بلقزيز: "الاستعلاء الأوروبي" لوثة عنصرية مستمرة أثرت في الاستشراق

بلقزيز: "الاستعلاء الأوروبي" لوثة عنصرية مستمرة أثرت في الاستشراق
الأربعاء 25 فبراير 2026 - 02:00

قال المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز إن “المركزية الأوروبية للكون” بدأت تنتشر وتتضخم عند الأوروبيين منذ القرن السابع عشر، وتمظهرت في خطاب عنصري فج تنمّى ابتداء من خطابات مفكرين من بينهم مونتيسكيو ونظرته إلى الإسلام، وكتابات فولتير عن النبي؛ وهو ما تضخّم مع إيمانويل كانط وخطابه العنصري الفج المنطلق من مركزية الرجل الأبيض ودونية الآخرين، وصولا إلى هيغل… وهي أفكار استعلائية وتمييزية “استبطنتها السياسات الأوروبية وأعادت إنتاجها، مما نشأت عنه نزعة الاستعلاء الأوروبي على باقي الشعوب”.

جاء هذا في لقاء أداره الإعلامي ياسين عدنان مع المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز، في “بودكاست في الاستشراق” على “منصة مجتمع”، حيث بيّن أن هذا الاستعلاء هو ما دفع “المستشرق إلى اعتبار أن هو من له حق كتابة تاريخ كل الحضارات”، ثم استدرك قائلا: “لكن، هناك أبعاد علمية في الاستشراق، علينا ألا نذهل عنها”.

وقابل بلقزيز بين مرحلتين مختلفتين، بين النظرة الأوروبية إلى الإسلام في القرن التاسع عشر، وبين نظرة السينويين (المتأثرون بابن سينا) والرشديين (المتأثرون بابن رشد) اللاتين (اللاتينيين) إلى العربي والمسلم بعد القرن الرابع عشر. وقد كانت “نظرة تلميذ إلى أستاذ، مكنهم من مواجهة الكنيسة، وحل إشكالات العلاقة بين العقل والفلسفة والعقل والدين، ولا يمكن فهم اسبينوزا مثلا دون ابن رشد (…) وهي نظرة مختلفة إلى المستشرق الذي صار يعتبر نفسه المعلم الذي يروي، وله حق كتابة التاريخ الثقافي للمسلمين والعرب”.

وفسر بلقزيز هذا بأن “فترة التلمذة الأوروبية للعرب والمسلمين كانت فيها الأصول اليونانية لم تترجم بعد، فكانوا يعودون إلى الشروح العربية واعتبروا أنهم تحرروا منها بعد الترجمة، ثم حمل الاستشراق الأوروبي في نشأته لوثة المركزية في الكون، والفكر الغربي والأوروبي لا يزال يحملها إلى اليوم”.

وحول فترة ما قبل الاستشراق، ذكر بلقزيز أن “الإبستيم الديني هو نظام من التمثلات والمعرفة، كان سائدا في ما قبل العصر الحديث، ومبناه على حاكمية النظر الديني في الأشياء (…) ومن كانوا يتناولون الإسلام بالنظر كانوا يقومون بذلك من منطلق معيارية المسيحية، وبها يحكم على بطلان معتقد أو صحته، وهكذا حُكم على الإسلام. ولم يكن بعدها ثقافيا أو لفهم قيمه، والمعرفة اللاهوتية بالإسلام في هذه المرحلة كانت محكومة بهذا الابستيمي”.

ونبّه المفكر المغربي إلى 1120 عاما “تُتجاهل قبل الاستشراق، وهي تاريخ المعرفة المسيحية القديمة والوسطى والإسلام”، التي هي مهمة “لنعرف ما بينها وما بين الاستشراق من تشابهات وتمايزات”؛ بينما “المستشرقون الأُوَل كانوا عمليا علمانيين، خارج المؤسسة الدينية، وكل الأديان تستوي في نظرهم”.

وزاد ضيف منصة “مجتمع”: “الاستشراق لم ينبثق من لا شيء؛ لكن الممهدات له ليست المعرفة اللاهوتية، بل أعمال كبرى لمستشرقين درسوا العربية، مثل توماس أربينيوس وإدوارد بوكوك. وهنا لم يكن المجال مجال مساجلة مع الإسلام، وهو نتاج مطبخ معرفي جديد يزاحم الكنيسة في آرائها، ومحاضنه غير محاضن تكوين الكهان، وهو ما مكن من انبثاق ابستيمي جديد.

ونبه بلقزيز إلى أنه “ليس ميالا إلى وجود قطائع في المعرفة”. ولذلك، يقول إن “الاستشراق يجمع لحظتين؛ فهناك لا شعور معرفي يستمر في الثقافات، ولا تتحرر منه بسهولة… دون إدراك أنه من حقبة اندرست وانصرمت”.

وتابع: “في مجتمع المستشرقين عدد لا حصر له من اللاهوتيين ويعسر عليهم التحرر من المعرفة الدينية الموروثة، وهناك استشراق معرفي واستشراق إيديولوجي ممأسس، والتيار الإيديولوجي لا يتورع استخدام كل الوسائل للإساءة إلى موضوعه، بما في ذلك إعادة إنتاج ما كتب عنه سابقا، كما أن هناك من حمل قضية الاستعمار للحط من ما تعتقده المجتمعات التي يريد استعمارها”.

وميز عبد الإله بلقزيز في فترة ما قبل الاستشراق بين صورتين عن الإسلام في الكتابات المسيحية المشرقية، هي صورة دين يشيطن كما فعل يوحنا الدمشقي، ودين ينظر إليه توحيديا مع اختلافات ومشتركات، مثل ثيودور أبي قرة وعبد المسيح الكندي.

وواصل: “البيزنطيون لما تجاوزوا مرحلة الصدمة في المعارك مع المسلمين، واستتبت الهدنة والحدود، بدأت بيزنطة اكتشاف إسلام آخر عبر الرعيل الأول من المسيحيين المشرقيين، والعلاقات التجارية كذلك، فصار المسلمون حلفاء (…) وفي الحقبة اللاتينية في آخرها بين القرن الرابع عشر والقرن السادس عشر، ستنتقل هذه الرؤية إلى المسيحية اللاتينية، خاصة وقد نشأت في قلب أوروبا في القرن الثالث عشر مدارس سينوية ورشدية، ونظرت إلى العرب بوصفهم أمة فلسفية (…) وانتبهت إلى الإسلام الثقافي”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • الإستغباء الخوروبي
    الأربعاء 25 فبراير 2026 - 02:07

    بنادم مابان لو فبلادو غلا ولا نهب للميزانيات ولا رشوة وبانت لو أوروبا العلم والحضارة لي تيستعمل إختراعاتها فحياتو كاملة

  • ريفي في البرازيل
    الأربعاء 25 فبراير 2026 - 03:05

    وقد نشأت في قلب أوروبا في القرن الثالث عشر مدارس سينوية ورشدية، ونظرت إلى العرب بوصفهم أمة فلسفية !!!!!
    واخلط وجلط !!!
    و هل يعلم هذا المفكر أن إبن سينا و إبن رشد ليسا عربيان؟؟؟؟!!!!
    رجاءا عند الخوض في مثل هذه الأمور يجب التخلص من عقلية و نفسية البدو.
    عند الحديث عن المسلمين لماذا تضاف اليهم العرب دون الفرس و الترك و الامازيغ الذين صنعوا التاريخ و الحضارة الإسلامية ، و العرب لم يكن لهم نصيب في ذلك بشهادة إبن خلدون.

  • كمال امارير
    الأربعاء 25 فبراير 2026 - 03:17

    الجزء الاول

    يُعدّ الإسلام منهجًا متكاملاً ينظم حياة الناس على أساس التعاون والسلام، ويضع قواعد تنظم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبغيره. وقد أكد القرآن الكريم مبدأ حرية المعتقد بشكل صريح في قوله تعالى في القرآن الكريم: «لا إكراه في الدين»، وكذلك في قوله: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر». وهما نصّان يقرّان بوضوح أن الإيمان اختيار قائم على الاقتناع لا على الإكراه.

    ومن المنظور الديني الصحيح، فإن الإسلام لا يدعو إلى فرض العقيدة بالقوة، بل إلى الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة، وإلى عرض منهجه القائم على العقل والمنطق والقيم الروحية والتشريعية التي تنظم شؤون الحياة. كما أن التعاليم الإسلامية تشترك مع غيرها من الديانات في مبادئ أساسية مثل الرحمة، والعدل، والمغفرة، والمحبة، والعمل الصالح، ونبذ الظلم والاعتداء.

    وعلميًا، تؤكد دراسات علم الاجتماع وعلم النفس أن القيم المشتركة بين البشر – كالعدل والتعاون والإحسان – هي أساس استقرار المجتمعات وازدهارها، وأن التعصب وخطاب الكراهية غالبًا ما يرتبطان بصراعات المصالح السياسية أو الاقتصادية، لا بجوهر الأديان نفسها.

    تتمة

  • كمال امارير
    الأربعاء 25 فبراير 2026 - 03:18

    الجزء الثاني

    فإذا كان الخير والعدل قيمة يتفق عليها معظم البشر، فإن السؤال المطروح: لماذا تنشأ الحروب ويستفحل العداء باسم الدين أو الهوية؟ الواقع أن جذور كثير من النزاعات تعود إلى المصالح الضيقة، أو استغلال الدين لتحقيق مكاسب دنيوية، لا إلى تعاليمه الأصيلة.
    إن التحدي اليوم لا يكمن في إثبات من هو الأفضل، بل في البحث عن المشترك الإنساني الذي يخدم صالح البشرية جمعاء. فالتواضع وتقديم المصلحة العامة على الأنانية، ونبذ الكِبر والتعالي، هي مفاتيح الحدّ من الاحتقان والكراهية.
    ويبقى الطريق الأمثل هو تعزيز ثقافة التعايش، والحوار، والتعاون بين مختلف الأديان والأعراق، والتمسك بالقيم التي تجمع ولا تفرّق، لأن سلام العالم لا يُبنى بالصراع، بل بإعلاء قيم الرحمة والعدل والاحترام المتبادل.

  • sameer
    الأربعاء 25 فبراير 2026 - 04:47

    ما قيل في المقال صحيح لان هذه الشخصية العربية المغربية عايش الأوروبيين في السياسة وفي الجامعات

  • محمد
    الأربعاء 25 فبراير 2026 - 05:37

    المشكل الذي لم يطرحه الكاتب وتغافل عنه هو قيمة ابن سينا وابن رشد في العالم الاسلامي، فإذا كان الغرب قد نقل عنهما وأحدهما يعرف بAvicenne والآخر Averroès فقد حوربا في عالمنا واتهما بالزندقة والكفر، إذن لا يمكن الحديث عن أمة فلسفية إذا كان كل الفلاسفة المسلمين قد تعرضوا للتهميش والاتهامات.

  • شخص عادي من طنجة
    الأربعاء 25 فبراير 2026 - 05:52

    مقال جميل يستحق القراءة، فالتفوق أمر طبيعي في كل حضارة، خاصة عند بلوغها ذروتها. على سبيل المثال، كيف كانت مصر القديمة تنظر بازدراء إلى الأمم الأخرى باعتبارها أدنى منها لقلة معرفتها وقوتها، خاصة في الغرب، حيث كانوا يعتقدون أن غروب الشمس يرمز إلى الموت، أو كيف كان لدى الإغريق نظام سياسي متقدم عن غيرهم. كان من الطبيعي أن ينظر الأوروبيون في القرن السابع عشر بازدراء إلى الشرق بسبب افتقارهم إلى التكنولوجيا والعلوم المتقدمة. أيًا كانت الحضارة، فإنها تمر بفترات صعود وهبوط.

  • العنصرية
    الأربعاء 25 فبراير 2026 - 06:23

    مقال في المستوى الرفيع. إضافة إلى ذلك: ليس فقط الأوربيين من لهم فكرة الإستعلاء على الآخرين و خاصة على العرب. بل كثير من العجم مثل الفرس و الهند و وو… كثير من الأجناس يحتقرون العرب…حتى فالمغرب. كاين لي كيقول عريبان و كاين لي كيقول إذا عربت خربت و كاين لي مقتنع أن العرب جنس متخلف و متوحش مع الأسف حتى ولاو العرب بروسهم مقتانعين….فما السبب؟

  • Freethinker
    الأربعاء 25 فبراير 2026 - 09:09

    ليس استعلاء. هذا واقع. الحضارة والإنجازات الأوروبية هي التي أخرجت البشرية إلى عصر الأنوار والتقدم العلمي والتكنولوجي وغيره.

    لماذا جنوب أفريقيا هي أكثر دولة متقدمة في أفريقيا؟؟ ؟ الجواب واضح

  • السالمي
    الأربعاء 25 فبراير 2026 - 12:08

    هناك من الإخوة الكرام من يعلق على المقال ويناقشه بنوع من التشنج. لكن المقال هو مجرد تغطية لهذا البودكاست. الأفضل أن يدخل الإخوان الى اليوتيوب ويشاهدوا حلقة الدكتور بلقزيز لكي يستمعوا لها كاملة وفيها أكثر من ساعة وبعدها مرحبا بالنقاش. لكي يكون نقاشا على أرضية فكرية جادة وقوية.

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 3

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك