مقدمة:
تُعدُّ الانتخابات في المغرب، كما في العديد من المجتمعات التي تشهد تحولات سياسية عميقة، أكثر من مجرد عملية تقنية لفرز الأصوات. إنها طقوس سياسية معقدة، تتداخل فيها الرموز التاريخية مع الطموحات الحديثة، وتلتقي فيها ولاءات الماضي مع مطالب الحاضر. في هذا السياق، تبرز الدراسة المنسوبة إلى عالم السياسة الفرنسي “ريمي لوفو”، والمعنونة بـ “الفلاح المغربي المدافع عن العرش”، كمدخل نظري مثير لفهم جذور العلاقة بين السلطة والمجتمع، ودور الانتخابات في صياغة هذه العلاقة.
إن القراءة التي يُشار إليها في هذا السياق حول المغرب تقدم أطروحة جريئة: مفادها أن الانتخابات في مغرب الستينيات والسبعينيات لم تكن أداة لتداول السلطة بقدر ما كانت “طقس تجديد للبيعة”، وأن الفلاح المغربي كان حجر الزاوية في هذه المعادلة كـ “مدافع عن العرش”.
في هذا المقال، سنحاول تفكيك هذه الأطروحة، ومقارنتها بما أضافه ريمي لوفو في النسخة الثانية بعد عشرين عاماً، ثم نضع هذا التحليل التاريخي أمام مرآة الواقع الانتخابي المغربي المعاصر، لنرى: هل لا يزال الفلاح مدافعاً؟ وهل تحول الصندوق من أداة للشرعية إلى أداة للمحاسبة؟
أولاً: ريمي لوفو وقراءة “الانتخابات كطقس” (المرحلة الأولى)
في قراءته الأولى للنظام السياسي المغربي، ينطلق ريمي لوفو (وفقاً للأطروحة المطروحة في الكتاب) من فكرة جوهرية: الشرعية التاريخية مقابل الشرعية الانتخابية.
في تلك الفترة، لم تكن الانتخابات تعبيراً عن “صراع برامج” بالمعنى الغربي الليبرالي، بل كانت آلية لدمج المجتمع في الدولة. هنا يبرز دور “الفلاح المغربي”. لماذا الفلاح؟ لأن البنية الاجتماعية كانت قروية بامتياز، ولأن العلاقة بين “أمير المؤمنين” والرعية كانت علاقة روحية واجتماعية مباشرة، تتجاوز وساطة الأحزاب.
تحليل الطبيعة الانتخابية آنذاك:
الانتخابات كتزكية: كان التصويت يُفهم على أنه شكل من أشكال “التزكية” للقيادة الوطنية، وليس اختياراً بين بدائل متنافسة على إدارة الشأن العام.
دور الإدارة: كانت الإدارة المحلية (القائد، الباشا) تلعب دور الوسيط الأساسي، مما جعل الانتخابات عملية “تعبئة” أكثر منها “تصويت حر”.
الفلاح كحليف استراتيجي: وصف الفلاح بـ “المدافع عن العرش” يعكس فهم ريمي لوفو للاستقرار المغربي، فالريف كان المخزن الاجتماعي للشرعية الملكية، في مقابل مدن كانت تشهد صراعات أيديولوجية (يسار، استقلال، إلخ).
بهذا المعنى، كانت الانتخابات تؤدي وظيفة “الاندماج الوطني” و”تأكيد الشرعية”، وليس وظيفة “المساءلة الحكومية”.
ثانياً: بعد عشرين عاماً.. ملاحظات على التحول (المرحلة الثانية)
عندما عاد ريمي لوفو بعد عقدين، كان المغرب قد شهد تغييرات كبرى. ففي النسخة الثانية، تشير الملاحظات إلى تآكل النموذج التقليدي:
صعود الحضر: لم يعد الفلاح هو المهيمن ديموغرافياً وسياسياً. المدينة أصبحت بؤرة المطالب الاجتماعية.
تعقد المشهد الحزبي: الأحزاب لم تعد مجرد واجهات، بل بدأت تكتسب قواعد اجتماعية مستقلة عن “الإدارة”.
تغير وظيفة الانتخابات: بدأت الانتخابات تتجه ببطء نحو منطق “الاختيار”، رغم بقاء منطق “الشرعية العليا” للعرش كسقف لا يُطال.
هنا، يلامس ريمي لوفو (تحليلياً) إشكالية “الشرعية المزدوجة”: شرعية تاريخية دينية للملك، وشرعية صناديق للأحزاب. والسؤال الذي يطرحه التحول: كيف تتعايش هاتان الشرعيتان دون تصادم؟
ثالثاً: الواقع المعاصر.. بين دستور 2011 وأزمة الثقة
إذا نقلنا عدسة ريمي لوفو إلى المغرب اليوم، نجد أنفسنا أمام مشهد مختلف جذرياً، وإن كانت بعض الجذور باقية.
1- من “الفلاح المدافع” إلى “الشاب المقاطع”:
لم يعد الفلاح هو الحامل الوحيد للشرعية. اليوم، نرى ظواهر مثل “مقاطعة الانتخابات” أو العزوف السياسي، خاصة في صفوف الشباب الحضري. هذا يشير إلى أن “الثقة الانتخابية” لم تعد مضمونة تلقائياً للأحزاب الحاكمة. الشباب لا يصوتون بناءً على ولاء تاريخي، بل بناءً على “أداء” و”نتائج”. هنا نفقد عنصر “الدعم التلقائي” عبر الصندوق، ونستبدله بـ “المحاسبة عبر العزوف”.
2- تجربة الإسلاميين، صعود وسقوط النموذج:
شهدنا وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة. هذه التجربة اختبرت فرضية ريمي لوفو حول “تداول السلطة”. لقد أثبتت أن الانتخابات يمكن أن تؤدي إلى تغيير في رأس الحكومة، لكنها أكدت أيضاً أن “الثوابت” (العرش، الجيش، الأمن) تظل خارج دائرة التنافس الانتخابي. سقوط الإسلاميين انتخابياً مؤخراً يعيدنا لنقاش ريمي لوفو: هل كان تصويت المغاربة لهم “اختياراً برنامجياً” أم “غضباً ظرفياً”؟ يبدو أن الناخب المغربي براغماتي جداً، يتخلى عن حلفائه بسرعة إذا لم يلمس تغييراً في حياته اليومية.
3- الانتخابات كأداة للاستقرار لا للتغيير الجذري:
لا يزال التحليل الحديث يتقاطع مع ريمي لوفو في نقطة واحدة: الانتخابات في المغرب تظل “صمام أمان”. هي فضاء للتعبير عن الغضب بشكل سلمي، ووسيلة لتجديد النخب دون زلزال النظام. لكن الفارق أن “الإدارة” لم تعد تتحكم في النتائج كما في الستينيات، بل أصبحت المنافسة حقيقية وقاسية بين الأحزاب، والناخب أصبح أكثر تقلباً.
رابعاً: مناقشة وتحليل.. أين نحن من نظرية ريمي لوفو؟
عند مقارنة دراسة “الفلاح المغربي” بالكتابات الحديثة (مثل أعمال عبد الله ساعف، محمد طوزي، أو تقارير المندوبية السامية للتخطيط)، نخرج بالاستنتاجات التالية:
تحول مفهوم الشرعية:
يرى ريمي لوفو أن الديمقراطية الحديثة تتطلب “شرعية الممارسة”. المغرب انتقل من “شرعية الانتماء” (أنا مغربي مخلص) إلى “شرعية النتائج” (ماذا قدمتم لي؟). هنا فشل الأحزاب في تقديم نتائج يفسر ارتفاع الامتناع عن التصويت.
استمرارية “المخزن” بمفهوم جديد:
لم يعد “المخزن” هو القائد العسكري في القرية، بل أصبح شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والإدارية. الانتخابات لا تزال تتأثر بـ “مال الانتخابات” و”النفوذ المحلي”، وهو ما يتقاطع مع فكرة ريمي لوفو القديمة حول هيمنة البنى التقليدية، لكن بأدوات عصرية.
الفجوة بين المؤسسة والتمثيل:
ينتقد ريمي لوفو في أعماله العامة التي تفقد الاتصال بالشعب. في المغرب، هناك فجوة واضحة بين البرلمان والحكومة وبين انتظارات الشارع. الانتخابات تُجرى، لكن “السياسة” لا تصل إلى حياة الناس بشكل ملموس، مما يفرغ الصندوق من جزء من محتواه الرمزي.
خاتمة: هل لا يزال الفلاح مدافعاً؟
إن العودة إلى أطروحة “الفلاح المغربي المدافع عن العرش” اليوم تكشف لنا أن العقد الاجتماعي قد تغير. لم يعد الدفاع عن العرش يتم عبر التصويت في القرى النائية، بل أصبح مرتبطاً بقدرة النظام السياسي ككل (ملكية وأحزاب ومؤسسات) على ضمان الكرامة، الشغل، والعدالة الاجتماعية للمواطن بغض النظر عن انتمائه الجغرافي، وهذا ما أكد عليه جلالة الملك في الخطابات الأخيرة.
ريمي لوفو، بفهمه العميق للديمقراطية كـ “تاريخ للشرعية”، كان ليقول اليوم إن المغرب نجح في الحفاظ على استقراره (الشرعية التاريخية)، لكنه لا يزال يواجه تحدياً في بناء “شرعية الممارسة” الكاملة عبر الصناديق.
الانتخابات في المغرب لم تعد طقوساً لتجديد البيعة فحسب، بل أصبحت ساحة صراع حقيقية، لكنها ساحة لا تزال محكومة بسقف زجاجي. التحدي المستقبلي ليس في حماية العرش (فهو محمي تاريخياً ودستورياً)، بل في حماية “الصندوق” من الإحباط، وجعل الناخب يشعر أن صوته هو فعلاً “سند للقرار” وليس مجرد “رقم في الإحصاء”.
في النهاية، قد يتحول “الفلاح المدافع” إلى “مواطن شريك”، ولكن هذا التحول يتطلب أكثر من مجرد انتخابات دورية، يتطلب ثقة مُعادة البناء بين الدولة والمجتمع، وهي المعادلة الأصعب في تاريخ المغرب الحديث.
صراحة سيدي محمد أصبحت لا أهتم بالديموقراطية التي تعتمد على الانتخابات من اجل اختيار القادة السياسيين الذين يحكمون الدول لا في الدول الغربية المتقدمة ولا في الدول المتخلفة التي أصبحت الانتخابات تحمل سلبيات مضاعفة مقارنة مع الغرب مكتشف الديموقراطية الحالية لان في الاخير المواطن يتعامل مع الادارات والموظفين الرسميين ورجال الامن اما المنتخبون عادة ما يجتمعون ويتناقشون على التوافه لان المشاريع الضخمة المهمة تكون في يد الدولة .اما في وطننا الحبيب فاضافة الى وظيفتهم الضيقة يفتقدون الى مصداقية حقيقية مرتبطة بحقيقة تزكيتهم ,يعني هل كان اختيارهم بطريقة نزيهة لم تدخلها شوائب ؟واعتقد ان لم اقل كل المغاربة اقول جل المغاربة يعتقدون ان المنتخبون يتحايلون باشكال متنوعة سلبية للوصول الى كرسي الحكم وبالتالي فاذا كانت نقطة البداية مشكوك فيها فنقطة الوصول لا قيمة لها ولا تهم المواطن