مفارقة باباوية في المشهد الجزائري تعتدي على المقدس لخدمة السياسي

مفارقة باباوية في المشهد الجزائري تعتدي على المقدس لخدمة السياسي
صورة: رئاسة الجمهورية الجزائرية
الجمعة 17 أبريل 2026 - 04:00

يروي إنجيل متى مشهدا مليئا بالعبر، حين دخل يسوع المسيح إلى هيكل أورشليم، فوجد الباعة والصيارفة قد اتخذوا من المكان، الذي يفترض أن يكون بيتا للصلاة، فضاء لتبادل المنافع والمتاجرة، فطردهم وقلب موائدهم، وقال عبارته الشهيرة: «مكتوب: بيتي بيت الصلاة يُدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص».

يذكرنا هذا المشهد بما جرى خلال زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر مؤخرا، وهي زيارة جاءت في إطار رسولي واضح، حاملة خطابا يقوم على السلام والحوار والتعايش، ومشحونة أيضا بدلالة خاصة تتمثل في استحضار إرث أوغسطينوس في عنابة، هيبون القديمة، ذلك الذي شكّل أحد أعمدة الفكر المسيحي، وجعل من البحث عن الحقيقة وتمييزها عن المظهر أساسا في فهم العالم.

في هذا السياق بالذات، برزت تلك اللقطة التي تسللت إلى قلب الاستقبال الرسمي، حين أُقحم ممثل البوليساريو ضمن صف المستقبلين، في موقع لا يستقيم مع طبيعة المناسبة ولا مع روحها، لا بوصفه طرفا معترفا به، ولا باعتباره واقعا قائما، بل كشيء دُفع إلى الواجهة دفعا، وكأن اليد التي أخرجته إلى المشهد كانت تراهن على أن مجرد ظهوره في هذا المقام كفيل بأن يمنحه ما لا يملكه، وأن القرب من لحظة ذات حمولة روحية يمكن أن يلبسه وهمُها ثوب الحقيقة.

وهنا تتكشف مفارقتان لا تخطئهما العين: مفارقة أولى بين زيارة تُفترض فيها معاني السلام والتقارب، وإقحام كيان يقوم في جوهره على زرع الفتنة ودعم الانفصال، ومفارقة ثانية أكثر حدة تتعلق بصورة بلد يسعى إلى تقديم نفسه قادرا على احتضان الأحداث الكبرى واستقبال الشخصيات العالمية في أجواء من الاستقرار والأمن، بينما يتزامن ذلك مع واقع مختلف، إذ شهدت البليدة، القريبة من العاصمة، تفجيرين انتحاريين استهدفا موقعا أمنيا، وأسفرا عن إصابة عدد من الأشخاص ومقتل المنفذين، في مشهد يعيد التذكير بأن العنف ليس طارئا على هذا الواقع، بل حاضر فيه، حتى وهو مغطى بستار البروتوكول.

إن ما جرى في تلك اللحظة لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلا عابرا في ترتيب المراسم، بل باعتباره تعبيرا عن إرادة مستمرة في إدخال هذا الكيان إلى كل مشهد ذي حمولة رمزية، وكأن تكرار الظهور يمكن أن يعوض غياب الاعتراف.

وهذا الأسلوب ليس جديدا، فقد ظهرت سنة 2018 صور للبابا فرانسيس مع أطفال من مخيمات تندوف في سياق إنساني، غير أن تلك الصور جرى توظيفها خارج معناها، فكان رد الفاتيكان صريحا بأن موقفه من قضية الصحراء لم يتغير، مع رفض أي استعمال سياسي لتلك الصور.

غير أن ما حدث يوحي بأن النظام الجزائري لم يستوعب الدرس، وأن إصراره على إعادة المشهد لا يزال قائما، وهنا تبرز دلالة فكر أوغسطينوس، الذي ميّز بين “مدينة الله”، القائمة على الحق والسمو، و”المدينة الأرضية”، التي تحكمها المصالح والأهواء، حيث يمكن للمدينتين أن تتجاورا، لكن لا يمكن لإحداهما أن تتحول إلى الأخرى بمجرد الصورة أو الادعاء.

وفي ضوء هذا التمييز، يبدو المشهد بأكمله وكأنه محاولة لخلط المدينتين، لتمرير ما هو مصنوع في صورة ما هو قائم، ولإلباس ما هو هش هيئة ما هو راسخ، غير أن هذه المحاولات، مهما تكررت، تصطدم بحد لا يمكن تجاوزه.

فالنظام الجزائري الذي صنع هذه الدمية، وأعاد تقديمها في كل مشهد، بدا وكأنه يسعى إلى أن ينفخ فيها الروح لتحدث المعجزة، وكأنه يستدعي لحظة تحول تشبه تلك التي طلب فيها من المسيح أن يحوّل الحجارة خبزا، فرفض ذلك الإغراء، لأن المعجزة لا تُستدعى لتزييف الواقع، ولا تُطلب لإثبات ما ليس قائما.

فلا الحجر صار خبزا، ولا الصورة صارت واقعا، ولا الكيان المعلّق صار دولة.

المعجزة لم تحدث، ولن تحدث أبدا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

20
  • mohasimo
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 04:48

    حتى البابا لم يسلم من لسان ترامب. حيث قال له لماذا تحشر نفسك في امر الحرب ضد ايران. ورد عليه البابا انك شيطان و لا تمثل المسيحيين بل تمثل نفسك الشيطانية. هههههههه.

  • Abdou rabat
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 06:03

    تبون وما أدراك ما تبون بهذا التصرف المتهور والغبي،يكون قد دق آخر مسمار في نعش الكيان الوهمي خلال الطقوس التي ميزت الاستقبال الباباوي لممثل جمهورية العجاج وهو يرتدي تلك الدراعية الكاشفة والباهتة.
    باي باي بوليزاريو فحتى الفاتيكان ساهمت في بداية فناءكم بالتسبيق.

  • الزهوانية
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 06:27

    الوزير الجزائري السابق نوردين بوكروح قال بأن الجزاءر ليست دولة بل هي ملجأ الحمقى
    وإذا عرف السبب بطل العجب

  • ‏الانبطاح
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 06:40

    ‏ما عليكم إلا ال استنجد بي ترمب هي هي هي هي هي هي هي

  • عادل بوموجة
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 07:08

    الكراغلة جاءهم البابا فسجدوا له من كثرة العزلة التي يعيشونها لو جاءهم السيد بوريطة او لقدددج لسكت لهم القلب من كثر الفرحة

  • Med
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 07:12

    صحيح ان المعجزة لم تحدث لأن النظام القائم لازال يعيش في عالم آخر.

  • مغربي
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 07:29

    تاجروا بالقبائليين وأنزلوهم من الجبال سنة 1963 وحولوهم إلى حطب تدفئة فيما يسمى حرب الرمال
    تاجروا بدماء الشهداء وحولوها إلى أفيون يدجنون به الشعب الجزائري المغلوب على أمره
    تاجروا بدماء ربع مليون جزائري وحولوها إلى ورقة لمكافحة ما يسمونه الإرهاب مع العلم أن العسكر هو من فرخ المجموعات الإرهابية
    تاجروا بالدين وحولوا ” البابا ” إلى قنطرة يمررون عبره أطروحتهم الخبيثة حول الصحراء المغربية
    هؤلاء لا دين لهم ولاملة

  • متابعة
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 07:49

    مقال تحليلي اكثر من رائع..من يعيش على الوهم لابد ان ياتي يوم ويصطدم بالحقيقة التي طالما حاول الهروب من مواجهتها..

  • Ahm Ben
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 08:29

    عندما لم يتحقق لكبيرهم تغيير موقف السعودية من قضية الصحراء المغربية في زيارته الاخيرة.منع على اعضاء الوفد المرافق له القيام بعمرة رغم ان ولي عهد السعودية اقترح عليهم طيارة خاصة مع كل تسهيلات المناسك. هذا هو ما عليه صاحب النياشين وزمرته لا ملة ولا دين.

  • Amin
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 08:36

    الرسالة الأساسية واضحة: لا يمكن فرض الشرعية بالرمزية أو التكرار، فالحقيقة لا تُصنع بالصور بل بالواقع.
    الصحراء في مغربها و المغرب في صحرائه.
    و شعارنا الخالد: الله… الوطن… الملك

  • تجربه شخصيه
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 08:58

    يقول الله جل وعلا عن أهل الكتاب: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} (83) سورة المائدة. و أمرنا كذلك بمعاملتهم معاملة حسنة بقول: ۞ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [ العنكبوت: 46]. لي فالجارة ما محتارمين لا جوره و لا متدين و لا أصول و لا فصول. بالله عليكم. ألا يذكركم هذا بالعقلية القديمة لتابعي كارل ماركس و لينين و ستالين و ما شابههم؟ واحد المرّة كنت كنتكلم على الدين في وقت الإستراحة و واحد الروسي شعل و ولى عنيف فالمخاطبه. بقيت كنشوف فيه..من بعد مباشرة أعتذر و گال لي بلي تربى على كره الدين.

  • سام
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 09:05

    الغريب في الامر و هذا ثابت لدى الراي العام و الخاص ان حكام الجزائر قبل المسيرة المظفرة و المغرب يفاوض اسبانيا بخصوص الصحراء الى درجة لجوءه الى المحكمة الدولية كانوا يترددون على المغرب و يصرحون امام الملء ان الجزائر لا اطماع لها في الصحراء و تنها غير معنية بهذا الموضوع و ما ان نظم المغرب المسيرة الخضراء لاسترجاع الصحراء حتى طردت الجزائر مغاربة مقيمين لديها في يوم عيد الأضحى تبعتها سلسلة من الاستفزازات ضد المغرب و كان الصحراء ارض جزائرية و المغرب اقتلها منهم رغم ان استرجاع الصحراء جاءت نتيجة مفاوضات بين المغرب و المستعمر الاسباني بدأت قبل وجود الجماعة الانفصالية البوليساريو التي لم تتاسس الا سنة 1973 و لم تدخل الى الجزائر الا سنة 1975 على اثر مقايضة جزائرية تخلت بموجبها الجزائر عن احتضان الانفصالي الكناري كوبيو مقابل السماح للبوليساريو دخول الصحراء للتظاهر السلمي امام اللجنة الامنية الموفدة من الامم المتحدة لتقصي الحقائق بالصحراء

  • ابو آدم القنيطرة
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 09:23

    …فلا الحجر صار خبزا، ولا الصورة صارت واقعا، ولا الكيان المعلّق صار دولة.
    المعجزة لم تحدث، ولن تحدث أبدا. و نحن بدورنا نقول للجارة حتى ولو نزل المسيح و ارادوه ان يبارك خطوات الانفصاليين لكان الرد قاسيا على قصر المرادية و سوف يردد : انا ماجئت الا من اجل المحبة و السلام بين الامم لا لزرع الفتنة و خلق القلاقل للشعوب .. و الرسالة واضحة يا دعاة الفتنة المارقين من حكام الجارة!!

  • مراقب
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 09:38

    عمي تبون لا يهمه لا المسيحية ولا إسلام وانما النوايا الخبيثه هي المحرك الأساسي لهذه الزيارة وعلى رأسها قضية الصحراء والاستنجاد بالبابا لتلميع صورة الجزائر الداخلية والخارجية بعد كل الانتكاسات السياسية والدبلوماسية
    المشاكل الداخلية التي يعيشها المواطن لايمكن حلها ياعمي بزيارة البابا وانما بتحليل سياسي عميق وبصدق وديمقراطية
    السؤال الذي يجب عليك ان تجيب عليه هو: لماذا يعاني المواطن الجزائري على جميع المستويات ولإذا اصبحت الجزائر متدهورة ومعزولة واين ذهبت الملايير والغاز
    هذا هو الجواب الذي ينتظره الشعب الجزائري

  • مراقب
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 09:47

    وا عمي تبون الاستنجاد بالبابا لايغير شيئا بملف الصحراء المغربية ولا في الحكم الذاتي
    انه لمن الغباء ان تحشر البوليساريو الارهابيين في البروتوكول
    امريكا وخاصة ترامب علق بيكون ولهذا هاجم سيدكم البابا ولكن الجواب سيأتيكم في آخر شهر ابريل من البيت الابيض واستعدوا وهيؤوا نعشكم
    جنوب افريقيا والبديلة وسعيد والموزامبيق وزمبابوي والغاز والرشاوي لم ولن ينفعوك ياعمي تبون لان الحق والارض لايمكن تغيرهم

  • سعداوي
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 11:38

    الجزائر تفسد الحدث ، قامت بتلويث المقدس بما هو مدنس ، وهذه الحادثة لن تخفي الحقيقة عن قداسة البابا ولن تؤثر عن العلاقات المتينة بين الفاتيكان والمغرب …

  • Kakalelhoure.
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 11:58

    هذا امر سيادي محض لا يمكن لاخر الاعتراض عليه او ادانته واظن ان هذا الانتقاد ليس في محله بحيث سابقة مماثلة مع تونس اضرت بمصالح المغرب العليا ومن وقتها لم يتم تصحيح العلاقات وخسرنا دولة عربية في المنكقة عليكم ان تكونوا في المستوى المقبول فالجزائر لن تراعي مشاعركم حتى توجهون لها انتقادات بحضور ممثل البوليساريو المعتمد فهو شخص ديبلوماسي مثله مثل غيره من الديبلوماسين بالنسبة للجزائر ..

  • MAGHREBI NAFSS W WYDADI 9O7
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 12:37

    تعليق المعلق المغربي رقم 7 لخص كل شيء و بأسلوب رائع.برافو عليك خونا

  • نحله إليكترونية
    الجمعة 17 أبريل 2026 - 15:57

    من شده الضعف…..القول الناعمه والنعومه محموده عند النساء مذمومه عند الرجال صارت تشعر وتستشعر. القوه الشاملة ماضيه في إستراتيجياتها…الوقت موجود والأموال موجوده أحمد الله. ولا عزاء لكل حاسد ولا تنسوا الجزائر في عزله

  • سعاد شكيب
    السبت 18 أبريل 2026 - 09:39

    قال الله تعالى في كتابه الكريم. وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. صدق الله العظيم. ومع احترامنا الكبير لبابا الفاتيكان ولسعيه الحثيث الى نشر المودة والسلام بين الشعوب نقترح على دار الحديث الحسنية منارة العلم في شمال أفريقيا أن ترسل بعثات طلبتها الى الفاتيكان وان تقيم برنامج سنويا لتبادل التدريب بين طلبة الدين في دتر الحديث الحسنية ورهبان الفاتيكان مع منح حق إقامة شهر أو شهرين تدريب في دار الحديث للرهبان ومرحبا بهم وفي الفاتيكان لطلبة دار الحديث الحسنية ونتمنى ان بنجح برنامج التبادل والتموين بين أئمة المغرب ورهبان الفاتيكان فمرحبا بهم.

صوت وصورة
استقالات وتعيينات بمجلس النواب
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 10:51

استقالات وتعيينات بمجلس النواب

صوت وصورة
التوقيت الميسر بين الاختيار والإجبار
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 09:05 2

التوقيت الميسر بين الاختيار والإجبار

صوت وصورة
جلسة عمل | جمال العسري
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:45

جلسة عمل | جمال العسري

صوت وصورة
خريجو أوكرانيا ينتظرون الحل
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:36

خريجو أوكرانيا ينتظرون الحل

صوت وصورة
أكتوبر الوردي.. بين الإعلانات والمعاناة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 22:00 1

أكتوبر الوردي.. بين الإعلانات والمعاناة

صوت وصورة
تعقيبات على البرنامج الحكومي
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 21:30 2

تعقيبات على البرنامج الحكومي