الانتخابات البرلمانية المقبلة… حين يغيب البرنامج ويحضر “الميركاتو”
في خضم الاستعدادات الجارية للانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026 ، يجد المواطن المغربي نفسه مرة أخرى أمام مشهد سياسي يطرح أكثر مما يجيب. فبينما تنشغل الأحزاب بصراعاتها الداخلية حول “التزكيات” وتتحرك قياداتها في ما يشبه “الميركاتو” الانتخابي ، يظل السؤال الأهم معلقا في الهواء: ما هي المشاريع الحقيقية التي ستنتشل المواطن من وطأة غلاء المعيشة والفقر؟
خطاب الوعود… وواقع الحاجة
لا يكاد يمر يوم دون أن تطلق قيادات حزبية تصريحات متفاوتة السقف. فمن يعد برفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم ، ومن يتعهد برفع الأجور بنسبة 15 في المائة مع منحة مدرسية ، في حين يعجز البعض عن تقديم رؤية واضحة للخروج من الأزمة الاجتماعية. هذه الوعود، في كثير من الأحيان، تُلقى في خطابات حماسية دون أن تكون مرفقة بآليات تنفيذ ملموسة، ودون أن يوازيها نقاش جاد حول مصادر التمويل أو تأثيرها على التوازنات المالية للدولة.
المشكلة الأكبر أن هذه التصريحات تأتي أحيانا من مسؤولين حكوميين سابقين أو حاليين، يعلمون جيدا حجم التحديات، لكنهم يوظفون لغة الوعود لاستمالة الناخبين في موسم الحملات، متناسين أن المواطن لم يعد يبحث عن الشعارات، بل عن حلول تلمس جيبه ومستقبل أبنائه.
لم يعد السؤال الذي يطرحه المواطن المغربي هو “لمن سأصوت؟”، بل الأكثر جوهرية: “ماذا سيتغير إذا صوتت؟”. هذا التحول في صياغة السؤال يكشف فجوة عميقة بين الخطاب السياسي والحياة اليومية للمواطنين. فطوال السنوات الماضية، امتلأت الحملات الانتخابية بالوعود من محاربة البطالة إلى تحسين الصحة والتعليم، لكن المواطن لا يعيش بالشعارات؛ إنه يعيش عندما يجد مدرسة لأبنائه، ومستشفى يقصده، وسوقا يشتري منه حاجاته .
هذه الفجوة أصبحت تهدد شرعية النظام الحزبي بأكمله. فالمشهد السياسي المغربي يعيش مفارقة قاسية: رهان وطني كبير يقابله فتور انتخابي متزايد وتآكل في مصداقية الطبقة السياسية. وقد وصل الأمر إلى أن الحلم بالهجرة أصبح بديلا عن الفعل السياسي، حيث يتزايد عدد الشباب الذين يرون في مغادرة البلاد حلا لمشاكلهم بدلا من الانخراط في العمل الحزبي .
أخلاقيات المنافسة… بين النص والواقع
حاول المشرع المغربي وضع إطار قانوني صارم للانتخابات، عبر منع المترشحين المدانين في قضايا اختلاس أو جرائم انتخابية من الترشح، وتشديد العقوبات على المحاولات الرامية لشراء الأصوات . كما دعت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربته (INPPLC) إلى اعتبار النزاهة مسؤولية جماعية، معتبرة أن المنافسة السياسية يجب أن تقوم على البرامج والثقة لا على التنازلات .
غير أن الواقع على الأرض يخالف هذه النصوص. فبدل المنافسة الشريفة على البرامج، نجد أنفسنا أمام تنافس على “المواقع” و”الامتيازات”، خاصة في ما يتعلق بالاستقطاب الحزبي الذي يعيد إنتاج نفس الوجوه، بل وأحيانا المشكوك في أخلاقياتها، على قوائم الترشيح. هذا النمط من الممارسة السياسية يغذي أزمة ثقة عميقة لدى الشباب، الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن إيجاد مكان لهم داخل مؤسسات تتحدث باسمهم دون أن تمثلهم .
التقاطب “الوهمي”… معركة بلا معنى
في المقابل، يسوّق الإعلام والمشهد السياسي المغربي لثنائية قطبية بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، في إطار محاولة إقناع المواطنين بأن المعركة الانتخابية هي بين “قطبين” متمايزين. غير أن هذا التقاطب، كما تصفه بعض الأصوات السياسية، “وهمي وغير حقيقي” .
