العنف الجامعي نتيجة غياب المراجعة الفكرية الجماعية

العنف الجامعي نتيجة غياب المراجعة الفكرية الجماعية
الإثنين 12 ماي 2014 - 10:58

تعالى خطاب المراجعة الفكرية منذ مطلع العشرية الأخيرة من القرن الحالي، وتعود الدعوات إليه بشكل لافت إلى وقع التفجيرات التي فتكت بالمركز التجاري العالمي ومقر البنتاكون الامريكي. وقد ظلت الدعوات توجه إلى تيارات بعينها، تطالبها الهيئات الحقوقية والإعلامية… بإحداث مراجعات، تتخلى بموجبها عن عقيدة العنف المقيت والإكراه البغيض والترهيب.

إلا انه فاتنا أن رصانة المراجعات الفكرية ينبغي أن تتصف بمسالتين: تتمثل الأولى في خيار الديمومة والاستمرارية في تنقيح الفكر. أما الثانية فتتمثل في كون المراجعة الفكرية ينبغي أن تتصف بالشمولية؛ أي أن تكون كل التيارات معنية به طواعيا.

فإذا توقف التجديد الفكري، قد نجمد على مواقف واختيارات سلمية، معرضة للتقادم والتجاوز، لتصبح مع مرور الوقت أساسا لإنتاج خطاب التعنيف. فما يمكن أن يكون مصدر سلم اليوم يمكن ـ مع الزمن ـ أن يغدو مصدر الإرهاب والتقتيل. لذا لا مراجعة فكرية حقيقة ما لم تتصف بالاستمرارية….

أما الشمولية فتفرض إلا يستثنى تيار ـ مهما صغر شأنه ـ من الانخراط في المراجعة. فلعل تمسك تيار ما بالعنف أو العودة إلى تبنيه والتأصيل الفكري أو الفقهي أو الفلسفي له… إنما بسبب استبطان فكر الغير للعنف، ولأجل الدفاع عن النفس والمنافحة عن المشروع السياسي والاقتصادي والفكري… يبرر تبني فكر العنف على أساس أنه قاسم مشترك مع باقي الفرقاء، وما دام الغير يستعمله فإنه أداة شرعية مقبولة.

فمتى ستتصف المراجعة الفكرية بهذين الشرطين، سنجتث العنف من جذوره. وما دمنا نطالب الجهة الممارسة للعنف بالتخلي عنه وملاحقة عناصرها، ومتابعة من سقط في أيدينا… بشكل قانوني أو بشكل متحيز أو انتقائي أو إقصائي… فان ذلك سيدفع الجناة إلى إعطاء “أدبيات تفكير” العنف شكل الاستمرارية، التي تتطلب بدورها الشمولية في تنشئة الموارد البشرية على منهج العنف.

ويبدو من خلال التحركات التي تلت حادث اغتيال القيادي في منظمة التجديد الطلابي داخل أسوار جامعة فاس أن المبادرات اتسمت بالمحدودية من جهة وبالحزبية الضيقة من جهة ثانية. فحتى في أقسى لحظات التعنيف، والتي يمكن استثمارها للتعبير عن غنى تصوراتنا وتزاحم مشاريعنا واستعدادنا للانخراط في مواجهة أفيون العنف… لم نتفاعل معها، ولم نبد إلا ردود فعل سرعان ما ستبرد.

لذا فإن شجاعة تجاوز العنف بالجامعة تستلزم من المجتمع الجامعي التواضع، فيحرق كل تيار من تياراته سفن العنف، ويعلن جماهيريا اللجوء إلى الأدوات السلمية ومسلكيات العقلانية في الصراع السياسي. والتعامل الجماعي في إطار “مذكرة جماعية” على مواجهة كل من يخل بقواعد التنافس المدني.

لهذا الغرض يبدو من المفيد فتح نقاش جاد يشارك فيه الجميع بمختلف الفئات والهيئات والتوجهات… كما يمكن أن يتمخض عن ذلك جبهات وشبكات تمثل فيها كل فئات وجهات المجتمع، ترعى عملية ترسيخ أخلاقيات الحوار والتعايش المدني والتنافس السلمي.. داخل المجتمع ككل ليلقي جزء منه بظلاله على الجامعة.

معناه أن مواجهة العنف ينبغي أن تظل ضمن جدول أعمال مختلف النشطاء السياسيين والثقافيين والمفكرين والفنانين والأدباء والدعاة والعلماء والجامعيين… أي أن يكون الهم مشترك من جهة، ومستمر من جهة. ولا شك أن الشمولية ستقتضي استحضار القاسم المشترك بين مختلف المرجعيات الدينية والقانونية.

فتجربة مواجهة العنف بالجامعة ابتداء بالحظر العملي على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، واستعمال الفصائل الطلابية وسيلة قمع بعضها ببعض، وإنزال الاواكس، وانخراط وزارة التعليم العالي في إصدار المذكرتين الثلاثية والثنائية لم تتمكن من إحلال السلم والاستقرار بالجامعة. وربما في ظل غياب المراجعة الفكرية الجماعية، تتوصل إلى “مذكرة جماعية”، تضمن شرطي الاستمرارية وشمولية المراجعة، سيظل اجتثاث العنف الجامعي ضمن المؤجل.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • rabie
    الإثنين 12 ماي 2014 - 18:51

    JEPENSE QUE L'UNIVERSITE EST FAITE POUR DONNER LE SAVOIR ET ACQUERIR DES NOUVELLES EXPERIENCES AFIN DE MIEUX SERVIR LA SOCIETE.
    JE PENSE QUE CE N'EST PAS UN ENDROIT DE POLITIQUE OU DE LUTTE ET C4EST LA RAISON POUR LAQUELLE LE MAROC RESTE AU POINT MORT AU NIVEAU DE SES UNIVERSITE

  • ملاحظ
    الثلاثاء 13 ماي 2014 - 19:42

    الحياة الجامعية تجمع بين المعرفة والتكوين والاعداد للحياة العملية .والى جانب وظائفها الرسمية المعروفة فهي المجال الذي يجد فيه البعض مناسبة للتدرب على الممارسة السياسية واكتساب بعض ادواتها مثل المعرفة وفن الاقناع والمناورة والمكر.وفي بعض الاحيان تكون من بين المصادر التي يتخرج منها الممارسون للشان السياسي.ومن بين الاسباب التي تولد العنف داخل اسوارها الاحتكاك المباشر بين التيارات الاديولوجية والسياسية المتصارعة والتي غالبا ما تكون امتدادا للصراعات الاجتماعية والسياسية.هذا الاحتكاك المباشر قد يصل في بعض الاحيان وفي غياب وسيط او حكم يمثل القانون والشعور بهذا الغياب نتيجة الاعتقاد الخاطئ بانعزال الوسط الجامعي عن اي رقابة يؤدي هذا الاحتكاك الى تحول العنف الرمزي الى عنف جسدي فتقع الضحايا.ولذلك لابد من حضور هاجس الخوف من السلطة داخل الجامعة من دون ان يؤدي ذلك الى القضاء على دورها في التوعية والتاطير السياسي .والاخطر في غياب قوانين مؤطرة للنشاط السياسي في الجامعة ان العنف بفعل الانتقام قد يصير جماعيا فتكون نتائجه كارثية.فلا بد من الاحالة دون تصاعد الانفعالات وابقاء الصراع عند حدود التدافع الفكري

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12 3

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39 1

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34 2

مراسيم تسليم السلط