة والفساد البسيط مباشرة، وهو أمر قابل للتطبيق سريعًا، بينما الفساد المعقد والعميق يحتاج إلى دراسة وتمعن قبل اتخاذ أي خطوات، لأن عواقبه خطيرة على الاستقرار. ومن أساليب التغلب عليه التي تراها الدولة: تقليص قوة الفاسدين والسيطرة على شبكتهم أولاً، ثم محاسبتهم تدريجيًا، وفق المقولة الشهيرة: “إذا لم تكن لك القوة لتتغلب على عدوك، فاعمل على إضعافه”. ويقدر الزمن اللازم للتغلب على الفساد المعقد بين 5 إلى 10 سنوات، مع متابعة مستمرة وضمان الاستقرار الاجتماعي أثناء الإصلاح.
    ،”إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ”

  • المواطن م
    السبت 14 فبراير 2026 - 09:41

    ويشكل الكتاب وثيقة فكرية إستراتيجية تهدف إلى تعزيز النقاش المجتمعي الرصين حول ظاهرة الفساد ومسبباتها وآثارها المعطِّلة للتقدم جميل و مستحسن لكن سحب قانون الإثراء الغير المشروع و منع هيئات المجتمع المدني من إمكانية رفع دعاوى ضد الفاسدين لهو أكبر هدية تقدم للفساد و المفسدين

  • كمال امارير
    السبت 14 فبراير 2026 - 11:38

    الجزء الاول
    تتداول بعض التقديرات غير الرسمية فكرة أن عدد “المفسدين الكبار” في المغرب قد لا يتجاوز 500 شخص، من سياسيين ورجال أعمال ومنتخبين ومسؤولين سامين. ورغم صعوبة إثبات رقم دقيق، فإن الفساد الكبير غالبًا ما يرتبط بدوائر ضيقة العدد واسعة التأثير، تمتلك شبكات مصالح تمتد داخل الإدارة والاقتصاد والمجتمع.
    خطورة هذه الدوائر لا تكمن فقط في حجم الأموال المتداولة، بل في قدرتها على بناء شبكات حماية غير مباشرة، قد يستفيد منها مئات الآلاف أو حتى ملايين المواطنين عبر فرص شغل، مساعدات، أو علاقات زبونية. هكذا يتحول بعض المستفيدين إلى “أذرع” اجتماعية تدافع عن الوضع القائم، سواء بدافع المصلحة أو الخوف من فقدان الامتيازات. هذا التعقيد يجعل أي مواجهة شاملة ومفاجئة محفوفة بتداعيات سياسية واجتماعية حساسة.
    وتشير تقديرات متداولة إلى أن كلفة الفساد قد تصل إلى نحو 5 مليارات دولار سنويًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بصفقات كبرى في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والبنية التحتية. النتيجة المباشرة هي خدمات عمومية أضعف، تأخر في المشاريع، تفاقم البطالة، واتساع الفوارق الاجتماعية، إضافة إلى تآكل الثقة في المؤسسات.

  • كمال امارير
    السبت 14 فبراير 2026 - 11:40

    الجزء الثاني

    في تجارب دولية مثل تجربة سنغافورة، تم التركيز على بناء منظومة صارمة للمحاسبة والشفافية، مع إصلاح إداري عميق وتحديث قواعد التوظيف والترقية على أساس النزاهة والكفاءة معًا. الفكرة الجوهرية لم تكن خوض “حرب مفتوحة”، بل إعادة هيكلة المنظومة، إغلاق ثغرات الماضي، وفرض قواعد واضحة للمستقبل.
    أي مسار إصلاحي فعال يحتاج إلى جرد دقيق للاختلالات، خطة زمنية واقعية، وآليات تنفيذ قابلة للتطبيق، مع ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. كما يتطلب إعادة الاعتبار لقيم خدمة المواطن والوطن، وجعل النزاهة شرطًا أساسيًا إلى جانب الكفاءة في تولي المسؤوليات.
    في النهاية، يبقى السؤال الجوهري: هل الإصلاح يبدأ بالمواجهة الشاملة، أم ببناء منظومة جديدة تجعل الفساد مكلفًا وغير ممكن؟ الجواب قد يكمن في الجمع بين المحاسبة الصارمة والإصلاح المؤسسي العميق، بما يفتح صفحة جديدة عنوانها الثقة والتنمية.

صوت وصورة
طاكسيات تزيد في التسعيرة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 15:22 1

طاكسيات تزيد في التسعيرة

صوت وصورة
أسعار الخضر تواصل الارتفاع
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 12:15 11

أسعار الخضر تواصل الارتفاع

صوت وصورة
الاستشارة الفلاحية تواكب الزيتون
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 10:42

الاستشارة الفلاحية تواكب الزيتون

صوت وصورة
وزير الفلاحة والتنمية القروية
الإثنين 2 نونبر 2026 - 22:49

وزير الفلاحة والتنمية القروية

صوت وصورة
المحروقات تثقل كاهل السائقين
الإثنين 2 نونبر 2026 - 22:28 3

المحروقات تثقل كاهل السائقين

صوت وصورة
ميطا 3 | غضب جماهيري وإقالات
الإثنين 2 نونبر 2026 - 21:16

ميطا 3 | غضب جماهيري وإقالات