مدى احترام القانون رقم 23.66 بتنظيم مهنة المحاماة لالتزام الملاءمة التشريعية المنصوص عليه في ديباجة دستور المملكة لسنة 2011
شكل دستور المملكة لسنة 2011 تحولا نوعيا في علاقة القانون الوطني بالقانون الدولي، إذ انتقل من مجرد الإقرار بإمكانية انضمام المغرب إلى الاتفاقيات الدولية إلى إرساء قاعدة دستورية جديدة تقوم على مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها، والعمل على ملاءمة التشريعات الوطنية مع ما تفرضه تلك الاتفاقيات. وبذلك، لم تعد الملاءمة التشريعية خيارا سياسيا أو تقنية تشريعية، وإنما أصبحت التزاما دستوريا يقع على عاتق المشرع كلما تدخل لتنظيم مجال يرتبط بحقوق الإنسان والحريات الأساسية.
وتكتسي هذه القاعدة أهمية خاصة في مجال تنظيم مهنة المحاماة، بالنظر إلى ارتباطها الوثيق بالحق في الدفاع والمحاكمة العادلة واستقلال القضاء، وهي حقوق كرستها الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ومن هذا المنطلق، يثور التساؤل حول مدى وفاء مشروع القانون رقم 23.66 بهذا الالتزام الدستوري، ومدى استحضاره للمعايير الدولية ذات الصلة عند صياغة مقتضياته.
المطلب الأول: مفهوم الملاءمة التشريعية ومداها
إن المقصود بالملاءمة التشريعية ليس مجرد تجنب مخالفة الاتفاقيات الدولية، وإنما اتخاذ المبادرات التشريعية الكفيلة بجعل التشريع الوطني منسجما مع الالتزامات الدولية للمملكة.
ويترتب على ذلك أن المشرع يكون ملزما باحترام ثلاثة مستويات متكاملة:
عدم سن نصوص تتعارض مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها.
مراجعة النصوص الوطنية بما يحقق الانسجام مع تلك الاتفاقيات.
استحضار التفسير الذي استقرت عليه الهيئات الدولية المختصة عند تطبيق هذه الاتفاقيات، متى كان ذلك منسجما مع أحكام الدستور.
وهذا الفهم يجد سنده في ديباجة دستور 2011 التي لم تكتف بالنص على سمو الاتفاقيات الدولية، وإنما ألزمت الدولة صراحة بالعمل على ملاءمة التشريعات الوطنية مع ما تتطلبه المصادقة عليها.
المطلب الثاني: الملاءمة التشريعية في مجال تنظيم مهنة المحاماة
يتميز تنظيم مهنة المحاماة بكونه يتقاطع مع عدد من الحقوق الأساسية، من بينها:
الحق في الدفاع؛
الحق في المحاكمة العادلة؛
استقلال القضاء؛
المساواة أمام القانون؛
الولوج إلى العدالة.
ولهذا فإن أي تدخل تشريعي في هذا المجال يجب أن يخضع لاختبار مزدوج:
الاختبار الدستوري، للتحقق من احترام أحكام دستور 2011.
والاختبار الدولي، للتحقق من مدى انسجامه مع الالتزامات الدولية للمغرب.
ولا يقتصر هذا الاختبار على نصوص الاتفاقيات الدولية، بل يمتد إلى المعايير الدولية التفسيرية التي توضح مضمون تلك الالتزامات، ومن أبرزها مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين (هافانا 1990)، باعتبارها المرجع الدولي الأكثر اعتمادا في تحديد الضمانات الواجب توفيرها لاستقلال المحاماة.
ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن الاحتجاج بمبادئ هافانا لا يكون باعتبارها اتفاقية دولية ملزمة، وإنما باعتبارها أداة تفسيرية تساعد على تحديد مضمون الحقوق المكفولة في الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
المطلب الثالث: منهج تقييم مشروع القانون رقم 23.66 في ضوء واجب الملاءمة
لا تنطلق هذه الدراسة من فرضية أن مشروع القانون يتعارض مع الالتزامات الدولية، وإنما تعتمد منهجاً موضوعياً يقوم على إخضاع كل مقتضى من مقتضيات المشروع لاختبار قانوني مركب، وفق الأسئلة الآتية:
هل ينسجم النص مع أحكام دستور 2011؟
هل ينسجم مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من قبل المغرب؟
هل يتوافق مع المعايير الدولية التي تفسر تلك الاتفاقيات، وفي مقدمتها مبادئ هافانا؟
وإذا وجد تعارض، فهل هو تعارض جوهري يمس جوهر الحق، أم مجرد اختلاف في أسلوب التنظيم التشريعي؟
وبناءً على هذا المنهج، سيتم تصنيف نتائج الدراسة إلى أربع درجات:
مقتضيات منسجمة مع الدستور والالتزامات الدولية.
مقتضيات تثير نقاشاً دستورياً أو دولياً.
مقتضيات يترجح عدم انسجامها مع الالتزامات الدولية.
مقتضيات يرجح تعارضها مع الدستور أو مع الالتزامات الدولية للمغرب، مع بيان الأساس القانوني لذلك.
إن الرقابة على مدى احترام المشرع لالتزام الملاءمة التشريعية لا تقتصر على التحقق من عدم مخالفة القانون للاتفاقيات الدولية، وإنما تمتد إلى تقييم مدى استحضار المشرع للمعايير الدولية التي تشكل التفسير المعتمد لتلك الاتفاقيات، متى كانت هذه المعايير منسجمة مع أحكام الدستور.
على السادة المحامين انتظار صدور قرار المحكمة الدستورية لتبين الأمر.
أما التشويش والبلطجة فلم يعودا ينفعان شيئا في المغرب الجديد.