هل تتوارى استراتيجيات الحروب الخاطفة؟.. حدود التأثيرات وطبيعة المخرجات

هل تتوارى استراتيجيات الحروب الخاطفة؟.. حدود التأثيرات وطبيعة المخرجات
صورة: أ.ف.ب
السبت 9 ماي 2026 - 02:00

تتنازع العقيدة العسكرية المعاصرة رؤيتان؛ مدرسة “الحرب القصيرة” التي تراهن على الحسم التكنولوجي الخاطف، ومدرسة “الحرب الطويلة” التي تستعد لاستنزاف ممتد، وفي ظل هذا التجاذب برزت استراتيجيات “المنطقة الرمادية” كأداة للتنافس الدولي دون بلوغ عتبة المواجهة الشاملة.

ويسعى تحليل الدكتور محمد عصام لعروسي، الذي نشرته مجلة “درع الوطن” الإماراتية، إلى فهم حدود تأثير هذه التحولات، مستعرضاً كيف تحولت الصراعات الراهنة من طموحات “النصر السريع” إلى واقع حروب الاستنزاف والضغط الهجين، وما يترتب على ذلك من إعادة تشكيل لموازين القوى الدولية ومفهوم الردع العسكري.

المقال:

من الناحية التاريخية، يمكن القول إن سياسة الحرب الخاطفة ليست أسلوباً جديداً في الحروب الحديثة؛ إذ إن استراتيجية الحرب الخاطفة “البلتزكريغ” (Blitzkrieg) في مفهومها المتكامل قدمها الجنرال الألماني “هاينز غودريان”، الذي عُرف بكونه أحد رواد نظرية الحرب المدرعة، التي تشمل أيضاً المشاة الآلية، والوحدات الهندسية، والمدفعية، والأنظمة المضادة للطائرات، وعلى رأس ذلك كله “الدبابات”.

وبالرغم من عودة الحروب المفتوحة إلى أوروبا والشرق الأوسط، ستواصل الدول استراتيجية التنافس بقوة دون الوصول إلى عتبة الحرب. وتُعدّ “الحملات المستمرة” -التي لا تصل إلى حدّ الحرب وتستخدم طيفاً واسعاً من إمكانات الدولة العسكرية وغيرها- من أبرز سمات استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2018، ومفهوم العمليات المتكامل للمملكة المتحدة لعام 2021. ويُذكر أن المفهوم الأخير جعل هدف الحملات المستمرة وظيفة عسكرية رئيسة، وأدرج في قاموس الجيش هدف تقييد الخصوم دون اللجوء إلى الحرب، وقد أصبح ما يُسمى “النشاط العدائي دون عتبة الحرب” وظيفة عسكرية أساسية للعديد من جيوش العالم.

ورغم النقاش الواسع حول “التنافس دون العتبة”، فإن هذا التصور لا يزال غير مُعرّف بدقة من الناحية النظرية والأكاديمية؛ إذ يميل العديد من المفكرين الاستراتيجيين إلى تعريفه إما باستخدام أدوات يمكن تلافيها باعتبارها أقل وضوحاً من العمل العسكري التقليدي، أو بخلطه مع “التدرج الاستراتيجي” الملاحظ في مسارح عمليات مثل بحر الصين الجنوبي، وهذا ربما من التأويلات الضبابية وغير الصائبة. فالتعريفات القائمة على الأساليب التي تستخدمها أجزاء محددة من الدولة لا يمكنها توجيه الحملات التي تُنسّق الأدوات بين مختلف أجهزة الحكومة. إن الخلط بين “التنافس دون العتبة” والخصائص المحددة للنزاعات الفردية، يُخفي نطاق الأهداف التي سعت الدول تاريخياً إلى تحقيقها بوسائل لا تصل إلى حد الحرب المفتوحة.

ولكي يتنافس صناع السياسات بفعالية في هذا المجال، فهم يحتاجون إلى فهم أعمق للمحيط الذي يعملون فيه؛ ذلك أن الضربات العسكرية دون العتبة متواجدة دائماً كخيار جنباً إلى جنب مع الخيارات العسكرية والدبلوماسية الأخرى، بدءاً من الاشتباك وصولاً إلى خوض الحرب، ويمكن أن يكون لها عدة أهداف معقولة؛ من إضعاف قدرات دولة أخرى إلى تمهيد الطريق لحرب شاملة. ولا يقتصر هذا التنافس على أدوات غامضة، بل يمكن للقوات العسكرية التقليدية أن تلعب دوراً حاسماً لتحقيق نتائج كبرى. إن الفهم الصحيح للتنافس دون العتبة، القائم على “الغايات لا الوسائل”، سيمكن الحكومات من تنسيق العمل ووضع أهداف واقعية في هذه المنطقة الرمادية.

أولاً: جدل مدرستي الحرب الطويلة والقصيرة

منذ نهاية الحرب الكورية وحتى يومنا هذا، يظل السؤال المحوري في أولويات الإنفاق الدفاعي هو النقاش المحتدم حول مدة وشدة الصراعات والنزاعات التي تشارك فيها القوات النظامية. ويمكن تلخيص هذه الآراء في نموذجين: مدرسة “الحرب القصيرة” ومدرسة “الحرب الطويلة”.

