الشباب يعزف عن الوهم

الشباب يعزف عن الوهم
الخميس 25 يونيو 2026 - 13:18

الشباب المغربي لا يعزف عن السياسة… بل يعزف عن الوهم

كلما انخفضت نسبة مشاركة الشباب في الانتخابات، وكلما فرغت مقرات الأحزاب من وجوههم، يتكرر السؤال نفسه: لماذا يعزف الشباب المغربي عن السياسة؟

لكن السؤال في حد ذاته قد يكون مضللاً. فهو يفترض ضمنيًا أن المشكلة موجودة لدى الشباب، بينما قد تكون المشكلة الحقيقية موجودة في السياسة نفسها، وفي الأحزاب نفسها، وفي الطريقة التي جرى بها تحويل الفعل السياسي إلى نشاط فاقد للمعنى في نظر أجيال كاملة.

فالشباب المغربي لا يعيش خارج المجتمع، ولا يعيش خارج التاريخ، ولا يعيش خارج السياسة. إنه يعيش يوميًا نتائج السياسات العمومية، ويواجه البطالة وغلاء المعيشة وأزمة التعليم وصعوبة الولوج إلى السكن وهشاشة الشغل. إنه يعيش السياسة في أكثر تجلياتها قسوة، لكنه لم يعد يؤمن بأن الأحزاب هي الأداة القادرة على تغيير هذه الأوضاع.

لقد نشأ جيل كامل وهو يشاهد الأحزاب تتحدث بلغة، وتمارس بلغة أخرى. يسمع خطابات عن الديمقراطية بينما يرى صراعات حول المواقع والمقاعد. يسمع حديثًا عن الشباب بينما يكتشف أن مواقع القرار ما تزال محتكرة من الوجوه نفسها التي تتكرر منذ عقود. يسمع وعودًا بالتغيير بينما يرى أن كثيرًا من الأحزاب تتغير مواقعها أكثر مما تغير الواقع.

ولهذا لم يعد السؤال بالنسبة إلى عدد كبير من الشباب: أي حزب سأختار؟ بل أصبح: لماذا أختار أصلًا؟

في العمق، لا يعيش المغرب فقط أزمة مشاركة سياسية، بل يعيش أزمة ثقة. والثقة ليست شعارًا انتخابيًا يمكن تعويضه بحملة دعائية أو بصورة جميلة على مواقع التواصل الاجتماعي. الثقة تُبنى حين يشعر المواطن أن صوته يحدث فرقًا، وأن المؤسسات تنصت إليه، وأن الأحزاب تمتلك مشروعًا حقيقيًا لا مجرد خطابات موسمية.

غير أن المشكلة أعمق من ذلك. فالأحزاب المغربية، باستثناءات محدودة، تبدو وكأنها لم تدرك أن المجتمع تغير. فما زالت تخاطب شباب القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن العشرين. وما زالت تعتمد منطق التنظيمات المغلقة في زمن الشبكات المفتوحة. وما زالت تتعامل مع الشباب باعتبارهم خزانًا انتخابيًا يُستدعى عند الحاجة، لا قوة فكرية وسياسية يجب إشراكها في صناعة القرار.

لكن النقد لا ينبغي أن يتوقف عند الأحزاب وحدها. فالشباب أنفسهم ليسوا معفيين من المسؤولية. فمن السهل إعلان القطيعة مع السياسة، ومن السهل السخرية من الأحزاب، ومن السهل كتابة منشور غاضب على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن بناء البدائل أكثر صعوبة بكثير. فرفض الواقع لا يكفي لتغييره.

ومع ذلك، فإن ما يفعله كثير من الشباب اليوم ليس عزوفًا عن السياسة بقدر ما هو تمرد على شكل معين من ممارستها. إنهم يرفضون السياسة التي تحولت إلى طقوس انتخابية متكررة، وإلى خطابات خشبية فقدت قدرتها على الإقناع. ولذلك نراهم أكثر حضورًا في المبادرات المدنية والاحتجاجات الرقمية والعمل التطوعي والقضايا البيئية والثقافية والحقوقية. إنهم يمارسون السياسة خارج المؤسسات السياسية التقليدية.

والحقيقة الأكثر إزعاجًا هي أن الشباب المغربي لم يفقد اهتمامه بالشأن العام، بل فقد إيمانه بجدوى الوسائط التي يفترض أن تمثله. وهذه ليست أزمة شباب، بل أزمة نظام سياسي وثقافي بأكمله. فعندما يصبح الانخراط الحزبي استثناءً بدل أن يكون قاعدة، وعندما تتحول الأحزاب إلى مؤسسات عاجزة عن إنتاج الأمل، فإن المشكلة لا تكون في عزوف المواطنين، بل في فشل السياسة في أن تجعل نفسها جديرة بثقتهم.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يغضب شبابه من السياسة، بل أن يصبحوا غير مبالين بها. فالغضب يحمل في داخله رغبة في التغيير، أما اللامبالاة فهي إعلان صامت بأن اللعبة كلها فقدت معناها.

ولهذا فإن مستقبل السياسة في المغرب لن يتوقف على قدرة الأحزاب على كسب الانتخابات فقط، بل على قدرتها على استعادة المعنى. لأن الشباب لا يبحثون عن الشعارات، بل عن الصدقية. ولا يبحثون عن الخطب، بل عن الأثر. ولا يبحثون عن سياسيين يتحدثون باسمهم، بل عن مؤسسات تجعلهم يشعرون بأنهم جزء من صناعة المستقبل.

وعندما تفشل السياسة في إقناع الشباب، لا يكون الشباب هم الذين غادروا السياسة، بل تكون السياسة هي التي غادرت الشباب أولًا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    السبت 27 يونيو 2026 - 12:44

    “I knew nothing but shadows and I thought them to be real”
    “لم أعرف سوى الظلال وظننت أنها حقيقية”
    Oscar Wilde
    (1854-1900)
    (يعبر عن كيف أن الناس قد يعيشون في أوهام قبل أن يكتشفوا الحقيقة)

    All my misfortunes come of having thought too well of my fellows”
    “جميع مصائبي تأتي من أنني فكرت بخير في الناس أكثر من اللازم ”
    Jean J Rousseau
    (1712-1778)

    “You are very harsh.’ ‘I have seen the world”
    “أنت قاسٍ جدًا.” “أنا قد رأيت العالم”
    Voltaire
    (1694-1778)
    (خيبة الأمل تأتي من رؤية الواقع كما هو، دون أوهام)

    أستاذي،
    أتفق معك في أن الأزمة هي أزمة نظام حزبي عجز عن تجديد دمائه وأدواته، مستمراً في تقديم الوعود نفسها لجيل يملك وعياً يتجاوز قوالبهم الجامدة. لكنني أرى أن الاكتفاء بالتمرد الرقمي أو الانكفاء على المبادرات المحدودة لن يكسر هذه الحلقة المفرغة، بل يجب على الشباب انتزاع مواقع القرار وفرض رؤيتهم بقوة البديل المنظم، لأن التغيير لا يحدث بالانتظار بل باقتحام الميدان. إن ترك الساحة للشعارات الخشبية لن يغير الواقع، والمسؤولية اليوم مشتركة لإنقاذ الشأن العام من مستنقع الركود.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 2

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 6

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة