التصويت والامتناع

التصويت والامتناع
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:43

ما الذي يعنيه التصويت والامتناع عن التصويت في علم السياسة؟

ليست الانتخابات مجرد لحظة دورية يتوجه فيها المواطنون إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم، كما أن التصويت لا يعني وضع ورقة في صندوق فحسب، ولا يمكن اختزال عدم التصويت في موقف واحد أو معنى واحد. وإنما يُعد الانتخاب، في علم السياسة، إحدى أكثر القنوات انتظاما التي يعبّر من خلالها الأفراد عن علاقتهم بالنظام السياسي، وبالمؤسسات، وبالأحزاب، وبالمرشحين، وبالشأن العام عموما. ولذا، لا يَقل السؤال عن عدد الذين صوّتوا أهمية عن التساؤل حول الذين لم يصوّتوا، بل إن قراءة الامتناع الانتخابي قد تكون، أحيانا، أكثر تعقيدا من قراءة الأصوات المعلنة.

ولهذا السبب، شغلت ظاهرة التصويت والامتناع عن التصويت علماء السياسة منذ عقود طويلة، وأصبحت من الموضوعات المركزية في دراسة السلوك السياسي والمشاركة السياسية؛ فمنذ أعمال أنطوني داونز وما ارتبط بها من مقاربات الاختيار العقلاني، إلى الدراسات التي ركزت على الواجب المدني والثقافة السياسية والفعالية السياسية والتعبئة الحزبية والشبكات الاجتماعية، لم يعد التصويت يُنظر إليه باعتباره فعلا بسيطا يمكن تفسيره بسبب واحد. وتشير الأدبيات المعاصرة إلى تعدد العوامل التي تؤثر في قرار المواطن بالمشاركة أو الامتناع، وإلى استمرار النقاش حول الأهمية النسبية لكل منها.

تُضفي الانتخابات الديمقراطية على النشاط السياسي صبغة اجتماعية، على أساس أن الانتخاب هو شكل مؤسسي من أشكال الاشتغال الجماعي بالسياسة، فإدلاء الأفراد بأصواتهم بدلا من الاشتغال بشكل آخر من أشكال السلوك السياسي، إنما هو نتيجة لسياسة وطنية تخلق فرصة للتصويت. وبالانتخابات تقوم الحكومة بتعويد المواطنين على أن يسلكوا مسلكا سلميا للتغيير، وبذلك يتم تقليل التهديد الذي يمكن أن تمثله المشاركات الملتهبة وغير المنظمة على النظام القائم. بمعنى آخر، التصويت ليس مجرد فعل فردي، وإنما هو أيضا شكل من أشكال المشاركة الجماعية في إنتاج السلطة السياسية أو إعادة تشكيلها.

غير أن هذه الوظيفة لا تعني أن المشاركة الانتخابية هي الشكل الوحيد للمشاركة السياسية، ولا أن عدم الذهاب إلى صندوق الاقتراع يعني بالضرورة عدم الاهتمام بالسياسة. وهنا بالضبط تبدأ المشكلة المفاهيمية المتمثلة في جمْع ممارسات سياسية مختلفة، وربما متعارضة في دوافعها ودلالاتها، داخل خانة واحدة هي «العزوف» أو «عدم المشاركة».

ولذلك، يبدو استعمال عبارة «الامتناع عن التصويت» أكثر دقة من توظيف تعبير «العزوف» في كل الحالات؛ فهناك فرق بين من يقاطع الانتخابات احتجاجا، ومن لا يجد في المرشحين ما يقنعه، ومن يذهب إلى صندوق الاقتراع ثم يبطل صوته، ومن لا تعنيه السياسة أصلا. وهو ما يفرض التمييز، على الأقل من الناحية التحليلية، بين مقاطعة الانتخابات، والعزوف عن المشاركة، وإبطال الصوت، واللامبالاة السياسية.

المقاطعة ليست عزوفا، والعزوف ليس لامبالاة

مقاطعة الانتخابات ليست مجرد عدم الذهاب إلى صناديق الاقتراع. فالمقاطعة، عندما تكون فعلا سياسيا واعيا ومنظما، تحمل رسالة احتجاجية تتجاوز المرشح أو الحزب أو البرنامج الانتخابي إلى الاعتراض على قواعد العملية السياسية أو شروطها أو نتائجها المتوقعة. وقد تستهدف المقاطعة انتخابات بعينها، أو نظاما انتخابيا، أو شروط المنافسة، أو طبيعة العلاقة بين المؤسسات السياسية والمجتمع. ولذلك لا يصح النظر إلى المقاطع باعتباره بالضرورة مواطنا غير مهتم بالسياسة؛ فقد يكون على العكس من ذلك شديد الاهتمام بالشأن العام، لكنه يختار التعبير عن موقفه من خلال عدم المشاركة.

وتكتسب المقاطعة دلالة سياسية أكبر عندما تتحول من قرار فردي إلى فعل جماعي واع ومؤطر، لأن الرسالة هنا لا تعود مرتبطة بعدم رغبة أفراد متفرقين في التصويت، وإنما تصبح تعبيرا عن رفض أو اعتراض جماعي على جانب من جوانب العملية السياسية. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يصبح الامتناع الجماعي نفسه شكلا من أشكال الفعل السياسي، لا نقيضا للسياسة.

أما العزوف عن المشاركة في الانتخابات فهو شيء مختلف. فالعازف قد لا يكون لديه اعتراض أساسي على قواعد اللعبة السياسية أو على مبدأ الانتخابات ذاته، وإنما قد يكون وصل، بفعل تجارب متراكمة، إلى حالة من الإحباط أو عدم الاقتناع بالمرشحين أو البرامج أو جدوى التصويت. وقد يرى أن الخيارات المعروضة لا تمثله، أو أن الفارق بين المتنافسين لا يستحق عناء المشاركة، أو أن صوته لن يغير شيئا في النتيجة.

وهنا لا ينبغي أيضا الخلط بين العزوف الانتخابي والعزوف عن السياسة. فقد لا يصوت المواطن، لكنه يتابع النقاشات العمومية، ويقرأ الأخبار، ويناقش السياسات الحكومية، ويشارك في الاحتجاجات، أو ينخرط في جمعيات أو شبكات اجتماعية، أو يتفاعل مع قضايا عامة خارج المؤسسات الانتخابية. ومن ثم، يمكن أن يكون المواطن عازفا عن الانتخابات في استحقاق معين، ثم يصوت في استحقاق آخر، بحسب تغير المرشحين أو القضايا أو الظروف السياسية.

وفي المقابل، لا ينبغي إدراج كل من لم يصل إلى صندوق الاقتراع في خانة العازفين بالمعنى السياسي. فهناك من يرغب في التصويت لكنه يواجه عائقا قانونيا أو إجرائيا أو ماديا: عدم التسجيل في اللوائح، أو البعد عن مكان التصويت، أو ظروف العمل، أو المرض، أو السفر، أو غير ذلك من الموانع. وهذا امتناع واقعي عن التصويت، لكنه لا يحمل بالضرورة الموقف السياسي الذي يفترضه مفهوم العزوف.

ثم هناك إبطال الصوت (الأوراق الملغاة)، وهو بدوره سلوك مختلف. فالمواطن الذي يتوجه إلى مركز التصويت ثم يضع ورقة فارغة، أو يقوم بالتشطيب على أكثر من اختيار، أو يتعمد جعل ورقته غير قابلة للاحتساب، قد يكون قد اختار المشاركة في العملية الانتخابية، لكنه رفض أن يمنح صوته لأي من البدائل المعروضة. وفي هذه الحالة يصبح فعل الحضور نفسه ذا دلالة، بينما يأخذ شكل التصويت معنى احتجاجيا أو تعبيريا.

والأمر هنا يتعلق، بطبيعة الحال، بالصوت الملغى عن وعي، لا بالأصوات التي أُبطلت بسبب خطأ في طريقة التصويت، أو بسبب عدم معرفة قواعد الاقتراع. فالمظهر الخارجي واحد، لكن المعنى السياسي مختلف تماما. وتشير بعض الدراسات المقارنة إلى أن التصويت غير الصحيح يمكن أن تكون له، في بعض السياقات، أبعاد سياسية مرتبطة بعدم الرضا عن الانتخابات أو الأداء الديمقراطي، وإن كان من الضروري التمييز بين هذا النوع من الإبطال وبين الأخطاء غير المقصودة.

أما اللامبالاة السياسية، فهي أوسع من الانتخابات نفسها؛ فاللامبالي لا تعنيه كثيرا نتائج الانتخابات، ولا تستقطبه النقاشات السياسية، ولا يرى في المشاركة في الشأن العام نشاطا يستحق اهتمامه. وهي ظاهرة يمكن أن نجدها لدى الفقير والغني، والمستفيد والمتضرر من السياسات العمومية، والمتعلم وغير المتعلم. فلا توجد علاقة آلية بين المستوى التعليمي والاهتمام السياسي، إذ يمكن أن نجد شخصا لا يحمل أي شهادة لكنه يتابع تفاصيل الحياة السياسية، في حين نجد من بين حملة الشهادات العليا من لا يوليها أي اهتمام.

وللامبالاة أسباب متعددة، تتصل بالتنشئة الاجتماعية، والثقافة السياسية، والشعور بالفعالية السياسية، والثقة في المؤسسات، وطبيعة العلاقات الاجتماعية، وغيرها من العوامل التي لا يسمح المجال بتفصيلها هنا. لكن أهم ما يميزها عن المقاطعة والعزوف هو أن اللامبالاة لا تحمل، في الأصل، رسالة سياسية واضحة؛ فالمقاطع يريد أن يقول شيئا بعدم مشاركته، والعازف قد يكون غير مقتنع بالخَيارات المعروضة، أما اللامبالي فإنه لا يرى، أصلا، أن الانتخابات أو السياسة تستحق أن تشغل حيزا مهما من اهتمامه.

وفي هذا السياق، تظل إسهامات غابرييل ألموند وسيدني فيربا ذات أهمية خاصة، خصوصا من خلال كتابهما «الثقافة المدنية» الصادر سنة 1963، حيث ميزا بين الثقافة السياسية المشاركة، وثقافة الخضوع، والثقافة الهامشية أو المحلية، باعتبارها أنماطا نموذجية للعلاقة بين المواطن والنظام السياسي.

وبهذا المعنى، فإن اللامبالاة لا ينبغي أن تُفهم فقط بوصفها موقفا فرديا من الانتخابات، وإنما باعتبارها مؤشرا على درجة اندماج الفرد في الحياة السياسية؛ فكلما ابتعد المواطن عن الاهتمام بالشأن العام، وضعف شعوره بقدرته على التأثير فيه، تراجعت إمكانية تحوله من مجرد متلق للسياسات إلى فاعل فيها.

وحين تصمت قنوات الوساطة..

لا ينفصل سؤال سببُ امتناع المواطن عن سؤال آخر يتمحور حول ما فعلته المؤسسات والأحزاب والمرشحون من أجل إقناع المواطنين بأن أصواتهم تستحق أن يُدلى بها؟

تؤدي الأحزاب، في صورتها التقليدية، وظيفة الوسيط بين المجتمع والدولة من قبيل تأطير المواطنين، ونقل المطالب الاجتماعية إلى المؤسسات، وتقديم البرامج والبدائل، والإسهام في التنشئة السياسية وتسييس المواطنين، فهي قوى مُسيِّسة (Forces politisantes) حسب تعبير جورج بوردو، وليست قوى سياسية. لكن حين تضعف هذه الوظيفة، تتسع المسافة بين المواطن والمؤسسات السياسية.

ويحدث ذلك في ظل تراجع ثقة الشارع بـ«حراس البوابة» والوسائط الحزبية المؤسسية. وإذا طبقنا على هذه الوسائط نموذج دافيد إستون، يتضح أن شللها أو استغراقها بداخل الدولة يؤدي إلى ظاهرة شلل القنوات، وتراكم المطالب الاجتماعية غير المعالجة مما يولد انفجارات احتجاجية صاخبة، ويفسح المجال للقوى غير المُهيكَلة، لا سيما عندما تتبنى خطابا يناهض النخب الحاكمة و«الكارتيل الحزبي».

تتعمق الأزمة أكثر بفعل تآكل التمايزات الأيديولوجية بين القوى السياسية؛ إذ إن تنافس الأحزاب على الاندماج في مؤسسات الدولة، وعلى التمويل العمومي، أدى إلى خلق انطباع لدى المواطنين بأن التداول مجرد «تناوب شكلي» بين طواقم متشابهة من التكنوقراط والمدبرين الإداريين، الذين يطبقون نفس البرامج الاقتصادية دون تغيير ملموس في السياسات العامة. وعندها لا يعود المواطن يرى الحزب بوصفه قناة للتعبير عن مطالبه، وإنما باعتباره جزءا من جهاز سياسي بعيد عنه. وهذه المسافة لا تنتج بالضرورة الامتناع وحده؛ فقد تدفع إلى بروز أشكال أخرى من التعبير السياسي، من مِثل الحركات الاجتماعية والاحتجاجات الفجائية أو ما أسماه برتران بادي «انتفاضة المدن» بوصفها آلية تعبئة جديدة تتميز بـسيولتها الكبيرة، لكونها تظهر بشكل مفاجئ وغير متوقع ولا تستجيب لأي شعار حزبي تقليدي، من خلال اعتمادها استراتيجية التعبئة الاجتماعية التي تستفيد من سياسة التمدن ومحو الأمية لتجاوز الهياكل الوسيطة.

علما أن الثورة الرقمية أدت، في هذا الصدد، دور «المسرع» لهذا التغيير في الأشكال التعبيرية، نظرا لكونها أفرزت فاعلا اجتماعيا جديدا يوصف أحيانا بـ«نت هامسترز» (Net hamsters)، وهم شباب حضريون متعلمون يستخدمون الوسائط الاجتماعية لتطوير شبكات سياسية مستقلة لم تعد مجرد أدوات ترفيه أو تواصل، بل تحولت إلى أداة للقوة مكنت الشباب من كسر احتكار الدولة للمعلومة، وتنسيق الاحتجاج، وبناء فضاءات عمومية بديلة خارج الإعلام الرسمي، سمحت بانتقال السياسة من الفضاء المؤسسي المغلق إلى فضاء رقمي مفتوح، تتداخل فيه التعبئة المحلية مع التضامن العالمي.

لماذا يصوت الناس إذن؟

لا يمكن تفسير الامتناع دائما باعتباره قرارا عاطفيا أو احتجاجيا؛ إذ قدمت نظرية الاختيار العقلاني أحد أشهر التفسيرات التي تنظر إلى التصويت من خلال حساب الكلفة والمنفعة؛ فإذا كان المواطن يُنفق وقتا وجهدا للحصول على المعلومات الانتخابية، ويتحمل كلفة الذهاب إلى مركز التصويت، في حين يكون احتمال أن يكون صوته حاسما في النتيجة ضعيفا، فقد يبدو الامتناع منطقيا وفق الحساب النفعي الصرف. غير أن هذا التفسير يصطدم بما يعرف في الأدبيات بـ«مفارقة التصويت»: لماذا يذهب ملايين المواطنين إلى صناديق الاقتراع على الرغم من أن تأثير أصواتهم يبقى محدودا؟

ولذلك توسعت الدراسات لتأخذ بعين الاعتبار عناصر أخرى، مثل الواجب المدني، والهوية الجماعية، والانتماء الحزبي، والشعور بالفعالية السياسية، والتعبئة الاجتماعية، وشبكات العلاقات، والرهانات التي يعتقد الناخب أنها مرتبطة بالانتخابات؛ إذ أظهرت مراجعة العديد من الأدبيات أن تفسير المشاركة الانتخابية لا يمكن رده إلى عامل واحد، وأن تأثير المؤسسات والنظم الانتخابية والتنافس الحزبي والتعبئة يختلف باختلاف السياقات.

الانتخابات لا تَقيس المشاركة فقط

لا يعني ارتفاع نسبة الامتناع تلقائيا أن المجتمع أصبح أقل اهتماما بالسياسة، كما لا يعني ارتفاع نسبة المشاركة، بالضرورة، أن جميع المصوتين راضون عن النظام السياسي، فالمشاركة قد تكون مشاركة تأييد، وقد تكون مشاركة خوفا من نتيجة معينة، وقد تكون نتيجة تعبئة حزبية أو اجتماعية أو مادية، وقد تكون ببساطة عادة انتخابية. وبالمقابل، يمكن أن يكون الامتناع تعبيرا عن الاحتجاج، وقد تكون تعبيرا عن عدم اقتناع، أو يكون لامبالاة، أو يكون ظرفا عابرا.

لهذا السبب، لا ينبغي أن نتعامل مع الرقم الإجمالي للمشاركين أو الممتنعين باعتباره يحمل معنى واحدا جاهزا، لأن الرقم الانتخابي يحتاج إلى قراءة، والقراءة تحتاج إلى تفكيك، والتفكيك يستدعي السؤال: من امتنع؟ ولماذا امتنع؟ وهل كان امتناعه موقفا سياسيا واعيا؟ وهل شارك في أشكال أخرى من النشاط السياسي؟ وهل امتنع عن التصويت في هذه الانتخابات فقط أم أصبح عدم التصويت نمطا مستقرا عنده؟ وهل يتعلق الأمر بمقاطعة منظمة أم بعزوف فردي أم بلامبالاة؟

إن المشكلة، في نهاية المطاف، ليست في أن يصوت المواطن أو لا يصوت فقط، وإنما في المعنى السياسي الذي يحمله فعله. وذلك بالنظر إلى أن الصندوق الانتخابي لا يسجل الأصوات وحدها؛ إنه يسجل، بدرجات مختلفة، أنماطا من الثقة والرفض والاقتناع والاحتجاج واللامبالاة. ومن ثم، لا تكتمل قراءة الانتخابات بمجرد إعلان النتائج، لأن ما يحدث داخل الصندوق جزء من القصة، وما يحدث خارجه جزء آخر منها.

وبعبارة أخرى، لا يُلغي الامتناعُ عن التصويت المعلوماتَ التي تقدمها الانتخابات، بل يُنتج نوعا آخر من المعلومات؛ فالرقم الذي يخبرنا بأن نسبة معينة من المواطنين لم تصوت ليس مجرد خانة فارغة في جدول النتائج. إنه معطى يمكن مقارنته بمستويات المشاركة في انتخابات سابقة، وبالتركيبة الاجتماعية والجغرافية للمشاركين، وبمستوى التنافس، وبالثقة في المؤسسات، وبقوة الأحزاب وقدرتها على التعبئة. وهذا هو المعنى الذي يجعل الانتخابات – حتى عندما تكون المشاركة فيها محدودة أو عندما تكون الخيارات المتاحة غير مقنعة لجزء من الناخبين – نافذة يمكن من خلالها ملاحظة التوازنات الاجتماعية ورسائل الاحتجاج والامتثال. وهكذا، لا تقول الانتخابات فقط من فاز ومن خسر، بل تمنح أيضا تصورا عن العلاقة بين المجتمع والمؤسسات التي تمثله.

في نهاية المطاف، يتضح أن أنظمة الحكم تهتم بالمشاركة المرتفعة في الانتخابات، لأنها تظل الخيار الأفضل والأكثر نجاعة مقارنة بظاهرة الامتناع؛ كونها تساهم بشكل مباشر في تعزيز استقرار هذه الأنظمة ودعم مشروعيتها، عبر تحويل الفعل السياسي إلى سلوك مؤسسي سلمي يُقلل من التهديدات والمخاطر التي قد تنجم عن الأشكال غير المنظمة للمشاركة. وفي المقابل، يظل الامتناع عن التصويت، على اختلاف خلفياته ودوافعه، مؤشرا يستحق الانتباه، لأن ارتفاعه لا يعني بالضرورة الشيء نفسه في كل مجتمع، لكنه يكشف، في حد ذاته، عن مسافة آخذة في الاتساع بين جزء من المواطنين والعملية السياسية. وحين يتحول هذا الامتناع من حالة عرضية إلى اتجاه مستقر، وحين يترافق مع ضعف الثقة في المؤسسات وتراجع الوساطة الحزبية وانكماش الاهتمام بالشأن العام، فإنه يصبح أكثر من مجرد رقم في نتائج الانتخابات، وإنما يصبح إشارة إلى خلل يحتاج إلى قراءة ومعالجة، وقد يؤشر على مستقبل لا يكون بالضرورة مريحا للنظام السياسي، لأن استقرار الأنظمة لا يقاس فقط بقدرتها على تنظيم الانتخابات، وإنما أيضا بقدرتها على إقناع المواطنين بالمشاركة فيها؛ فالانتخابات، حسب لاكروا، ليست مجرد اختيار عقلاني للمرشحين بل هي طقس مسرحي لتجديد الإيمان بالمنظومة ككل: «التصويت، كما يُقال، هو أيضا تصويت لصالح التصويت ذاته». ولذلك، حتى في الحالات التي تغيب فيها المنافسة الحقيقية، تظل نسب المشاركة ونمط الامتناع يبعثان بـ «رسائل احتجاج خفية» تكشف التوازنات الاجتماعية والمزاج العام داخل المجتمع.

تنوبه: تجنّبت في هذا المقال الصحفي الإحالات والهوامش الأكاديمية، لكي لا أثقل على القارئ بذكر المراجع والصفحات. لكن الأفكار الواردة فيه ليست وليدة ملاحظة عابرة، بل تجد أصولها في كتابات متعددة داخل علم السياسة من غابرييل ألموند وسيدني فيربا حول الثقافة السياسية، إلى دافيد إستون في تحليل النظام السياسي وقنوات الوساطة، مرورا بــبرتران بادي في حديثه عن الدلالات الخفية للانتخابات، ودومينيك شانيولو في تحولات الأحزاب والوساطة السياسية، وستيفن دي تانسي في تناوله لقنوات الفعل السياسي، فضلا عن أدبيات الاختيار العقلاني والسلوك الانتخابي. وهي جميعها، رغم اختلاف منطلقاتها، تلتقي عند حقيقة واحدة: أن التصويت والامتناع ليسا مجرد رقمين متقابلين في محضر انتخابي، بل مدخلان لفهم علاقة المواطن بالسياسة بشكل عام وبالمؤسسات السياسية بشكل خاص.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"