"الحْريك" إلى سبتة المحتلة يكشف الوجه الاجتماعي لأزمة الهجرة غير النظامية

"الحْريك" إلى سبتة المحتلة يكشف الوجه الاجتماعي لأزمة الهجرة غير النظامية
صورة: أ.ف.ب
الثلاثاء 11 غشت 2026 - 06:00

عادة ما تبرز ظاهرة الهجرة غير النظامية بين فضاءين متباينين على المستوى التنموي؛ فهناك عوامل طاردة من جهة أولى، يمكن تلخيصها في الفقر، والبطالة، والتهميش، واليأس، وغياب الثقة في المستقبل، وضعف قنوات التنشئة السياسية والاجتماعية…، وعوامل جاذبة من جهة ثانية، يمكن إجمالها في وجود فرص العمل، واحترام الحقوق والحريات، والتسويق الإعلامي، وتمثلات الشباب لدول المقصد.

ويشكل الفضاء المتوسطي أحد أبرز المناطق المعنية بانتشار هذه الظاهرة على المستوى العالمي، مع تكاثر شبكات تهريب البشر، وتنامي المعضلات الأمنية والسياسية والاجتماعية في عدد من البلدان الإفريقية والعربية التي تدفع الأفراد إلى ركوب الهجرة بحثا عن فضاءات آمنة.

غير أن هذه الرحلات غالبا ما تتحوّل إلى مآس إنسانية بفعل ظروف التنقل (التعرض للسرقة والعطش والجوع والعنف والاغتصاب…)، أو بالغرق في عرض البحر بمراكب مهترئة تفتقد لأبسط شروط السلامة، ما جعل الكثير من المنظمات الدولية ذات الصلة تدق ناقوس الخطر محذرة من أن حوض البحر الأبيض المتوسط تحوّل إلى “مقبرة جماعية” للمهاجرين.

قبل أيام انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي أخبار تفيد بصدور حكم قضائي إسباني يمنع “الإعادة الفورية” للوافدين إلى الحدود بحرا، وهو ما حمّس الكثير من الشباب على ركوب غمار الهجرة غير الشرعية نحو سبتة المحتلة.

وفي ظرف قياسي وصل أكثر من أزيد من 60 ألف مهاجر مغربي من نساء ورجال وأطفال وشباب وكهول إلى هذه المدينة، ضمن رحلة قاسية خلّفت عددا كبيرا من الضحايا.

ساهم هذا العبور في إنعاش الخطابات المتطرفة والتحريضية التي أطلقتها الأحزاب وقادة اليمين المتطرف داخل عدد من البلدان الأوروبية، بين من تحدث عن “الغزو الإسلامي”، ومن دعا إلى تشديد التدابير والإجراءات على الحدود الأوروبية، وترحيل كل المهاجرين غير النظاميين فورا إلى بلدانهم، فيما اكتسحت الخطابات العنصرية ضد المهاجرين عددا من منصات التواصل الاجتماعي، بينما طالب البعض بتجميد العمل باتفاقية “شنغن” مع إسبانيا.

وبغضّ النظر عن السياقات التي رافقت هذا العبور، وسواء كان الأمر يتعلق بتحرك تلقائي بحثا عن وضع اجتماعي أفضل، أو بتساهل إسباني مع العابرين لترك هؤلاء عرضة للجوع والعطش والإهانة والمعاملات الحاطّة من الكرامة لاحقا، لدفعهم نحو العودة الطوعية وإقناعهم بعدم التفكير مطلقا في إعادة التجربة المريرة مرة أخرى، أو تعبيرا من المغرب عن رفض لعب دور “دركي المرور” لمواجهة الهجرة غير الشرعية نحو أوربا بشكل عام، وإسبانيا على وجه الخصوص، فإن الصور الصادمة لجموع العابرين مختلف الأعمار، التي انتشرت بسرعة كالنار في الهشيم، تدفع إلى طرح كثير من الأسئلة حول الأسباب التي دفعت فئات مجتمعية واسعة ومن طبقات اجتماعية مختلفة إلى ارتكاب هذه المجازفة الخطيرة التي خلفت أزيد من 60 وفاة.

حقيقة أن الأمر يسائل نجاعة السياسات العمومية في المجال الاجتماعي على مستوى توفير فرص الشغل والحدّ من الفقر، وتعزيز العدالة المجالية، وتطوير منظومة التعليم لتكون في مستوى الإشكالات الاجتماعية والمهن الجديدة. غير أن هذه الهجرة الجماعية وعلى قساوتها، وبخاصة فيما يتعلق بوفاة عدد كبير من الأشخاص، أبانت عن الكثير من الحقائق. فمن جهة أولى، أظهرت لكثير من العابرين الذين عادوا إلى بلدهم تلقائيا أن الصور الرائجة حول الحلم الأوروبي تظل في مجملها مجرد إشاعات، بعدما تعرض الكثير منهم إلى الصدمة بمجرد اجتياز الحدود، على وقع الجوع والعطش والتعرض للعنف المادي واللفظي.

وعلى المستوى الجيو-سياسي، ستظل قضية الهجرة غير النظامية عنصرا أساسيا في رسم مستقبل العلاقات المغربية-الأوروبية بشكل عام، والمغربية-الإسبانية على وجه الخصوص، تبعا لموازين القوة وامتلاك عناصر الضغط. فقد أتاحت هذه الأحداث، التي تناقلتها وكالات الإعلام الدولية وشبكات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، إعادة النقاش حول مستقبل مدينة مغربية هي “سبتة” وأخرى “مليلية” ما زالتا ترزحان تحت نير الاستعمار الإسباني، وحول أهمية تقاسم أعباء هذه الهجرة بين فضاءين متباينين تنمويا.

إن وقف زحف الهجرة غير النظامية وتحويل هذه المأساة الصادمة إلى فرصة لتجاوز الكثير من الإشكالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الذي تغذّي الشعور باليأس والخوف من المستقبل، يتطلب جهودا جماعية تعيد الثقة في النفس بالنسبة للشباب، من خلال إطلاق أوراش اجتماعية توفر فرص الشغل وتطور منظومة التعليم وتعزز الولوج إلى الخدمات الصحية، مع تبنّي تنشئة اجتماعية تقودها مختلف القنوات من تعليم وإعلام وهيئات مدنية وقطاع خاص تعزز الشعور بالمواطنة.

واعتبارا لكون الأمر يتعلق بظاهرة إنسانية عابرة للحدود، فإن الأمر يتطلب اعتماد شراكة أورو-متوسطية متوازنة تقوم على تعزيز التنمية داخل الدول المصدرة، عوض المبالغة في استحضار المقاربات الأمنية التي تركز على سياسة الجدران، والنظر إلى دول الضفة الجنوبية من المتوسط، بما فيها المغرب، كمجرد “شرطي مرور” لتنظيم التدفقات البشرية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

13
  • عار لم يسبق له مثيل.
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 06:59

    لا تزال إسبانيا خاضعة لسيطرة النظام العسكري، كما أن الإسبان هم أيضًا ضحايا العسكريين «الجهلاء» الذين يستغلون الأجانب ضد شعبهم؛ ومن أجل رفاهية الإسبان والمغاربة الأصليين، يجب نقل مهام الحرس المدني البائس إلى الجيش، حتى نتمكن نحن الشعوب من الدفاع عن أراضينا دون مساعدة من أحد، للأسف، الخونة يتصرفون بحرية تامة جنباً إلى جنب مع الأجانب الخونة ضد حضارة هذين المملكتين، حيث يستغلهم مواطنوهما ليكونوا كالحيوانات والعبيد على أراضيهم، حتى أن سبتة بالنسبة لهم هي الجنة التي تحمل وعوداً جديدة للمستقبل، لم يسبق لهم أن رأوا في حياتهم جنة كهذه على أراضٍ وأقاليم داخل أفريقيا، عار لم يسبق له مثيل.

  • Sa
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 07:16

    إذا رأى المرء أنه لا يملك فرصاً أو وظيفة مستقرة في وطنه، فلا بأس بالهجرة، شريطة أن يحافظ على صورة إيجابية للجالية المغربية. ومع ذلك، فإن معظم هؤلاء الشباب يسيئون التصرف، إذ يتورطون في الجريمة والإدمان. عليك أولاً تعلم اللغة واكتساب حرفة؛ وإلا، فمن الأفضل لك البقاء في بلدك. لقد عشتُ مهاجراً لمدة 26 عاماً ولم أواجه أي مشكلة مع الشرطة قط، رغم أنني عشتُ كمهاجر غير نظامي (أو ما يُعرف بـ “الحرّاق”) لمدة أربع سنوات وثمانية أشهر. سيأتي اليوم الذي تحصل فيه على أوراقك الرسمية، لذا احرص على ترك انطباع جيد. أعرف شخصاً في إسبانيا يعيش وضعاً غير قانوني منذ قرابة ثماني سنوات؛ وتُرفض طلباته باستمرار لأنه ضُبط يوماً ما من قبل الشرطة وهو في حالة سكر، وتسبب في الكثير من المتاعب في الحي. وعليك أيضاً أن تعلم أنه لا يمكنك الحصول على أوراق قانونية في سبتة (وهذا هو الحال منذ ثمانينيات القرن الماضي).

  • Paris maroc
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 07:16

    كيف لبلد يريد تنظيم كأس العالم أن يصل إلى هدا المستوى . العالم كله يتكلم على المغاربة الإعلان في أوروبا و أمريكا و إنجلترا . كلها فوجأت بما وقع . هدا الهروب عرى الوجه الحقيقة للأزمة اللتي يعيشها. الشعب المغربي من جراء غلاء المعيشة و كثرة الضرائب وغلق محلات الناس و هدم منازلهم و تشريد النساء و الأطفال و الشيوخ. صراحة نحن في فرنسا صدمنا بما حدث .صمعتنا أصبحت مشوهة . ابن كران. أخنوش. لقجع. وهبي . و بركات . يجبوا أن ينصرفوا عن السياسة المغاربة

  • AMIR
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 08:43

    ما شاهدناه وشاهده العالم باسره بالصوت والصوره ليس مجرد هجره سريه لا اشخاص من بلد إلى آخر. بل شوهه من العيار الثقيل وفضيحه عابره للقارات.
    مشاهد مشوهه كلها يندى لها الجبين وضعت صوره المغرب مسؤولين وشعب في الدرك الأسفل.
    المخجل هو هناك من يرون في الامر أمرا عاديا . الى حد انهم يباركون هذه الخطوه المجنونه..

  • مهتم
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 08:56

    الذي يحصل في سبتة هو اهانة للشعب المغربي . كيف يعقل اباء الأطفال القصار من بنات وشباب يرضون ان يربو النصارى أولادهم بطريقتهم الغير الإسلامية. أين هم المسلمون في المغرب لماذا لا يحتجون على هاذا. صراحتا أنا عندي غيرة كبيرة على سمعة بلدي المغرب وكنت أظن المغاربة غيورين على دينهم ولكن الآن عرفت على أن دين الإسلام في المغرب فقط مظاهر لا غير

  • Alawi mounir
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 09:00

    المشكل أن ما حصل ليس هجرة وانما عملية سياسية فاشله…..قام بها من لا يحترم حقوق الانسان و حقوق شعب المغربي….. كان من لازم فتح تحقيق في الحادث….لأن ما وقع لم نعرف مثله في تاريخ المغربي….

  • عينيك ميزانك
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 09:17

    الهجرة الجماعية لسبتة أكبر جواب على النمودج التنموي الجديد الدي سخرة له الدولة اموال طائلة لتنزيله فهو لم يجب عن الانتظارات الحقيقية للمغاربة من شغل وموائمت الحد الأدنى للأجور لتكلفة الحياة ليظهر ان السلطة التنفيذية تراوغ و تماطل و تستعمل الكذب لنصب على المواطنين.

  • اعبابو
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 09:29

    المغاربة لا يعيشون الفقر كما تعيشه عدة شعوب في العالم.لكن يمكن القول أن المغاربة مهووسون بالهجرة.

  • عقليات غير سليمة
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 11:50

    المغاربة أغلبيتهم،الذين ليس لهم تجربة،لم يخرجو ارض الوطن،دعاية أن الهجرة إلى الخارج تحل مشاكلهم الاقتصادية:يسيطر على عقولهم:حتى أنهم أصبحوا يشترون عقودا ،أو الحريك.مهما كان الثمن!ثرى عل وصل بينا الجهل إلى هدا الحد ؟وحين داك تصبح الملايين من الدراهم موجودة:ولا تفهم شيئا،كثيرا من الشعوب،أفقر منا نحن المغاربة:لكن تفكيرهم سليم،لا يفعلون ما يفعله كثيرا منا..أو ربما ثوؤثر الدعايات غير السليمة علينا؟!!واي كرامة أو احترام ننتضر من جيراننا الاسبان ؟عندما ننرسل لهم أبناءنا (القاصرين),ليتمو تربيتهم ويوفرو لهم مستقبل أفضل.لاانا بعضنا يلد ويقول الرزق على الله.فعلا الرزاق الله،لكن الله خلقنا كبشر بعقل لاإستخدامه.

  • محمد
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 14:12

    يمكن هاد الإيمات تتم الإستقالة الجماعية للحكومة إنشاء الله

  • حراق سابق وعائد من الجحيم
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 15:52

    أقولها وأعيد قولها ومهما كان كلامي مزعج للغوغاء الأميين الفاشلين:
    أن أبنائكم الذين “يحرقون” إلى إسبانيا عندما يصلون إليها وإن وجدوا فيها الشغل، فإنهم سيشتغلون عند أسيادكم المواطنين الاسبان فهم من سيشغلهم، وليس حكومة شانسيز هي التي ستستقبلهم بالورود وتمنحهم الشغل.
    وبلا ما تبقا تردد “الدولة ما دارتش” “الدولة فاشلة”…) راك انت الي فاشل وفي الحضيض وخاوي وما في يدكش، ما قادرش تبني المستقبل لولدك، وقيمتك لا تساي حتى عشر قيمة سيدك المواطن الأوروبي الذي يستعبد ابنك في مزارعه ومصانعه ومطاعمه وأعماله الخاصة؟
    سردياتكم الشعبوية الغبية وثقافتكم الرخيصة التي تتهم الدولة المغربية بعدم توفير الشغل للشباب ليست إلا وهماً سخيفاً وكذبة مكشوفة.
    الشباب يهربون لأن كم تافهين لا تخلقون الشغل كما يخلقه اسيادكم المواطنين الاوروبين لابنائهم ولابنائكم (الشياطا)

    تكررون الأسطوانة البليدة نفسها دون أن تفهموا أبسط الحقائق الاقتصادية: الهجرة يغذيها فشلك في ان تكون مواطن نافع ومفيد لبلدك كما المواطن الاوروبي الذي يبادر ويخلق الشغل والثروة لوطنه. كفوا عن هذا الجهل المركّب والاتهامات الفارغة التي تحجبون بها فشلكم.

  • ربط السلوكية بالمحاسبة.
    الثلاثاء 11 غشت 2026 - 16:34

    الاسئلة العالقة في المغرب منذ الاستقلال الى يومنا هذا، هي كتالي ،
    من المسؤول عن هذا الفشل والبطالة المستشرية وضياع شباب والاطفال حتى اصبح الامل شبه منعدم ؟ وكيف نحاسبه عن فشله؟ وماهي انجازاتكم الملموسة وليس البنيات التحتية اين بناء البشر والمواطنة والمواطنة واعطاء قيمة للمواطن مهما كانت مكانته فقيرا أوغني ، صغير او كبير ؟ اين هذه الإنجازات على ارض الواقع ؟ اين الكرامة ، الم نعد الآن عالميا بعد هاته الحادثة – شوهة وتراند لدولة لاتبالي بابناءها وتستهتر بمواطنها وتتركهم بدون تاطير ولا مواكبة ؟ اين هيبة الدولة؟ … لعندوا اجوبة يجاوبنا من هذ دكاكين سياسية .

  • محمد المانيا
    الجمعة 21 غشت 2026 - 07:08

    سبب هده الكارثة و أكبر شوهة في تاريخ المملكة اللتي جعلنا أضحوكة امام العالم .و أعداء وحدتنا الترابية يتنسمون في نشتراتهم الإخبارية. هو هدم المنازل و تشريد الشياب و هروب الشباب. سياسة الحكرة.دعم 500 درهم و البرلماني باجرة خيالية و السيارة الفارهه و زيد و زيد….ما غاضني و هو الحكومة و غلى راسها صاحب الجلابة لم تخرج باي تصريح. لم أفهم هدا الوطن .اللدي تحبه . صورة المملكة تلطخت امام العالم.

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة

صوت وصورة
بوانو ومخرجات الانتخابات
السبت 26 شتنبر 2026 - 11:30 10

بوانو ومخرجات الانتخابات

صوت وصورة
طنجة تحتفي بموسيقى الآلة
السبت 26 شتنبر 2026 - 10:44 2

طنجة تحتفي بموسيقى الآلة

صوت وصورة
احتجاج يندد بالتطبيع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 23:50 22

احتجاج يندد بالتطبيع

صوت وصورة
ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 21:43 3

ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون

صوت وصورة
بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 20:19 6

بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"