واشنطن تضغط على دول إفريقية للانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية

واشنطن تضغط على دول إفريقية للانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية
صورة: أرشيف
الثلاثاء 4 غشت 2026 - 03:00

كشفت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كثفت ضغوطها على عدد من الدول الإفريقية لحملها على الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، في إطار حملة أعلنتها واشنطن ضد المحكمة، رغم أن الولايات المتحدة لم تنضم إليها منذ إنشائها بموجب نظام روما الأساسي سنة 1998.

وبحسب الصحيفة، بدأت هذه الضغوط تؤتي نتائجها، بعدما أعلنت فنزويلا، في 24 يوليو، ثم تشاد، في 27 يوليو، انسحابهما من المحكمة، وذلك بعد أقل من أسبوعين على إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في مقال نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، أن الولايات المتحدة ستعمل على “تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، لبنة لبنة إذا اقتضى الأمر”.

وأوضحت “لوموند” أن إدارة ترامب صعدت هجومها على المحكمة منذ إصدارها، في نوفمبر 2024، مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، معتبرة أن المحكمة تجاوزت صلاحياتها، وهو ما دفع واشنطن إلى إطلاق حملة دبلوماسية تستهدف الحد من نفوذها وتقليص عدد الدول المنضوية تحت ولايتها.

وفي هذا السياق، أشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن فرانك غارسيا جونيور، المسؤول الجديد عن الشؤون الإفريقية في البيت الأبيض، أجرى في 23 يوليو اتصالا بوزير العدل التشادي، وبعد أربعة أيام فقط أعلنت نجامينا أنها وجهت إلى الأمين العام للأمم المتحدة إشعارا رسميا ببدء إجراءات الانسحاب من المحكمة، وهو القرار الذي رحب به المسؤول الأمريكي عبر منصة “إكس”، معتبرا أن تشاد انضمت إلى “العدد المتزايد من الدول التي تستعيد سيادتها من مؤسسة فاشلة”، على حد تعبيره.

وبموجب نظام المحكمة، لن تصبح تشاد خارج اختصاص المحكمة إلا بعد مرور عام على إيداع إشعار الانسحاب، وعندها لن تكون ملزمة بالتعاون مع المحكمة أو المشاركة في جمعية الدول الأطراف، التي تضم حاليا 125 دولة، وتعد الدول الإفريقية أكبر كتلة فيها بواقع 33 عضوا.

وبررت السلطات التشادية قرارها بما وصفته بـ”الملاحقات ذات المعايير المزدوجة”، معتبرة أن المحكمة تركز بصورة غير متوازنة على القضايا الإفريقية، إذ إن معظم الأشخاص المحتجزين لديها متهمون بجرائم ارتكبت في القارة، وهو ما اعتبرته نجامينا دليلا على استهداف دول الجنوب وإخضاع المحكمة لتوظيف سياسي.

في المقابل، نقلت “لوموند” عن الخبير البنيني في القانون الدولي سيتوندجي رولان أدجوفي رفضه لهذه الاتهامات، مؤكدا أن تصوير المحكمة باعتبارها أداة موجهة ضد إفريقيا “أسطورة لا تستند إلى الواقع”، مشيرا إلى أن غالبية القضايا المعروضة على المحكمة جاءت بطلب من الدول المعنية نفسها أو بقرارات من مجلس الأمن الدولي.

وأضافت الصحيفة أن تشاد تمثل هدفا مهما بالنسبة للإدارة الأمريكية، لأنها كانت تعد من أكثر الدول الإفريقية تعاونا مع المحكمة منذ انضمامها إليها سنة 2006، إذ سمحت طوال سنوات لمحققي المحكمة بجمع شهادات لاجئين سودانيين فروا من إقليم دارفور، تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وكشفت “لوموند” أن واشنطن تعتمد في حملتها على وسيلتين أساسيتين، تتمثل الأولى في إثارة مخاوف بعض الحكومات من احتمال ملاحقة مسؤولين تابعين لها أمام المحكمة الجنائية الدولية، فيما تقوم الثانية على التلويح بإعادة النظر في اتفاقيات التعاون الأمني والعسكري مع الدول التي ترفض الانسحاب، مستندة إلى خطاب يربط استمرار الشراكات الأمنية الأمريكية بموقف تلك الدول من المحكمة.

وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن أوغندا تلقت، في 24 يوليو، رسالة أمريكية تضمنت ما وصفته مصادرها بـ”إنذار” يدعوها إلى الانسحاب من المحكمة، مع التحذير من عواقب محتملة في حال رفضت ذلك، غير أن كمبالا لم تستجب حتى الآن، كما أفادت مصادر داخل الاتحاد الإفريقي بأن بنين كانت من بين الدول التي تلقت اتصالات مماثلة، دون أن تبدي أي استعداد لتغيير موقفها.

ولفتت “لوموند” إلى أن القاضية البنينية راين ألابيني غانسو، العضو في المحكمة الجنائية الدولية، كانت ضمن ثلاثة قضاة رفعوا دعوى أمام محكمة في نيويورك خلال يونيو الماضي، اعتراضا على العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على عدد من مسؤولي المحكمة، في خطوة تعكس تمسك بعض الدول الإفريقية باستمرار عمل المؤسسة القضائية الدولية.

ورغم إعلان انسحابها، أكدت تشاد أنها لا تسعى إلى الإفلات من العدالة الدولية، ودعت الاتحاد الإفريقي إلى مراجعة الآليات القضائية القارية وتعزيزها، بينما سبق لكل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو أن أعلنت الانسحاب من المحكمة تحت تأثير تقاربها مع روسيا، مع الدعوة إلى إنشاء هيئة قضائية خاصة بمنطقة الساحل.

واستعرضت الصحيفة عددا من التجارب القضائية الإفريقية، من بينها المحكمة الخاصة التي أنشئت في دكار سنة 2015 لمحاكمة الرئيس التشادي الأسبق حسين حبري، والمحكمة الجنائية الخاصة في جمهورية إفريقيا الوسطى، إضافة إلى المحاكمات الجارية في غينيا بشأن أحداث 28 شتنبر 2009، معتبرة أن هذه التجارب تظهر وجود بدائل إفريقية، لكنها لا تزال محدودة مقارنة بحجم الجرائم المرتكبة في عدد من مناطق النزاع.

ونقلت “لوموند” عن أستاذ القانون الدولي باتريك لابودا قوله إن العديد من الأنظمة القضائية الوطنية في إفريقيا لا تزال عاجزة عن ملاحقة مرتكبي الجرائم الخطيرة، خصوصا في منطقة الساحل والقرن الإفريقي، وهو ما يجعل المحكمة الجنائية الدولية، في نظره، آلية أساسية عندما تعجز المحاكم الوطنية عن أداء دورها.

وترى الصحيفة أن كل انسحاب جديد من المحكمة يمثل ضربة لمكانتها الدولية، ليس فقط بسبب فقدان مساهمات مالية من الدول الأعضاء، وإنما أيضا بسبب تراجع قدرتها على إجراء التحقيقات وتنفيذ أوامر التوقيف، وهو ما يهدد فعاليتها في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، في وقت يترقب فيه مسؤولو المحكمة نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية المقبلة، أملا في أن يفضي أي تغير في موازين القوى السياسية داخل واشنطن إلى تخفيف الضغوط المفروضة عليها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

15
  • Rachida
    الثلاثاء 4 غشت 2026 - 04:07

    يعني ترامب بفعلته هذه يقول أن مهما فعلت اسرائيل من جرائم في حق الإنسانية فلا يجب أن يحاكمها أحد أو يحاسبها.هذا السيد يريد أن يرجعنا إلى قرون خلت حيث يأكل القوي الضعيف دون أن يقل له أحد ماذا تفعل ولكن نسي أن هناك رب عادل من فوق سبع سموات سيقتص من كل ظالم طاغ وحقود ويرى الناس مجرد نمل يجب دهسه رغم أن النمل نفسه له إحترام كبير وكرمه الله في كتابه العزيز في سورة النمل وتحديدا الآية 18 ولا يسعنا إلا أن نقول حسبنا الله ونعم الوكيل في ترامب وحاشيته من الصهاينة السفاحين المجرمين ولهم يوم يقفون فيه أمام الله عز وجل حيث لن ينفعهم لا طغيانهم ولا سلاحهم ولا تجبرهم على الضعفاء

  • محمد
    الثلاثاء 4 غشت 2026 - 04:44

    عدالة التي لا تستطيع أن تنفذ أحكامها، تتحول إلى مجرد دار للنشر، و هي بذالك لا تستحق أن تحمل إسم عدالة.

    خيرا فعل ترامب.

  • س شكيب
    الثلاثاء 4 غشت 2026 - 05:27

    إذا كان هناك مخطط لالغاء هذه المحكمة فيجب على أمريكا اقتراح بديل لها مع استئناف ومواصلة الاحقيق والبث في جميع القضايا المطروحة أمامها ضد كل المتورطين وذلك في هيئة اخرى، هذا كان هناك فعلا عدل دولي. فلا يمكن الغاء مؤسسة دولية او إجراء دولي دون طرح بديل له واحسن كفاءة وصداقة منه، فاين هذا البديل؟

  • سينوح
    الثلاثاء 4 غشت 2026 - 05:53

    هناك محكمة الاهية لا تعرف لا تدخلات ولا تحيز الكل سواسية أمام مالك الملك رب الأرباب الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم

  • متتبع
    الثلاثاء 4 غشت 2026 - 07:31

    كل هذا من أجل الصهاينة و التغطية على جرائمهم البشعة…. لكن لازالت تنتظرهم محكمة السماء التي بها العدل الحقيقي و القصاص

  • الصخراوي
    الثلاثاء 4 غشت 2026 - 07:51

    هكذا هم يتامرون على كل من يقول كلمة الحق و على كل من تسول له نفسه ان يقف ضدهم. مبدأهم (معنا او ضدنا ). المؤسف هو أن وزن الدول العربية و الإسلامية كبير جدا في العالم لكنه لا يستثمر.

  • الحكم لله
    الثلاثاء 4 غشت 2026 - 09:06

    يجب اولا اعتقال الطاغية ترامب نظرا لارتكابه افظع الجرائم خلال نصف قرن ، فبعد جرائمه الجنسية في حق الطفلات بجزيرة إبستين واختطافه لرئيس دولة معترف بها و تدميره بلد آخر دون امر من الهيئات الدولية و مشاركته بالسلاح في عملية ابادة سكان غزة الى جانب سرقة نفط ڤنزويلا و ايران غيرها من الجرائم. و حسب ما يظهر فانه سيسمي نفسه ب “إمبراطور امريكا الاول”و سيبقى حاكما حتى هلاكه

  • حسن
    الثلاثاء 4 غشت 2026 - 10:18

    نعم المحكمة تدين أغلب المسؤولين الأفارقة فلماذا لا تحاكم الدول التي تشجع ونتعاون مع الانقلابيين في الدول الافريقية. يجب طرح بديل حتى يكون الجميع سواسية امام القضاء الدولي بدون استثناء الدول المسؤولون الداعمون الانقلابات وخلق التوترات الداخلية للدول خاصة الأفريقية.

  • مجهول
    الثلاثاء 4 غشت 2026 - 11:44

    امريكا لا تحترم لا القانون الدولي ولا المنظمات الدولية ولا حقوق الانسان ولا المقررات الدولية،والتي تريد فرضها على الاخرين..وان كانت هذه الدولة المارقة تسخر كل قدراتها وحيلها وخداعها،لإزالة محكمة العدل الدولية،رغم انها غير منخرطة في عضويتها،فإنها بهذا الفعل القبيح تريد ان تلغي القرار الصادر في حق المجرم نتن ياهو ،والذي ينص على تقديمه للعدالة الدولية لمحاكمته بتهم الإبادة الجماعية..وربما قد تجر هذه القضية ترامب نفسه الى هذه المحاكمة..

  • Nasseur Elgaddar
    الثلاثاء 4 غشت 2026 - 12:18

    كل هذا من اجل عيون السرطان الذي زرع وسط الامة العربية والإسلامية لا حول ولا قوة الا بالله

  • *مناضل حر*
    الثلاثاء 4 غشت 2026 - 14:02

    ترامب لا يعادي ما يسمى ب”محكمة العدل الدولية” حماية لنيتانياهو كما يعتقد بعض السذج السطحيين، وإنما لأنها أداة انتقائية بامتياز، مخصصة عملياً لمحاكمة الدول المتخلفة في أفريقيا والعالم العربي فقط. لم يسبق لهذه المحكمة أن حاكمت أي مسؤول أوروبي أو إسرائيلي متورط في جرائم حرب أو إبادة جماعية، باستثناء الرئيس اليوغوسلافي السابق ميلوشيفيتش وعساكره، وذلك بسبب حرب البوسنة التي هزت قلب أوروبا، ولإظهار القارة العجوز بمظهر المنتصر الأخلاقي. ونيتانياهو فهو لحد الان لم يتلقى سوى استدعاء حضور وليس حكم قضائي.
    وإلأا أين هذه المحكمة من المذابح الأمريكية في العراق وأفغانستان؟
    إنها عدالة الكفيل، وأداة ابتزاز واستعمار. هذه الانتقائية الفاضحة تسقط كل شرعية لهذه المؤسسة، وتثبت أنها مجرد مسرح هزلي يذكي الشعوب المتخلفة ويبرئ القتلة الكبار.
    العدالة الحقيقية لا تنتقي ضحاياها، ولا ترضخ لضغوط لوبيات الحرب. حين يفلت المجرمون بقوة الفيتو ويُحاكم الفقراء بذريعة حقوق الإنسان، فلا قيمة لهذه المحكمة سوى أنها أداة جديدة للاستعمار المقنع.

  • Rachida
    الثلاثاء 4 غشت 2026 - 14:56

    إلى المعلق سي شكيب من نيتك تريد من واشنطن أن تحدث بديلا يحكم بالعدل قبل أن تلغي هذه المحكمة الجنائية.لو كانت أصلا واشنطن تفهم في العدل لما تركت الصهاينة يستقوون على أهل فليسطين منذ ما يزيد عن سبعين سنة ولأوقفتهم عند حدهم ولكن هي تريد الغاء هذه المحكمة لتقول لاسرائيل إمرجي وصولي وجولي كما تشائين ليس فقط في فليسطين بل في الشرق الأوسط بأكمله ونحن في ظهرك نحميك بالنفوذ والعتاد والسلاح

  • محمد
    الثلاثاء 4 غشت 2026 - 15:04

    أن ترامب ومن خلاله الصهاينة يريدون محكمة تبيح لهم وتبارك لهم قتل وتعذيب وتجويع الدول التي لا نركع لهم .

  • مول غلالة
    الثلاثاء 4 غشت 2026 - 17:20

    هذا يدل على أن الدول الافريقية تدار عن طريق البيت الأبيض و كل المواقف و القرارات مصدرها واشنطن

  • بلانكي
    الثلاثاء 4 غشت 2026 - 18:56

    السؤال هو ماذا سيكون رد المغرب في حالة أن طلب منه الإنسحاب

صوت وصورة
رسالة يحيى يحيى لملك إسبانيا
الأحد 20 شتنبر 2026 - 15:05 6

رسالة يحيى يحيى لملك إسبانيا

صوت وصورة
خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 14:23 2

خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة

صوت وصورة
جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:25 6

جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان

صوت وصورة
عكاشة وحماية القدرة الشرائية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:22 1

عكاشة وحماية القدرة الشرائية

صوت وصورة
الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 01:09 3

الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة

صوت وصورة
أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم
الأحد 20 شتنبر 2026 - 00:19 4

أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم