مستقبل سبتة ومليلية

مستقبل سبتة ومليلية
الجمعة 11 شتنبر 2026 - 23:15

 من منطقة رمادية إلى جهة أوروبية

الحديث عن مستقبل هاتين المدينتين السليبتين يعني التوغل في فضاء تَحجب فيه العواطف كل تحليل سياسي عميق وهادئ. كابن لمدينة تطوان، رئيس لجمعية تعنى بالعلاقات المغربية الإسبانية، ومُدافع عن الهويات المتعددة، هدفي من خلال هذا المقال هو الدعوة إلى تجاوز التصورات التقليدية، وتحويل هذه المتاهة العاطفية التي فرقت بين المغاربة والإسبان تاريخيا -وما فتئت-إلى نقاش عقلاني يستشرف التحديات التي تنتظرنا ويقدم بدائل ذكية للخروج من هذا الشرَك المزمن.

الرجوع إلى الماضي لنسيان الحاضر: تمرين لامجدي ومحفوف بالمخاطر

يعكس النقاش حول وضعية المدينتين انقساما تأريخيا عميقا: من جهة، هناك البحث التاريخي الدولي الرصين الذي يدعمه عدد من المختصين الإسبان والإنجليز والفرنسيين مثل مارموال كارفاخال، أسين بالاسيوس، روم لانداو، س. ر. بينيل، هنري طيراس وبرنار لوغان الذين يتفقون على قيام دولة المغرب ابتداءا من الأدارسة سنة 789 م. ستلاحظون أنني لم أذكر المؤرخين العرب والمغاربة حتى يكون تحليلي موضوعيا ومحايدا. في المقابل، ثمة تيار إسباني يقوده بعض الخبراء في القانون الدولي وبعض المؤرخين المنتسبين للمدينتين الذين يحاولون بطريقة مُغرضة تقليص هذه المدة لتبدأ مع تاريخ استقلال المغرب سنة 1956 أو مع بداية الدولة العلوية سنة 1666 على أكثر تقدير.

هدف هذه القراءة المُغرضة واضح ألا وهو فك ارتباط المدنيتين بالمغرب، ولذلك تلجأ إلى تحيز منهجي بإشراط شرعية الدولة المغربية باستمرار خطي للسلالات التي حكمته، عكس ما يُطلب من الدول الغربية التي عرفت انقطاعات على هذا المستوى وانفراطات وتحولات في التراب التابع لها.

لكن، “إذا طردت ما هو طبيعيا، يعود إليك راكضا”، يقول المثل الفرنسي!

عموما، أرى أن توجيه هذا النزاع عبر سرديات وطنية متصلبة وباراديغمات أحادية تلغي بعضها البعض لا يعدو أن يكون مونولوغا عقيما لا يفضي بصاحبه إلا إلى الباب المسدود واستدرار العنف. لذلك، سأعمل من خلال هذا المقال إلى تقديم بعض المداخل التي تمكننا من الانتقال من المنظور المتجاوَز الذي يسمى في علم السياسة والاقتصاد بألعاب المُحصِّلة الصفرية Jeux à somme nulle ، أي حين تكون أرباح طرف من النزاع تساوي خسائر الطرف الآخر، إلى منظور آخر قائم على منطق رابح-رابح.

الوضع الحالي: فضاء للخصومة والهشاشة

الواقع الحالي لسبتة ومليلية أعقدُ مما تتصوره تلك السرديات الإقصائية وفكُّ طلاسمه يستدعي التحلي بالنزاهة الفكرية والجرأة والاستشراف السياسيين لبناء استراتيجية ذكية ومشتركة تُمَكن من تجاوز الأزمة المزمنة.

الأكيد اليوم هو أن الجيبين المحتلين، وسبتة على وجه الخصوص، نقطتان تعانيان من هشاشة جيوستراتيجية كبيرة من جراء تقاطع وتراكب عدد من العوامل الحرِجة:

أولا، موقع سبتة المطل على مضيق جبل طارق الرابط بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، ثانيا، قربهما الشديد من أوروبا، ثالثا، وجود نزاع ترابي مزمن، ورابعا، وجودهما في منطقة تماس تعاني من لا تماثل اقتصادي فاضح وأكبر فرق في الدخل الفردي في العالم بأسره.

تضافر وتداؤب هذه العوامل يشكل محركا قويا ومستمرا للتدفقات البنيوية المهاجرين التي تتجاوز كل الحواجز المادية والتكنولوجية، يزيدها تعقيدا غياب آليات قانونية ودبلوماسية خاصة بإرجاع هؤلاء لدول المصدر والعبور.

الأنموذج الصارخ لهذا السيناريو هو ما حدث يوم 30 يوليوز الفارط، حيث كانت بضع ساعات كافية لإغراق أنظمة المراقبة وتغيير الخريطة الديمغرافية (في سبتة على وجه الخصوص). هذا يعني أن المدينتين “منطقتان رماديتان” حقيقيتان، أي مساحتان مفتوحتان على استعمال التضليل الإعلامي السيبراني وتدفق المهاجرين كأداة ضغط لتحقيق مصالح أطراف ودول متعددة.

تقرير Afrobarometer 2026 لا يضع مجالا للشك بأن الهجرة هي مشروع 300 مليون إفريقي في قارة يتم تفقيرها باستمرار، قارة فاق عدد سكانها مليارا ونصف أغلبهم من اليافعين والشباب، وهو ما ينذر بتفاقم ضغط الهجرة على هذين الثغرين في السنوات المقبلة، في ظل تحولات جيوستراتيجية كبيرة وحرب شرسة على الموارد والمواقع الاستراتيجية.

تحديات ونقط تحول: أجوبة جديدة لأسئلة معقدة

أمام مثل هذه التحديات، ليس هناك من حل سوى التوافق على حلول جديدة ومبتكِرة. إن كل نزاع يحتمل وجهين: إما أن يفضي إلى العنف والتدمير أو أن يكون محركا للتغيير الإيجابي، لتجديد التعاقدات وتحيين الحلول كي لا نكون مجرد كومبارس في مسرحية من إعداد الآخرين.

لذلك، المغرب وإسبانيا مطالبان بالتحلي بروح المسؤولية المشتركة من أجل الخروج من الجمود الذي يطبع ملف سبتة ومليلية، اجتناب تحويل المنطقة إلى بؤرة صراع يتعداهما، والحفاظ على روابطهما الاقتصادية والثقافية والبشرية.

نجاح هذا المسعى يفترض أولا أن نُعوض النظرة الاستعلائية بنظرة أفقية قائمة على الاحترام والاستماع الجيد إلى ما يقلق هذا الطرف وذاك. أيضا، يَفترض عملا عاجلا ومشتركا بين الاتحاد الأوروبي، المغرب وإسبانيا من أجل إيجاد صيغة للحكامة المشتركة لهذا الملف. إنه لعمري السبيل الوحيد الذي يضمن استقرار هذه المنطقة، ودونه سيدفع المغرب إلى مراجعة أوراقه تجاه الاتحاد الأوروبي أي مزيدا من التعقيد والمخاطر.

لهذا، أرى أنه يجب الإسراع بوضع استراتيجية متدرجة تقوم على الخطوات التالية:

-إنعاش اقتصاد المنطقة: لا يمكن التفكير في وقف تدفق الهجرة في ظل وجود فرق في الدخل الفردي يصل إلى خمس أضعاف بين سبتة ومليلية والأقاليم المجاورة التي عانت عقودا من التهريب بفضل الامتيازات الضريبية والدعم المالي لهاتين المدينتين، ثم عانت بعدها من جراء الوقف الفجائي لهذا النشاط. إذا أرادت بروكسيل استقرار حدودها الجنوبية، وجب عليها تقليص هذه الفوارق البنيوية لخلق منطقة عازلة وتوسيعها وإشراك سكانها في تحقيق الأمن. من أجل ذلك، آن الأوان لاستعادة وتحيين برنامج Plan PAIDAR-Med (2000) الخاص بتنمية الجهة المتوسطية للمغرب المتاخمة للمدينتين، لكن هذه المرة تحت الإشراف المالي والسياسي للاتحاد الأوروبي كي نحميه من الخلافات الإديولوجية داخل الحقل السياسي الإسباني التي أعاقت تنفيذه منذ أكثر من ربع قرن إثر رحيل أثنار وقدوم ثاباطيرو.

-إدماج المملكة المغربية بشكل نهائي في الاتحاد الأوروبي: لا يمكن للاتحاد الأوروبي الاستمرار في رفض الطلب الذي تقدم به المغرب منذ سنة 1987 بذريعة وجوده في إفريقيا والاستمرار في التمسك بحدوده الجنوبية في هذه القارة. هناك شيء غير منطقي في هذا الطرح. رغم مشاكله الداخلية، المغرب يظل البلد الأكثر استقرارا وتنمية في منطقته الجغرافية الحساسة، بل أكثر تطورا من بعض دول أوروبا الشرقية التي حصلت على مساعدات هائلة على مدى سنوات للالتحاق بالركب الأوروبي. الإدماج التام للمغرب في هذا الفضاء الاقتصادي والسياسي يعني إحداث تحول استراتيجي في علاقات أوروبا بدول الساحل والقارة الإفريقية بشكل عام. إن مغربا مقَرَّبا من أوروبا ومتحررا من السلاسل والمشاكل الحدودية التي صنعتها هذه الأخيرة أثناء ماضيها الاستعماري هو أفضل حليف لأوروبا، أما مغرب مستبعد وأسير لهذه العوامل فمصدر أخطار مستمرة وحتمية.

أكيد أن المرور من وضعية “الشريك المتقدم” إلى اندماج تام يستدعي تغيير الاتفاقيات والمعاهدات الأوروبية والشروع في مواءمة اقتصادية وديمقراطية وحقوقية في المغرب. أكيد أيضا أن ذلك سيتطلب سنوات، لكن الأهم هو فسح مجال للأمل ووضع خارطة طريق والخروج من المستنقع الآسن التي تُزكم رائحته الأنوف، ولعمري أن فوائد وعوائد هذا الاندماج أكبر مما نتصور وتحديدا على موضوع هذا المقال.

ولوج المغرب للاتحاد الأوروبي واتفاقية شنغن يعني تفكيك الحدود الحالية ومعها إخراج المدينتين من وضعية “المناطق الرمادية” وإبطال مفعول هذه القنبلة الموقوتة. بعد ذلك، نمر إلى إدراجهما مع المناطق المتاخمة لها في نموذج بين حدودي يسمى “الجهة الأوروبية” Eurorégionمما سيمكننا من المرور من منطق المواجهة والنزاع إلى منطق التعاون الاقتصادي والاجتماعي تحت غطاء الاتحاد الأوروبي وتمويله.

خاتمة:

“إن عدم تصحيح الخطأ بعد حدوثه هو الخطأ بعينه”، يقول كونفوشيوس، وتناسي تعقيد ملف هاتين المدينتين يعني تكرار الفشل في إدارة أزمات أخرى قادمة لا محالة وبشكل أشرس. المواجهة العنيفة هو حل مدمر بالنسبة للبلدين ويعني غياب المراقبة الحدودية، تعطيل التعاون الأمني وخسارة اقتصادية موجعة للبلدين في ظل تحديات جيوسياسية متغيرة ومتواترة.

هناك مسائل كثيرة يجب نسيانها كي لا تعيق حركتنا ونستطيع أن نتقدم، وإيجاد حل للنزاع حول سبتة ومليلية يستدعي ضخ الهواء في المياه الراكدة، ووضع خارطة طريق تدريجية تقوم على تحقيق التنمية الاقتصادية للمنطقة المتوسطية للمغرب وإدماج المغرب في الفضاء الأوروبي.

وعلى الحلول أن تسير بإيقاع التحديات.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • LE MAROC
    الجمعة 11 شتنبر 2026 - 11:56

    L’époque du colonialisme et révolu les îles et villes marocaines occupées doivent retourner à leurs places naturelles le maroc

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام