التهركاويت .. حمّى مجتمع

التهركاويت .. حمّى مجتمع
الجمعة 15 ماي 2026 - 11:20

في المغرب، لم تعد كلمة “تهركاويت” مجرد لفظة تُقذف في لحظة انفعال عابرة، بل تحولت شيئًا فشيئًا إلى ما يشبه التشخيص الجماعي. تسمعها في كل مكان: في الطابور، في الإدارة، في الشارع المكتظ، وحتى في جلسات العائلة. يقولها الناس بنبرة من يصف داءً مزمنًا لا دواء له، وكأن الكلمة لم تعد تشير إلى شخص بعينه، بل باتت تلخّص روحًا عامة تسللت إلى تفاصيل الحياة اليومية حتى صار الناس يتعاملون معها باعتبارها جزءًا من المشهد.

لكن السؤال الحقيقي ليس: من هو الهركاوي؟ بل: كيف أفرزنا كل هذا العدد منهم ثم تظاهرنا بالاستغراب؟

المغربي في أصله ليس إنسانًا عدوانيًا ولا عاشقًا للفوضى، لكن المجتمع المغربي عاش خلال العقود الأخيرة تحولات متسارعة لم تتح له فرصة بناء إنسان مدني متوازن. انتقلنا من مجتمع قروي بسيط إلى مجتمع حضري مكتظ بطريقة كادت تكون مفاجئة. الإسمنت سبق التربية، والعمارات سبقت الوعي، والمدن توسعت بوتيرة أعجز الإنسان عن استيعاب معنى العيش المشترك. صرنا نسكن قرب بعضنا دون أن نتعلم كيف نحترم بعضنا. ومن هنا تجد شخصًا يسكن في إقامة حديثة بينما يتصرف بعقلية “الدرب” القديم: يصرخ من الشرفة، يرمي الأزبال في الحصة المشتركة، يحتل موقف جاره باطمئنان تام، ويتعامل مع القانون كأنه اقتراح قابل للتجاوز بالوقاحة الكافية.

بنى المغرب مدنًا كثيرة، لكنه لم يبنِ دائمًا مواطنًا مدنيًا. وهذا الفارق جوهري وإن غفل عنه الكثيرون. الدولة حين تشيّد الطرق والموانئ والقطارات السريعة وتُغفل الإنسان، لا تصنع سوى فوضى بمظهر حديث. فليس كل من حمل هاتفًا ذكيًا صار متحضرًا، وليس كل من ارتدى بدلة أصبح مواطنًا يؤمن بالنظام. الحضارة الحقيقية ليست زجاجًا لامعًا في الواجهات، بل هي ذلك السلوك الصغير الذي يظهر في طريقة الوقوف في الطابور، في احترام المشاة، في خفض صوت الموسيقى ليلًا، في القدرة البسيطة على إدراك أن الفضاء العام ليس ملكًا خاصًا.

والأغرب أن “التهركاويت” في المغرب تجاوزت حدود الفقر والجهل، وصارت عابرة للطبقات. ذلك الشاب البسيط الذي يصرخ في الحي الشعبي، والمسؤول الكبير الذي يوقف سيارته فوق الرصيف بكل اطمئنان، كلاهما يؤدي الدور نفسه بملابس مختلفة. وهذا ما يجعل الظاهرة مستعصية على التبسيط. المشكلة ليست اقتصادية فحسب، بل هي في عمقها تربوية وثقافية وأخلاقية. هناك انهيار متدرج لفكرة العيش الجماعي، حيث صار كل فرد يتصرف وكأن البلاد بلاده وحده. المغربي اليوم يريد حقوقه كاملة دون أن يتذكر واجباته. يريد شارعًا نظيفًا ويرمي الأزبال. يريد إدارة تحترمه ويتحايل على كل قانون. يريد مجتمعًا راقيًا ويثور حين يُطلب منه احترام النظام.

تحولت الأنانية الصغيرة إلى فلسفة يومية غير معلنة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي لـ”التهركاويت”، لأنها لم تعد مجرد سلوك مزعج، بل باتت تعبيرًا عن شرخ عميق في علاقة المواطن بمجتمعه. حين يحتل شخص الرصيف بسيارته، فهو لا يحتل مجرد إسمنت، بل يُعلن بصمت أن راحة الآخرين لا تعنيه. وحين يصرخ جارك في منتصف الليل دون اكتراث، فهو لا يمارس الضجيج فقط، بل يمارس شكلًا من أشكال العنف الناعم. وحين يتجاوز شخص الطابور لأنه “مستعجل”، فإنه يقول ضمنيًا إن وقته يفوق قيمةً وقتَ الجميع. هكذا تتراكم التفاصيل حتى تصير ثقافة، ويغدو انعدام الاحترام أمرًا طبيعيًا لدرجة أن الناس يكفّون عن الاستغراب منه.

والمفارقة المؤلمة أن المغربي نفسه يتحول فجأة إلى مواطن نموذجي حين يغادر البلاد. الشخص الذي يرمي الأزبال هنا دون تردد، يصبح في ألمانيا إنسانًا يحترم الإشارات الضوئية كأنه وُلد هناك. والشخص الذي يحتقر الطابور في المغرب، يقف لساعات في صمت أمام الإدارات الأوروبية. لماذا؟ لأن المشكلة لم تكن يومًا في جيناته، بل في البيئة التي يعيش فيها. في المجتمعات التي يشعر فيها الإنسان بأن القانون حقيقي ويُطبَّق على الجميع، يصبح الاحترام ضرورة لا اختيارًا. أما حين يبدو القانون انتقائيًا أو يُعطَّل بالرشوة والواسطة، تتحول الفوضى إلى مهارة بقاء يتقنها الجميع.

