كعادته كلما أصدر كتابا جديدا، تصلني من صديقي الكاتب والباحث الدكتور محمد مصطفى القباج، عبر البريد التقليدي، نسخة موقعة تحمل اسمي وإهداءه؛ تلك العلامة الحميمة التي ظلت، على امتداد عقود من معرفتي بالرجل، تقاوم انقراض الرسالة الورقية وانحسار اليد التي تكتب إلى اليد التي تتلقى. ولعل في استمرار هذه العادة أكثر من مجرد وفاء لطقس شخصي؛ ففيها ما يشبه فلسفة القباج نفسه، في أن الإصرار على أن تظل المعرفة فعلا إنسانيا له أثر، وأن يظل الكتاب أثراً ماديا في عالم تتسارع فيه الوسائط حتى تكاد تمحو المسافة بين الفكر ومروره.
ومنذ عرفته، ظل الرجل مشدودا إلى أسئلة العالم في لحظاته الأكثر التباسا، يلاحق تحولات الوجود، ويفكك بنياته الظاهرة، ويحاول أن يستشرف ما تختزنه التحولات من طبقات مستترة، كأن الكتابة عنده ليست استجابة لما يحدث فحسب، وإنما تمرين دائم على استباق المعنى قبل أن يكتمل ظهوره.
غير أن ما يستوقفني في تجربة القباج، وهو يجس نبض الكينونة الجديدة التي تتشكل في تخوم عالم يتغير بسرعة تفوق قدرة المفاهيم القديمة على الإحاطة به، هو ذلك الميل المتكرر نحو المنطقة التي تبدأ فيها المعرفة بالتراجع أمام سرّ لا تستنفده اللغة، إنه الموت. هناك، عند تخوم المرئي واللامرئي، يضع القباج مجساته الفكرية في أكثر الأسئلة استعصاءً، لا لكي يقدم للموت تعريفا نهائيا، وإنما لكي يختبر حدود الإنسان أمام ما لا يستطيع امتلاكه معرفيا.
ولعل عبارته “لا أخاف الموت” لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها إعلانا نفسيا عن شجاعة فردية، وإنما بوصفها صيغة فلسفية تنطوي على مفارقة عميقة، فنحن لا نخاف الموت أحيانا لأننا نعرفه، وإنما لأننا نعترف بأن معرفتنا به مستحيلة. فالخوف في إحدى طبقاته، ابن المجهول؛ وكلما اتسعت مساحة المجهول اتسعت معها مساحة القلق الوجودي. وقد جعل هايدغر من الموت أكثر الإمكانات فردية وحسماً في وجود الإنسان، لأن الموت هو الحد الذي لا يستطيع أحد أن ينوب عنا في اجتيازه. إنه “الإمكان الأقصى” الذي يظل حاضرا في الوجود من دون أن يصبح تجربة مكتملة يمكن امتلاكها أو روايتها من داخلها.
لهذا تكتسب الكلمة التقديمية للكتاب، والتي اختار لها القباج قناع عدم اليقين دلالتها الأعمق “أنا غير متأكد من أن هذا الكتاب سيكون آخر كتبي..”. تبدو العبارة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها اعترافا بالغ الكثافة، أن الإنسان لا يعرف أين تنتهي كتابته، لأنه لا يعرف أين تنتهي حياته.
وبين الكتاب الأخير والكتاب الذي قد يأتي بعده تتشكل تلك المنطقة المعلقة التي لا يستطيع الفكر أن يحسمها. كأن القباج يضع الكتاب أمام الغياب ثم يترك الباب موارباً، لا خوفاً منه، وإنما اعترافا بأن المستقبل لا يمنحنا ضماناته. ووفق ذلك يصبح الكتاب نفسه فعلا مؤجلا أمام الموت. نصا يكتب احتمال الاستمرار بقدر ما يكتب احتمال النهاية.
ولعل هذه المفارقة تذكرنا بابن عربي حين جعل الموت انتقالا في مراتب الوجود، لا انطفاءً بسيطا لمعنى الكينونة، كما تستعيد من جهة أخرى، سؤال ليفيناس عن الآخر والموت بوصفه ما يتجاوز قدرة الذات على الاختزال والامتلاك. فالموت لا يقع أمام الذات كموضوع من موضوعات المعرفة يمكن الإمساك به من الخارج. إنه الحد الذي يعلن أن ثمة شيئا في الوجود يظل عصيا على القبض.
ولذلك فإن الكتابة عنه ليست كتابة عن “شيء” اسمه الموت بقدر ما هي كتابة عن عجز الإنسان عن تحويل النهاية إلى معرفة مكتملة. ربما لهذا كان سقراط في محاورة “فيدون”، يرى أن الفلسفة نوع من التهيؤ للموت، فيما جعل إبيقور من الخوف منه وهما يستند إلى مفارقة بسيطة، فحين نكون نحن، لا يكون الموت؛ وحين يكون الموت، لا نكون نحن. لكن هذه الصياغة العقلانية، مهما بلغت قوتها، لا تستنفد التجربة الإنسانية؛ لأن الموت يظل حاضرا في الحياة من خلال انتظاره، ومن خلال فقد الآخرين، ومن خلال الوعي بأن كل حضور يحمل في داخله إمكان الغياب.
تبدو الأقسام الثلاثة الأولى من كتاب القباج “لا أخاف الموت” أشبه بحفر متأنٍ في طبقات هذا السؤال القديم الجديد: كيف فكر العرب في الموت؟ وكيف حاول الفكر الغربي أن يروض دلالاته أو يفسر رهبه أو يمنحه معنى؟. غير أن قيمة هذا النبش لا تكمن في استعراض المواقف والمذاهب، وإنما في استعادة الموت بوصفه سؤالا يفضح حدود كل يقين. فكلما حاول الفكر أن يضع النهاية داخل نسق معرفي، تسرب منه شيء عصي على التعريف؛ وكلما ظن الإنسان أنه أحاط بالموت مفهوما، عاد الموت ليذكره بأن هناك دائماً مسافة بين أن تعرف شيئا وأن تختبره. ومن ثمة تتحول الكتابة إلى نوع من الاقتراب الحذر من الهاوية، لا لكي تقفز إليها، ولا لكي تدّعي القدرة على رؤية قاعها، وإنما لكي تتأمل الحافة التي يقف عليها الإنسان وهو يدرك أن وجوده نفسه مشروط بإمكان غيابه.
لهذا أقرأ “لا أخاف الموت” بوصفها نقيضا للطمأنينة السهلة.. إنها صيغة مقاومة، وربما صيغة تفاوض مع المجهول. فالذي يقول إنه لا يخاف الموت لا يعني بالضرورة أنه امتلك سرّه، وإنما قد يكون قد وصل إلى لحظة صار فيها الاعتراف بالمحدودية أكثر صدقا من ادعاء اليقين. فالكتابة تحت هذا النظر، تصبح محاولة لتدجين السؤال لا لإخضاعه، وللاقتراب من العدم دون تحويله إلى جواب.
وفي ذلك تحديدا تكمن قوة مشروع القباج، في كونه يمسك بجمر السؤال لا بجواب جاهز، ويقترب من الموت بوصفه منطقة كثيفة بالأسرار، حيث يتجاور الوجود والعدم، والذاكرة والنسيان، والحضور والغياب، ويظل الإنسان في النهاية، ذلك الكائن الذي يعرف أنه سيموت، لكنه لا يعرف ماذا يعني أن يموت.
ولعل أعمق ما يفعله القباج في هذا الكتاب أنه يردّ الموت إلى مكانه الفلسفي الأصلي، من حيث كونه، ليس نهايةً تقع في آخر الحياة، وإنما سؤالا يتخلل الحياة من أولها. فنحن لا نصل إلى الموت في اللحظة التي يتوقف فيها القلب؛ إننا نحمل إمكانه معنا في كل لحظة، ونبني ذاكرتنا ومخاوفنا وأحلامنا وكتاباتنا تحت ظله. لذلك فإن عبارة “أنا غير متأكد من أن هذا الكتاب سيكون آخر كتبي” تظل في تقديري، أكثر من تواضع أمام المستقبل؛ إنها صيغة فلسفية مفتوحة على احتمالين متجاورين، أن يستمر الكتاب لأن الحياة تستمر، أو أن يصبح الكتاب الأخير شاهدا على حياة لم تكن تعرف أنها كانت تكتب وصيتها الفكرية وهي تظن أنها تكتب كتاباً آخر. وبين الاحتمالين يقف القباج، كما يقف كل كاتب أمام مصيره، حاملا قلمه في مواجهة ذلك الغائب الذي لا يُرى، لكنه يظل حاضرا في كل سطر.
عجيب هذا التغني بالموت..عجيب هذه الجاذبية الغريبة والهوسية التي يمارسها. الموت..عجيب هذه القدرة على تجاهل الحياة، قيمة القيم، والتغني بالموت.. وهو عدم في عدم..هي ذي العدمية التي تسببت في أن البشر لا يرون نعمة الحياة و يقدسون سديم الظلام، إلى درجة أن هناك من يقول، دون أدنى إحساس بالعبث، أن للموت كينونة! وترجمة هذه العبثية الفكرية، في الشارع، بين الرعاع والدهماء، ليست شيئا آخر غير فكرة الاستشهاد و الدم يسيل غزيرا.. ما أحلى الحياة..واللعنة على الشر المطلق أي الموت.