فبدل أن تكون المنافسة قائمة على اختلافات فكرية واضحة، نجد أن الحزبين “كوجهين لعملة واحدة تقريبا”، يتبادلان الاتهامات الشخصية وليس البرامج. وبهذا، يريد البعض إقناع المغاربة بأن “السياسة انتهت في المغرب”، وأن النقاش السياسي أصبح محصورا بين هذين الحزبين دون بدائل حقيقية .
هذا التوظيف للتقاطب الوهمي، ينبه إلى “أن الوصفة الوحيدة التي لم نجربها في المغرب هي ديمقراطية حقيقية”، داعية إلى الذهاب نحو انتخابات حرة ونزيهة دون خلق سرديات أو تقاطبات وهمية تُبعد المواطن عن جوهر القضايا الاجتماعية والاقتصادية .
الترحيب السياسي… سياسة “الحقائب” لا “القناعات”
من أخطر الظواهر التي تفرغ العمل السياسي من معناه هي الانتقالات الحزبية الجماعية التي تعرفها الساحة المغربية مع اقتراب كل استحقاق انتخابي. ففي هذا “الميركاتو” السياسي، يمكن لسياسي أن ينتقل من حزب إلى آخر، بل من اليسار إلى اليمين والعكس، من دون أن يشرح للرأي العام أسباب هذا التحول. النتيجة أن الانتماء الحزبي فقد قيمته، وترسخت في الأذهان صورة السياسة كسوق مفتوحة للفرص لا كفضاء للدفاع عن مشاريع مجتمعية .
هذه الظاهرة خطيرة بشكل مضاعف على الشباب. فكلما شاهدوا سياسيا يتنقل بسهولة بين الأحزاب، ازداد اعتقادهم بأن السياسة مجرد مجال لتبادل المواقع والمصالح، وليس ميدانا للقناعات والبرامج. وهذا يفسر، إلى حد كبير، العزوف السياسي لدى جيل كامل، الذي يرى أن صوته داخل الأحزاب لا يساوي شيئا أمام سلطة القيادات التقليدية التي تحتكر المواقع والمزايا .
التقاطب “الوهمي”… معركة بلا معنى
في المقابل، يسوّق الإعلام والمشهد السياسي المغربي لثنائية قطبية بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، في إطار محاولة إقناع المواطنين بأن المعركة الانتخابية هي بين “قطبين” متمايزين. غير أن هذا التقاطب، كما تصفه بعض الأصوات السياسية، **”وهمي وغير حقيقي”** .
فبدل أن تكون المنافسة قائمة على اختلافات فكرية واضحة، نجد أن الحزبين “كوجهين لعملة واحدة تقريبا”، يتبادلان الاتهامات الشخصية وليس البرامج. وبهذا، يريد البعض إقناع المغاربة بأن “السياسة انتهت في المغرب”، وأن النقاش السياسي أصبح محصورا بين هذين الحزبين دون بدائل حقيقية .
هذا التوظيف للتقاطب الوهمي، ينبه إلى “أن الوصفة الوحيدة التي لم نجربها في المغرب هي ديمقراطية حقيقية”، داعية إلى الذهاب نحو انتخابات حرة ونزيهة **دون خلق سرديات أو تقاطبات وهمية** تُبعد المواطن عن جوهر القضايا الاجتماعية والاقتصادية .
الرهان الأخير… أيام حاسمة
في المحصلة، تتجه الأنظار نحو 23 شتنبر 2026، في انتظار ما ستسفر عنه هذه المحطة السياسية الحاسمة. فالمشهد مليء بالمتناقضات: من ناحية، هناك رهان وطني كبير يتطلب تعبئة الجميع، ومن ناحية أخرى، يعيش الفعل السياسي حالة من التآكل والانكماش غير المسبوقة. ومع ذلك، تبقى الأمل ضعيفا في إمكانية حدوث “السيناريو الأول”: أن تتمكن السلطات من تطبيق قواعد النزاهة بصرامة، وأن ترتفع نسبة المشاركة بشكل طفيف، وأن تفتح المنافسة الطريق أمام دماء جديدة قادرة على استعادة ثقة المواطن المغربي الذي لم يعد ينتظر سوى فعل حقيقي على الأرض، لا كلام في الأثير.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.