خلال الحرب الباردة، جادلت مدرسة الحرب القصيرة بأن المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ستكلل بخسائر فادحة في العتاد والأفراد في مراحلها الأولى، وإذا فشلت القوة التقليدية لأي من الجانبين، فمن المرجح استخدام الأسلحة النووية؛ وبالتالي، ينبغي أن يكون التركيز الأساسي هو ردع أي صراع مباشر. وفي تطورها بعد الحرب الباردة، تُشير هذه المدرسة إلى أن الولايات المتحدة حافظت على جيش قادر على سحق أي قوة مسلحة صغيرة، وأن الاستثمار في التكنولوجيا المتطورة يمنحها تفوقاً يجعل أي نزاع ينتهي في غضون أسابيع أو أشهر.

من جهة أخرى، ترى مدرسة الحرب الطويلة أن طبيعة النزاع المسلح غير معروفة، وهذا الغموض يدفعها إلى دراسة سيناريوهات محتملة للصراع؛ فقد تنخرط القوات المسلحة في نزاع طويل الأمد وعالي الكثافة يتطلب تعبئة الاقتصاد بأكمله. وفي سياقها التاريخي، استشهدت هذه المدرسة بنزاعات الوكلاء أو الصدام مع خصوم حلفاء للشيوعية كسيناريوهات أكثر ترجيحاً لأغراض التخطيط. وفي نسختها المعاصرة، تُقرّ المدرسة بالقوة التقليدية للدول الكبرى، لكنها ترى أن صمود الخصوم في وجه الضربات والعقوبات غالباً ما يُربك مؤيدي الحرب القصيرة.

ثانياً: عودة التنافس واستغلال المنطقة الرمادية

تعد الرغبة في خلق أجواء مواتية لضبط النفس الاستراتيجي من الحوافز الهامة للمتنافسين للسعي إلى تحقيق ميزة في “المنطقة الرمادية”، وهي المساحة الغامضة بين السلام والصراع المسلح العلني. وتلجأ الدول بشكل متزايد إلى الهجمات الإلكترونية، وحملات التضليل، والإكراه الاقتصادي، والعمليات السرية لتشكيل البيئة العدائية دون تجاوز العتبات التقليدية للحرب، وهو ما يوصف بأنه “حرب خفية” تهدف لفرض ضغط طويل الأمد ضد المجتمعات والبنية التحتية.

لا ترتجل روسيا والصين وإيران في تصرفاتها العسكرية، بل تُكيّف نظرية استراتيجية راسخة؛ حيث ينص مبدأ الردع الكلاسيكي على أن القوى النووية ستسعى لتحقيق ميزة نسبية من خلال التنافس الذي لا يصل إلى مستوى الحرب المفتوحة. والمنطق هنا بسيط: إذا كان التصعيد الكبير محفوفاً بالمخاطر، فإن التحركات الصغيرة والتدابير التدريجية تصبح أكثر جاذبية.

على سبيل المثال، تنطلق حسابات الصين في التعامل مع التوترات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران من اعتبارات اقتصادية، أهمها الخشية من إطالة أمد الحرب التي قد تهدد مشروع “الحزام والطريق” وحركة التجارة في مضيق هرمز. كما ترى بكين أن الحرب الحالية قد تؤثر على موقع الولايات المتحدة كقوة أولى في العالم، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في سقوط النظام الإيراني لما قد يسببه ذلك من ارتدادات أمنية قوية تصل إلى حدودها، ناهيك عن استثماراتها الضخمة في البنية التحتية الإيرانية.

ثالثاً: مظاهر إقليمية للصراع المحدود والضغط الهجين

بغض النظر عن المواجهات المفتوحة كالحرب الروسية-الأوكرانية، تشن روسيا حملة متواصلة من العمليات الهجينة للضغط على الحكومات الغربية واختبار قدرات “الناتو”. وقد كشفت أجهزة الأمن الأوروبية عن مؤامرات تستهدف مراكز اللوجستيك والسكك الحديدية، وتخريب الكابلات البحرية، وهي أنشطة تتبع منطق الحرب الباردة القديم بأساليب حديثة.

وفي الشرق الأوسط، اعتمدت إيران وحلفاؤها على الوكلاء والترسانات الصاروخية لممارسة الضغط مع الحفاظ على “إمكانية الإنكار”. وقد أوضحت أزمة البحر الأحمر كيف يمكن لأنظمة منخفضة التكلفة (طائرات مسيرة وصواريخ كروز) تعطيل طرق التجارة العالمية دون إعلان حرب رسمي، مما أجبر شركات الشحن على تغيير مساراتها ورفع تكاليف التأمين.

تُصمَّم هذه العمليات الهجينة لفرض تكاليف على الخصوم واختبار ردود أفعالهم في فضاء لا يُصنف كحرب تقليدية، مما يسمح للمهاجمين بمواصلة المضايقات بمستوى مستدام دون استدراج رد فعل حاسم.

