هل الخزعة تسبب السرطان؟

هل الخزعة تسبب السرطان؟
الأربعاء 17 يونيو 2026 - 13:43

في اللحظة التي يسمع فيها المريض كلمة “سرطان”، يدخل غالباً في دوامة من القلق والخوف والأسئلة. لكن هذه المشاعر تتضاعف عندما يقترح الطبيب إجراء خزعة لتأكيد التشخيص، خاصة في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي تعج بمقاطع فيديو ومنشورات تحذر من هذا الإجراء وتزعم أنه قد يؤدي إلى انتشار السرطان داخل الجسم.

تتكرر العبارات نفسها بصيغ مختلفة: “لا تدع أحداً يأخذ عينة من الورم”، “الخزعة توقظ السرطان”، أو “السرطان ينتشر بسبب الإبرة وليس بسبب المرض نفسه”. وبين الخوف الطبيعي الذي يشعر به المريض وبين المعلومات المضللة التي تنتشر بسرعة على الإنترنت، يجد كثير من الناس أنفسهم أمام سؤال مصيري: هل يمكن أن تكون الخزعة سبباً في انتشار السرطان؟

الإجابة العلمية المختصرة هي أن الأدلة المتوفرة تشير إلى أن خطر انتشار السرطان بسبب الخزعة منخفض جدا جداً، في حين أن تأخير الخزعة أو رفضها قد يؤدي إلى نتائج أكثر خطورة بكثير.

هؤلاء لا يفهمون بيولوجيا السرطان

في السنوات الأخيرة انتشرت مقاطع فيديو ومنشورات تزعم أن الخزعات تنشر السرطان، وأن الأطباء يعرفون ذلك لكنهم يستمرون في إجرائها، أو أن الهدف من الخزعة هو إدخال المريض في مسار العلاج الكيميائي المربح لشركات الأدوية المتآمرة على المرضى. للأسف بعض المرضى يقعون ضحية هذه الادعاءات التي تتجاهل حقيقة أساسية: السرطان ليس كتلة خاملة من الخلايا تنتظر من يلمسها حتى تنتشر. فالانتشار السرطاني، أو النقائل، عملية بيولوجية معقدة للغاية تبدأ داخل الورم نفسه قبل سنوات أحياناً من اكتشافه. فلكي تنتشر خلية سرطانية من الورم الأولي إلى عضو آخر، عليها أن تنفصل من النسيج الأصلي، وأن تخترق الأنسجة المحيطة، ثم تدخل إلى الأوعية الدموية أو اللمفاوية، وأن تنجو من هجمات الجهاز المناعي أثناء انتقالها، ثم تغادر الأوعية الدموية في موقع جديد، وتتكيف مع بيئة مختلفة تماماً، وتنجح في إنشاء شبكة أوعية دموية جديدة تسمح لها بالنمو. إنها رحلة بيولوجية معقدة تفشل فيها الغالبية الساحقة من الخلايا السرطانية.

ولهذا السبب فإن اكتشاف مريض في المرحلة الثالثة أو الرابعة من السرطان لا يحتاج إلى خزعة لتفسير انتشار المرض. فالخلايا السرطانية تكون قد غادرت الورم الأصلي وانتشرت عبر الجسم قبل أن يلمسها أي طبيب أو أي إبرة. ولو كانت الخزعة بالفعل سبباً رئيسياً في انتشار السرطان، لكان من الصعب تفسير وجود ملايين المرضى حول العالم الذين يُشخّصون بنقائل سرطانية قبل إجراء أي خزعة أو أي تدخل طبي. كما يصعب تفسير السبب الذي جعل الخزعات تُستخدم منذ عقود في أكبر المراكز الطبية العالمية، وفي الوقت نفسه شهدت معدلات النجاة من العديد من السرطانات تحسناً مستمراً بفضل التشخيص المبكر والعلاج الموجه.

لماذا يحتاج الأطباء إلى الخزعة؟

رغم التطور الكبير في تقنيات التصوير الطبي، فإن الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي والتصوير بالموجات فوق الصوتية لا تستطيع دائماً تحديد طبيعة الكتلة المكتشفة بدقة كاملة. فقد تظهر كتلة في الثدي، أو الرئة، أو الكبد، أو البروستاتا، لكن الصورة وحدها لا تستطيع في كثير من الحالات الإجابة عن أسئلة حاسمة: هل هي كتلة حميدة أم خبيثة؟ وإذا كانت خبيثة، فما نوع السرطان؟ وما درجة عدوانيته؟ وهل يحمل خصائص جزيئية تسمح باستخدام علاجات موجهة أو مناعية معينة؟

هنا تأتي أهمية الخزعة. فمن خلال أخذ عينة صغيرة من النسيج وفحصها تحت المجهر، يستطيع اختصاصي علم الأمراض تقديم تشخيص دقيق يوجه القرارات العلاجية اللاحقة. وفي الواقع، لا تمثل الخزعة مجرد وسيلة لتأكيد وجود السرطان، بل هي البوصلة التي تساعد الفريق الطبي على اختيار العلاج الأنسب لكل مريض.

من أين جاءت فكرة أن الخزعة تنشر السرطان؟

ترجع جذور هذه الفكرة إلى ظاهرة طبية حقيقية تُعرف باسم “زرع الخلايا السرطانية على مسار الإبرة”. ويقصد بها احتمال انتقال عدد محدود من الخلايا السرطانية إلى المسار الذي مرت عبره الإبرة أثناء أخذ العينة. وجود هذه الظاهرة في الأدبيات الطبية لا يعني أنها شائعة أو أنها تمثل سبباً رئيسياً لانتشار السرطان. فالكثير من المعلومات الطبية الصحيحة جزئياً يمكن أن تتحول إلى خرافات عندما تُنتزع من سياقها العلمي. فالانتقال المحتمل لبعض الخلايا لا يعني بالضرورة نشوء ورم جديد، تماماً كما أن سقوط بذرة على الأرض لا يعني بالضرورة نمو شجرة. فلكي تتحول خلية سرطانية منفردة إلى ورم جديد، يجب أن تنجح في تجاوز سلسلة طويلة ومعقدة من الحواجز البيولوجية.

ماذا تقول الدراسات؟

لقد درس الباحثون هذه الظاهرة لعقود طويلة، وحاولوا تحديد مدى شيوعها في مختلف أنواع السرطان. وتشير الدراسات إلى أن حالات زرع الخلايا السرطانية على مسار الإبرة موجودة بالفعل، لكنها نادرة الحدوث. ففي العديد من أنواع السرطان تُسجل نسب منخفضة جداً جدا، وفي بعض الدراسات لم تُسجل أي حالات على الإطلاق. كما أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن هذه النسبة أصبحت أقل مما كانت عليه في العقود الماضية بفضل تحسن التقنيات الطبية وتطور وسائل التصوير المستخدمة لتوجيه الإبرة. والأهم من ذلك أن وجود بعض الخلايا السرطانية على طول مسار الإبرة لا يعني بالضرورة ظهور ورم جديد. فالجهاز المناعي يتخلص من كثير من هذه الخلايا، كما أن العلاجات الجراحية أو الدوائية اللاحقة قد تقضي عليها قبل أن تتمكن من النمو.

لماذا لا يتجاهل الأطباء هذا الخطر؟

قد يعتقد البعض أن الأطباء يتجاهلون هذه المضاعفات المحتملة، لكن الواقع مختلف تماماً. فالمجتمع الطبي كان على دراية بهذه الظاهرة منذ عقود طويلة، وما زالت تُجرى أبحاث باستمرار لفهمها وتقليلها. ولهذا يحرص الأطباء على اختيار نوع الخزعة المناسب لكل حالة، وتقليل عدد مرات إدخال الإبرة إلى الحد الأدنى اللازم للحصول على عينة كافية، واختيار المسار الأكثر أماناً للوصول إلى الورم. وفي بعض الحالات الجراحية تُزال المنطقة التي مرت عبرها الإبرة أثناء استئصال الورم كإجراء احترازي إضافي. بمعنى آخر، فإن وجود خطر نادر لا يعني تجاهله، بل يعني فهمه وإدارته وتقليله قدر الإمكان.

عندما تصبح المعلومات المضللة خطراً على حياة المرضى

المشكلة الحقيقية لا تكمن في الخزعة نفسها، بل في المعلومات الخاطئة التي تدفع المرضى إلى تأجيلها أو رفضها. ففي السنوات الأخيرة ظهر عدد متزايد من صناع المحتوى الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم خبراء في الصحة والسرطان، رغم افتقار كثير منهم إلى التكوين العلمي والطبي اللازم لفهم طبيعة المرض وتعقيداته. ويكمن الخطر في أن هذه الرسائل تصل غالباً إلى أشخاص يعيشون حالة من الخوف والارتباك بعد الاشتباه بإصابتهم بالسرطان. وعندما يسمع المريض أن الخزعة قد تنشر السرطان، فقد يقرر تأجيلها أسابيع أو شهوراً بحثاً عن بدائل مزعومة أو علاجات غير مثبتة. لكن السرطان لا ينتظر. فالورم لا يتوقف عن النمو لأن المريض قرر مشاهدة المزيد من الفيديوهات أو تجربة وصفات متداولة على الإنترنت. إنه يستمر في التطور وفق قوانين البيولوجيا، لا وفق قناعات المؤثرين. ولهذا يحذر أطباء الأورام من أن أخطر ما في المعلومات الطبية المضللة ليس فقط أنها خاطئة، بل أنها تؤدي إلى تأخير التشخيص والعلاج، وهو ما قد يحرم بعض المرضى من فرصة العلاج المبكر.

ما الذي يجب أن يعرفه المريض؟

من الطبيعي أن يشعر المريض بالخوف من الخزعة أو من أي إجراء طبي يتعلق بالسرطان. لكن من المهم أن يكون هذا الخوف مبنياً على فهم واقعي للمخاطر وليس على معلومات مجتزأة أو مضللة. من حق المريض أن يسأل طبيبه عن سبب الحاجة إلى الخزعة، وعن فوائدها ومخاطرها والبدائل المتاحة. كما من حقه أن يطلب شرحاً مفصلاً للإجراء وللمضاعفات المحتملة. لكن من الخطير أن يستبدل المريض رأي فريق طبي متخصص بآراء أشخاص لا يعرفون تاريخه المرضي ولا يملكون المعرفة اللازمة لتقييم حالته. فالقرار الطبي الجيد لا يُبنى على الخوف ولا على نظريات المؤامرة، بل على الأدلة العلمية وموازنة الفوائد والمخاطر.

الخلاصة

تظل الخزعة واحدة من أهم الأدوات التي يمتلكها الطب الحديث لتشخيص السرطان وتحديد أفضل طرق علاجه. صحيح أن الأدبيات العلمية وثقت حالات نادرة جدا جدا لانتقال بعض الخلايا السرطانية على طول مسار الإبرة، لكن الدراسات المتوفرة تشير إلى أن هذا الخطر جد منخفض للغاية، وأن الأطباء يتخذون إجراءات متعددة للحد منه. في المقابل، فإن الخطر الأكبر والأكثر شيوعاً يتمثل في تأخير التشخيص أو رفضه بسبب الخوف أو بسبب الانسياق وراء معلومات طبية مضللة.

وفي معركة السرطان، قد يكون الوقت عاملاً حاسماً. فكل يوم يمر دون تشخيص دقيق قد يمنح المرض فرصة إضافية للنمو والانتشار. ولهذا تبقى الخزعة، في كثير من الحالات، خطوة ضرورية لا لنشر السرطان، بل لفهمه ومواجهته بأفضل السبل المتاحة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • لا ماشي معلومة خاطئة
    الثلاثاء 23 يونيو 2026 - 12:09

    مكاين لا معلومة مضضلة ما والو…ملايين اشخاص تيكون فامان الله ربما زيارة طبيب تيشكلو فشي حاجة اه خص الخزعة خص العملية خص الكيميائي تتدهور الحالة و فالغالب تيتوفى…ربما لو مازارش الطبيب يكمل سنين و يعيش عادي ربما ينتشر المرض ولكن غادي ياخد وقت اطول…بينما الشخص ملي تيدل فمتاهة العلاج تتدهور حالتو دغيا………ماشي هضرة ديال المواقع هادي خالات لي بزاف منا عايشها….منظومة الطب يا مقدرتش تتطور حتى تلقى علاج السرطان….او ميدان الطب ربحي لان لو الاطباء ما زربوش على الشخص شركات و المستشفيات مايخدموش

  • Hakim
    الثلاثاء 23 يونيو 2026 - 15:44

    الطبيب يتفوق في المدرسة ليتمكن من دخول جامعة الطب ثم يدرس عشر سنوات باجتهاد ليحصل على الشهادة ثم يمارس المهنة عشرين سنة و يجمع خبرات كثيرة. ثم يأتي جاهل لا يفرق بين الماء والدم ولا بين الألف والزرواطة ليظن أنه أكثر فهما من الطبيب . لا حول ولا قوة إلا بالله

صوت وصورة
مباشر | ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 21:43

مباشر | ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون

صوت وصورة
بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 20:19 5

بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"

صوت وصورة
نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 17:54 7

نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة

صوت وصورة
البطالة تُهجّر شباب تيفلت
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 14:42 4

البطالة تُهجّر شباب تيفلت

صوت وصورة
أسعار اللحوم تواصل الارتفاع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 10:48 11

أسعار اللحوم تواصل الارتفاع

صوت وصورة
خصاص الكتب يرهق الأسر
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:48

خصاص الكتب يرهق الأسر