لذلك فإن اختزال “التهركاويت” في الشتيمة وحدها تبسيط ساذج. الهركاوي ليس كائنًا هبط من كوكب آخر، بل هو ابن هذا المجتمع، تلقّى تعليمه في مدارسه، وتربى في شوارعه، وتشكّل وعيه في بيئة تعيش أصلًا على التناقضات. كيف نطالب المدرسة بأن تُخرّج مواطنًا محترمًا بينما التلميذ يشاهد يوميًا الغش والرشوة والمحسوبية؟ كيف نطالب الشباب باحترام القانون وهم يرون أن القانون نفسه لا يُطبَّق على الجميع بالتساوي؟ كيف ننتظر ذوقًا مدنيًا في مدن تفتقر أحيانًا لأبسط شروط الكرامة الإنسانية؟

ثمة ما هو أخطر من كل هذا: كلمة “هركاوي” نفسها بدأت تتحول إلى أداة احتقار طبقي. بعضهم يستعملها بنبرة متعالية وكأنهم يصفون كائنًا حضاريًا أدنى منهم درجة.

وهنا تكمن المفارقة المُضحكة المبكية: من يلعن “التهركاويت” صباحًا قد يمارسها مساءً بنفس أكثر أناقة. فليس كل هركاوي يصرخ في السوق الشعبي؛ ثمة هركاوي يرتدي عطرًا فاخرًا ويتحدث الفرنسية بطلاقة ويسرق المال العام بهدوء بارد. هناك “تهركاويت” إدارية، وسياسية، واقتصادية، لكنها لا تثير الغضب الشعبي ذاته، لأن المجتمع تعوّد على ربط الفوضى بالفقراء والبسطاء دون سواهم.

في العمق، يبدو أن المغاربة يلجؤون إلى كلمة “تهركاويت” حين يعجزون عن وصف ذلك التآكل البطيء الذي ينخر نسيج المجتمع. إنها كلمة تختصر الإحساس اليومي بأن شيئًا ما ينكسر: في الشارع، في المدرسة، في النقاش العمومي، وأحيانًا في جلسة العائلة نفسها. نعيش زمن الصوت المرتفع والغضب السريع والسخرية الجاهزة. كل شيء صار متوترًا وكأن الفضاء الاجتماعي كله يعاني من إرهاق مزمن. حتى مواقع التواصل الاجتماعي صارت أسواقًا كبرى لإعادة إنتاج “التهركاويت” بصيغتها الرقمية، حيث الشتيمة تُباع على أنها شجاعة، والسخرية من الآخرين تُسوَّق باعتبارها ذكاءً، والفوضى تُقدَّم كحرية شخصية لا تقبل المساس.

ولعل هذا ما يجعل القضية في جوهرها أعمق من السلوك؛ إنها تعبير عن شعور جماعي بالتعب، بالتوتر، وبانعدام الثقة في أي مشروع مشترك. حين يفقد المجتمع إيمانه بفكرة المصلحة العامة، يبدأ بالتفسخ من الداخل. كل واحد ينسحب إلى فردانيته، وتتحول المدينة إلى حلبة صراع بدلًا من أن تكون فضاءً للتعايش.

“التهركاويت” ليست مرض فرد، بل حمى مجتمع بأكمله. ليست عيبًا في شخص معزول، بل مرآة تعكس علاقتنا المضطربة بالتمدن، بالقانون، وبالآخر. لذلك لن يُجدي السخر من الهركاوي كثيرًا، لأننا في أحيان كثيرة نضحك على النسخة المشوهة من أنفسنا. يبدأ الحل الحقيقي يوم ندرك أن احترام الفضاء العام ليس رفاهية أخلاقية ولا ترفًا حضاريًا، بل هو الحد الأدنى الذي لا يقوم مجتمع دونه.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الخميس 21 ماي 2026 - 07:37

    “A nation of sheep will beget a government of wolves”
    “Un peuple de moutons finit par engendrer un gouvernement de loups”
    ” شعب من الخراف ينتهي به المطاف بإنجاب حكومة من الذئاب.”
    Edward Murrow
    (1908-1965)
    (سلبية المجتمع وغياب الوعي والمسؤولية الفردية هما السبب الرئيسي في إنتاج الفوضى والفساد العام )

    “Civilization begins with order, grows with liberty, and dies with chaos”
    ” تبدأ الحضارة بالنظام، وتنمو بالحرية، وتموت بالفوضى.”
    Will Durant
    (1885-1981)

    أستاذي،
    التهركاويت لم تعد مجرد سلوك عابر بل غدت انعكاساً لفصام حاد نعيشه بين مظاهر الحداثة المادية وهشاشة الوعي القيمي المشترك. إنني أشاطرك الرأي تماماً في أن القانون عندما يفقد هيبته التنافسية ويتحول إلى خيار انتقائي، تصبح الفوضى لغة بديلة للتعبير عن الاحباط المجتمعي والطبقي. الحل لن يأتي من صب اللعنات على السلوكيات السطحية، بل من إعادة الاعتبار للمدرسة والأسرة كمنبعين وحيدين لترسيخ روح المسؤولية والعيش الجماعي.
    ” بناء الإنسان هو الأساس، فما نفع أن نملك قطارات فائقة السرعة وعقولاً تسير بسرعة السلحفاة نحو التمدن؟”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
ذكرى رحيل الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 12:04 2

ذكرى رحيل الحسن الثاني

صوت وصورة
نادية فتاح والرفع من الأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 11:44 6

نادية فتاح والرفع من الأجور

صوت وصورة
البواري ودعم الفلاحين
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 08:42 2

البواري ودعم الفلاحين

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30 2

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 5

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09 1

شوكي: المواطن والمغرب العميق