المقبرة الأوروبية بالجديدة

المقبرة الأوروبية بالجديدة
السبت 11 أبريل 2026 - 01:57

جسر الذاكرة المشتركة بين ضفتي المتوسط

ليست المقبرة الأوروبية بالجديدة مجرد فضاء جنائزي، بل هي متحف مفتوح يختزل العصر الذهبي للمدينة ومنطقة دكالة. فبين أسوارها، ترقد شخصيات بصمتْ تاريخ المدينة، من أطباء واجهوا الأوبئة، إلى مهندسين ومقاولين أرسوا دعائم التحديث العمراني والصناعي. والمقبرة ليست مجرد مكان للدفن، بل هي مختبر لتفكيك تاريخ مازغان الاقتصادي والاجتماعي. فالاكتشافات التوثيقية التي أنجزْتها عن مجموعة من الأسماء من شأنها أن تُحول شواهد الرخام إلى قصص حية تحكي عن مواطنة محلية تجاوزت الجنسيات والأديان، مؤكدة أن المقبرة الأوروبية هي في الواقع متحف للذاكرة المشتركة يحفظ بين أسواره ملامح التعايش التي ميزت تاريخ الجديدة.

إن التعرف على بعض الأسماء هو استنطاق للشواهد الرخامية لفهم كيف تشكّل النسيج الاقتصادي والاجتماعي للجديدة الحديثة.. وقد حاولتْ بعض الدراسات التي نشرتُها في السنوات الأخيرة تحويل هذا الفضاء إلى أرشيف بيوغرافي يوثق التاريخ الجماعي. فإعادة اكتشاف قبور كقبر البحار النرويجي أو عائلة دولانوي والدكتور بْلان، تفتح آفاقاً لـدبلوماسية ثقافية تربط المغرب بدول الشمال، وتُرسخ هوية الجديدة كأرض للاستقبال تتماهى فيها مآسي الغرباء بتضحيات المقيمين، لتشكل في النهاية ذاكرة مشتركة محفورة في الرخام.

وتعكس شواهد القبور داخل الفضاء تنوعاً هوياتياً فريداً يجمع بين أصول فرنسية، وإيطالية، وإسبانية، وبرتغالية، وحتى نرويجية كحالة البحار النرويجي المجهول. هذا التعدد يبرز الدور الاستراتيجي للمدينة كمركز جذب عالمي وقبلة للقناصل والتجار الذين لم يكونوا مجرد عابرين، بل استقروا وأسسوا عائلات دبلوماسية وتجارية اختارتْ أن يكون مثواها الأخير في تراب دكالة، مما يجسد قيم التسامح التي ميزت المجتمع الجديدي.

وقد وثقتْ “دفاتر الجديدة” كيف تحولتْ هذه القبور من حجارة صامتة إلى سير ذاتية حية. فقد كشفتْ بعض الدفاتر قصصا إنسانية عميقة، مثل قصة رائد زراعة خروب البيرو، المهندس السويسري جان سيريزول، وقصة عائلة دولانوي التي ارتبطت وجدانياً بمدينة الجديدة؛ فالدكتورة أوجيني دولانوي، التي غادرت إلى أمريكا، أصرتْ في وصيتها على العودة لتدفن في المقبرة الأوروبية عام 1951، تعبيراً عن حبها لسكّان مازغان الذين خدمتهم كطبيبة لسنوات. كما يظل طيف ابنها الدكتور غي دولانوي حاضراً في هذا الأرشيف المفتوح.

وفي إطار نبشي عن الذاكرة المازغانية، أعدتُ الاعتبار لقبر الدكتور بْلان الذي حاول مدّ جسور الثقة مع الساكنة المحلية. وإلى جانب هذا الإرث الإنساني، يبرز قبر البحار النرويجي كشاهد تراجيدي على حقبة مريرة من الحرب العالمية الثانية تقاطعتْ فيها لحظة قدره الفردي بالتاريخ العالمي للمدينة.

بناءً على هذه المعطيات، تبرز المقبرة الأوروبية بالجديدة كمرآة عاكسة لثلاث علامات فارقة في تاريخ مازغان :

أولاً: رصد بُناة التحديث، حيث تضم المقبرة رفات المهندسين الذين خططوا الشوارع الكبرى والأطباء والمقاولين الذين أرسوا دعائم بعض الصناعات في دكالة، مما يجعل فهم مساراتهم مفتاحاً لفهم النسيج العمراني والاقتصادي الحالي، بغض النظر عن مواقفهم الإيديولوجية،

ثانياً: التنوع الكوسموبوليتي، الذي تجسده أسماء فرنسية وإيطالية وإسبانية وبرتغالية، مؤكداً على دور المدينة كمركز جذب مؤثر وقوي،

ثالثاً: تاريخ المواطنة المحلية، إذ لم يكن هؤلاء مجرد عابرين، بل انخرطوا في نسيج المدينة الثقافي والرياضي، تاركين بصمة إنسانية تتجاوز الحدود السياسية.

وتضم المقبرة أيضا رفات قناصل طبعوا التاريخ السياسي والتجاري للمدينة، مثل دي ماريا وأنسادو وريدمان، هؤلاء الدبلوماسيون لم يكونوا مجرد موظفين، بل كانوا قناصل تجاراً وعمداء لعائلات استقرت في الجديدة لأجيال، وساهموا في ربط ميناء دكالة بالأسواق الأوروبية. وجود قبورهم اليوم شاهد على الثقل الدبلوماسي الذي كانت تتمتع به الجديدة كبوابة للمغرب نحو الخارج، ومؤشر على الاندماج العميق لهذه العائلات في النسيج الاجتماعي المحلي.

كما يُمثل قبر المسرحي أندريه أدِيغار دي غوتري وجهاً ثقافياً نادراً في المقبرة؛ فهو الرجل الذي عشق الجديدة وكرس جزءاً من حياته لإغناء مشهدها الفني. إن اختيار عائلة أدِيغار أن يُدفن والدها في تراب مازغان بدلاً من فرنسا يعكس تلك المواطنة الوجدانية التي ميزتْ مثقفي تلك المرحلة. حيث تحول قبره من مجرد شاهد صامت إلى رمز للحقبة التي كانت فيها الجديدة حاضنة للمسرح والآداب، وملتقىً للمبدعين الذين وجدوا في سحر دكالة إلهاماً لم ينقطع حتى بعد رحيلهم.

بهذه الأسماء وغيرها، تتحول الزيارة للمقبرة إلى رحلة بين السياسة (القناصل)، والطب (دولانوي وبلان)، والفن (أدِيغار)، مما يؤكد أطروحة أن هذا الفضاء بمثابة الديوان الرخامي لتاريخ الجديدة الحديث. ولربما آن الأوان لتحويل هذه المعطيات التاريخية إلى مسار سياحي ثقافي داخل المقبرة الأوروبية، لجعل الجديدة وجهة للسياحة التراثية.

-كاتب وناشر “دفاتر الجديدة”

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 20:00

أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة

صوت وصورة
الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 19:49

الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة

صوت وصورة
رسالة يحيى يحيى لملك إسبانيا
الأحد 20 شتنبر 2026 - 15:05 7

رسالة يحيى يحيى لملك إسبانيا

صوت وصورة
خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 14:23 2

خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة

صوت وصورة
جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:25 6

جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان

صوت وصورة
عكاشة وحماية القدرة الشرائية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:22 1

عكاشة وحماية القدرة الشرائية