رابعاً: إسرائيل من الحروب الخاطفة إلى حرب استنزاف

بالنظر إلى تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية، نجد أن إسرائيل كانت دائماً تلجأ إلى مبدأ الحرب الخاطفة السريعة (كما في 1967 و1973 و2006)، لتعويض ضعف العمق الجغرافي والهشاشة الديموغرافية. لقد أصبحت الحرب الخاطفة جوهر العقيدة العسكرية الإسرائيلية لترسيخ مبدأ الحسم السريع.

إلا أن حرب غزة الأخيرة كشفت أن إسرائيل “لم تعد قادرة” على خوض الحروب الخاطفة؛ فقد تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة. ورغم محاولات نتنياهو المماطلة لتحقيق “نصر واضح”، فإن الواقع يفرض نفسه: إسرائيل التي كانت تفضل الحسم السريع، تجد نفسها اليوم غارقة في صراع يستنزف جبهتها الداخلية وقدراتها العسكرية، وهو ما يذكر بقول ونستون تشرشل: “تنتهي الحرب بإرهاق الأمم وليس بانتصارات الجيوش”.

ختاماً:

لم تعد القوى الكبرى ترغب في خوض حروب استنزاف مميتة، وأصبحت تكتفي بالحروب الموضعية الخاطفة ذات الأهداف المحددة. ويبدو أن الولايات المتحدة تشجع الحروب القصيرة المرتكزة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتعزيز التفوق دون الوصول إلى المواجهات المباشرة الممتدة. ولعل الاستراتيجية الأمريكية في حرب “الـ 12 يوماً” ضد إيران في يونيو 2025 قد حققت بعض المخرجات الهامة، لكن استمرار بعض النزاعات قد يحولها إلى مواجهات مفتوحة في حال فشل الدبلوماسية.

بين آليات الحروب الخاطفة والحروب الطويلة، يبقى منطق المصالح والتحالفات هو سيد الموقف، والخط الناظم لكثافة التدخلات العسكرية؛ فالدول إن لم تحقق جل أهدافها، فهي تسعى على الأقل لضمان منسوب من الردع يبقي الخصوم بعيداً عن تحقيق مآربهم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • mohasimo
    السبت 9 ماي 2026 - 03:22

    اقوى حرب مدمرة هي الحرب الصناعية التجارية بمساعدة جميع أنواع الإعلام. و عندما اقول صناعية تجارية يعني تصنع و تبيع و الإعلام دوره شراء ثقة الدول لتكوين تحالف كبير. عندك المال هذا لايكفي لانه يجب ان يكون عندك المال و العقل المدبر. نعم مثل شغل المافيات. كل شيء يباع و يشترى بالمال حتى الذمم. هذه هي عقيدة صهاينة إسرائيل التي كانت في الأصل عقيدة العرب من قبل. و لما لا فنحن أبناء أعمام من جدنا سيدنا إبراهيم. هم أبوهم سيدنا إسحاق عليه السلام و نحن أبونا سيدنا إسماعيل عليه السلام هههههه. اذن نحن نمتلك نفس الجينات. اليس كذلك؟؟!!. هههههه. نعم انه كذلك. هههههه. و لي في راس الجمل في راس الجمالة. ههههههه

  • ابوسلامة:
    السبت 9 ماي 2026 - 10:08

    إذا كانت أمريكا تمثل ربكم الأعلى للبعض، حسب تصريح المفكر الايراني حسن احميدان، فإن جبروتها وغطرستها أوقفتها إيران، وباتت الدول التي كانت تُعوَّل عليها لحمايتها تشكك في قدراتها، فهي لم تعد تحمي نفسها، ومابالك أن تدافع عن الآخرين.
    فالحروب الخاطفة التي كانت تتباهى بها رفقة ربيبتها إسرائيل، أمست من الماضي. فهم يخشون حروب طويلة تستنزف قدراتهم.

  • Krima
    الأحد 10 ماي 2026 - 09:06

    دول الخليج هى التى ساعدت امريكا على جبروتها عبر اموالها وبترولها وغازها هى التى مولت صناعتها بمختلف أشكالها هى التى وهبت لها اراضى لبناء قواعدها العسكرية وهى التى تعانى حاليا من نقمة تلك القواعد التى مولتها وجهزتها باموالها وبتكاليف غالية.لولا تلك القواعد لما قصفتها إيران .تلك القواعد بنيت لحماية إسرائيل اولا والاعتداء والتحكم فى دو ل الخليج واستغلالها وابتزازها. من سيحمى دول الخليج هي وحدتها.اسراءيل هي أكبر عد للعرب وستبقى عدوة لهم الى الأبد.

  • Krima
    الأحد 10 ماي 2026 - 09:27

    على دول الخليج والعرب بصفة عامة ان تعلم أن كل شئ يتغير باستمرار .اننا لا نسبح فى النهر مرتين لأن ماء النهر يتغير كما قال برغسون .الا شيء واحد اعتقد انه لن يتغير ابدا وهو كره الصهاينة واسراءيل للعرب.تعاملهم الايجابى احيانا يغطى بالنفاق والكذب.

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان