مقامة العكّاز

مقامة العكّاز
صورة: أرشيف
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 17:03

حدّثني صاحبي، وكان ممّن خَبرُوا تقلّب الأيّام، وعرفوا أن للدَّهر يدًا ترفعُ وأخرى تَضع، فقال: دخلتُ مدينةً قديمة الأسوار، حديثة الأخبار، يتزاحم الناس في طرقاتها، وتركض الأجيال في دروبها، ويأتيها كل صباح بوجهٍ جَديد. تتبدّل فيها المتاجر والمباني، وتكبُر الأشجار والصّغار، وتغيب أسماءٌ وتحضر أخرى، حتى ليخيّل إلى العَابر أن لا شيء فيها يأمَنُ تقلّبَ الزَّمان. وبينما أنا أطوفُ بساحتها الكبرى، وأتأمّل ما صنع الجديدُ بالقديمِ، طرقَ سمعي صوتٌ منتظمٌ يأتي من بَعيد: تك… تك… تك… فسألت صاحبي عن الخبر، فابتسم وقال: ذاك صوت تعرفه المدينة منذ زمن، حتى صار بعض أهلها يعرفون القادم من وقْع عكّازه قبل أن يعرفوه من وقْع خِطابه.

وما هي إلا لحظات حتى انفرج الجَمْعُ عن رجلٍ قد جاوز من العُمر ما جَاوز، وفي يده عكّاز أمْلسَ الرّأس، عتيقَ العهد، شديدَ الصّبر، كأنما قُطع من شجرة شهِدَت أوَّل الحِكاية ثم أبَتْ أن تُغادر قبل أن تعرف خاتِمتها. كان الرجل يتوكأ عليه إذا مشى، ويرفعه إذا تحمّس، ويقرع به الأرض إذا أراد لكلماته أن تستقر في الآذان. فإذا قال: “المستقبل”، ضربَ ضربةً، وإذا قال: “النهضة”، أتبعها بأخرى، وإذا بشّر الناس بالغد، خُيّل إليّ أن العكّاز وحده يعرف كم غدًا مرّ على هذه البشارة. فنظرت إلى الرجل ثم إلى العكّاز، وطال بي النظر حتى التبس عليّ الأمر: أيهما صاحب الآخر، وأيهما صار بمرور الأيام أشد حاجة إلى صاحبه؟

سألت شيخًا كان يقف إلى جواري: منذ متى وهذا العكّاز معه؟ فحكّ لحيته وقال: أدركته وأنا غلام. قلت: والرّجل؟ قال: أدركتُه معَهُ. قلت: فأيهما جاء أوّلًا؟ فضحك وقال: تلك مسألة اختلفَ فيها أهلُ الأخبار؛ فمنهم من زعم أن الرّجل احتاج إلى العكّاز، ومنهم من رأى أن العكّاز وجد في الرّجل وظيفة لا يخشى معها البطالة، ثم طال الخلاف حتى نسيَ الناسُ أصلَ السُّؤال، وبقي الرّجل والعكّاز. عندها أدركت أن بعض الصحبة إذا طال أمدها محَت حدود الأشياء، فلا يعود المرء يعرف أين تنتهي الحاجة وأين تبدأ العادة.

وكان للعكّاز، على طول خدمته، فضيلةٌ لم أجِدْها في كثيرٍ ممَّن حوْله: لم يدَّع يومًا أنه شيء غير عكّاز. إذا مالَ صاحبه مالَ معهُ، وإذا توقّف توقّفَ، وإذا تعثّر أسندَه، وإذا عجزت القدمُ لم يقلْ إن التّعثر قفزةٌ إلى الأمام، ولم يصدر بيانًا يثبت أن الوقوف نوع متقدم من السير، ولم يشكّل لجنة تبحث أسباب السقوط ثم تنسى السَّاق الممدودة على الأرض. كان يؤدّي مهمّته في صمت وينتهي الأمر. فقلت في نفسي: ما أصدق الخشب حين يعرف حدوده، وما أعجب الإنسان حين يجهلها.

ثم بلغ الرّجل منصَّته، واصطفّت حوله الوُجوه، وارتفعت الرّؤوس، وسكن المكان انتظارًا للكلام. رفع يده وقال بصوت ملأ الساحة: “إلى الأمام!” فنظرتُ إلى الطريق، ثم نظرتُ إلى العكّاز، ثم التفتُّ إلى شاب بجواري كان يحدّق في هاتفه. ابتسم الشاب وهو يتفقد تاريخ اليوم، كأنه أراد أن يتأكد أن السنوات مرّت حقًا. عاد الرجل يقول: “أمامنا طريق طويل. “فضحك الشاب في خفوت وقال: صدق، فالطريق يطول كثيرًا حين نمر من الموضع نفسه. ثم مضى وترك العبارة معلقة في الهواء، فلا هي سقطت ولا وجدت من يحملها.

عندها بدا لي العكّاز أكثر الموجودين تعبًا. تخيلته لو أُعطي لسانًا يقول لصاحبه: يا سيدي، إن النجار الذي صنعني أرادني عونًا لساقين، ولم يخطر بباله أن أحمل تاريخًا بأكمله. صُنعت لخطوة متعبة، لا لمسيرة لا تنتهي، وجُعلت وسيلة للعبور، لا عنوانًا للإقامة. ثم تخيلت صاحبه يربت عليه قائلًا: اصبر، فما زال أمامنا الكثير. فكدت أسمع الخشب يتنهّد، وأحسبه لأول مرة يتمنى لو كان كرسيًا، ففي الكراسي على الأقل راحة لا يعرفها من كُتب عليه أن يظل واقفًا إلى جوار صاحبه.

ومع الأيام عرفتُ أن للعكّاز في المدينة شأنًا يتجاوز شأن الخشب. صار الصغار يعرفون صورته، والمصورون يحفظون زاويته، وأهل المراسم يتركون له مكانه، حتى غدا غيابه عن مشهد واحد كفيلًا بإثارة من الأسئلة أكثر مما يثير حضوره في مئة مشهد. رآه قوم علامة وفاء، ورآه آخرون أثرًا من زمن بعيد، ورآه بعضهم مجرد أداة تؤدي وظيفتها. أما أنا فكنت أراه مرآة صغيرة لحكاية أكبر؛ فالأشياء حين تطولُ صحبتها للسلطة لا تبقى أشياء، والعادات حين يطول عمرها تكتسب هيبة المبادئ، وما بدأ ضرورة عابرة قد ينتهي قاعدة يخشى الجميع سؤالها.

وفي مساء هادئ جلستُ في مقهى يطلُّ على السّاحة، فإذا بشيخ من أهل المدينة يجلس قبالتي. لمحني أحدق في العكّاز من بعيد، فقال: أراك مشغولًا بأمر هذه الخشبة. قلت: حيّرني أمرها؛ لا أدري أيحمل الرجل العكّاز أم يحمل العكّاز الرجل. ابتسم الشيخ وقال: ما دمت تسأل عن الرجل والعكّاز فقد رأيتَ نِصفَ الحكاية فقط. أشرت إليه أن يتم، فنظر إلى الناس المارين في الساحة وقال: نصفها الآخر هناك؛ فمن اعتاد الاتكاء طويلًا قد ينسى أن للسَّاقين وظيفة، ومن اعتاد رؤية العكّاز قد ينسى أن المشي ممكن من دونه. ثم نهض ومضى، كأنما ألقى إليّ جملة ظل يحملها أعوامًا وتخفف منها أخيرًا.

بقيت وحدي أراقبُ السّاحة وهي تفرغ شيئًا فشيئًا. أقبلَ اللّيل، وانطفأت بعضُ الأنوار، وغابت الوجوه التي ملأت المكان منذ قليل. ثم جاءني من بعيد ذلك الصوت القديم: تك… تك… تك… أصغيت إليه طويلًا، فلم أعد أدري أهو عكّاز يطرق الأرض أم ساعة خفية تعدّ ما تبقى من الحكاية. وتذكرت المدن التي تغيّرت، والوجوه التي غابت، والأجيال التي مرّت، والطريق الذي ظلّ يسمع الوعد نفسه بالوصول.

عندها فهمت ما لم أفهمه في أول النهار: لم تكن الحكاية حكاية رجل وعكّاز، ولا مسألة منْ يسند من. كانت حكاية الاتكاء حين يطول حتى يُحسب مشيًا، وحكاية العادة حين تستقر حتى تُحسب قدرًا، وحكاية طريق يمتد أمام النّاس حتى يكادوا ينسون أن الغايةَ من الطّريق أن نقطعهُ، لا أن نُقيمَ فيه. رفعتُ رأسي فلمْ أرَ الرّجل، ولم أرَ العكّاز، ورأيتُ الزَّمنَ وحدهُ يَمْضي. لا يحملُ عصًا، ولا ينتظرُ خِطابًا، ولا يستأذِن أحدًا. يمْشِي وحْده، يَمْضي وحْدَه، ولاَ يتَّكئُ على أحَدٍ.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • عمر
    الأحد 4 أكتوبر 2026 - 17:24

    بعد مشطة بونو هاهو عكاز عفا الله عما سلف يأخذ نصيبه…

  • مغربي
    الأحد 4 أكتوبر 2026 - 17:28

    هاذا النوع من الكتابة اللذي افتقدناه

  • محمد
    الأحد 4 أكتوبر 2026 - 17:29

    ولماذا لن يعودوا الي بلدانهم الأصلية ؟!؟!؟؟!؟ ؟!

  • مراقب من بعيد
    الأحد 4 أكتوبر 2026 - 17:33

    • حظي “العكاز الخشبي” والجلباب التقليدي اللذان ظهر بهما السيد بن كيران خلال جولات الحملة الانتخابية باهتمام إعلامي واسع وتفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي باعتبارهما من أبرز الرموز البصرية للحملة. ولا يختلف إثنان ان السيد بن كيران كان هو ملح طعام هذه الانتخابات

  • مغربي حر
    الأحد 4 أكتوبر 2026 - 17:41

    انه دون شك عكاز عمي بن كيران..لا تخطؤه العين

  • بو عكاز
    الأحد 4 أكتوبر 2026 - 17:49

    هاد مول العكاز ما عندو هم،شغلو الشاغل إدير العصا ف الرويضة.

  • mjid
    الأحد 4 أكتوبر 2026 - 17:56

    صحة العقل من صحة البدن و الباقي روايات …… . و سن التقاعد لم يخلق من فراغ …. .

  • ريفي في البرازيل
    الأحد 4 أكتوبر 2026 - 18:13

    هناك عكاز و عكاز !!!!!!
    مند الاستقلال و الدولة تتخذ عكازات على وزن لفرانات أي الفرامل لكل من يشير بأصبعه إلى الفساد فيتوقف إلى الأبد،
    و في 2011 خرج الشباب مطالبين بإصلاح النظام و ليس إسقاطه و رغم ذلك تم اللجوء إلى حزب الحركة الشعبية و هو العدالة و التنمية حاليا لشل حركة عشرين فبراير و تم ذلك بنجاح، بسبب اللجوء إلى المحترفين في التنويم و النفاق و المتاجرة بالدين الذي يطلق عليهم إسلاميون،
    و ذلك بتصريح من صاحب عكاز المقال أعلاه ، حيث قال (جابونا إيدوزو بينا الربيع العربي )
    اما عكاز هذا الأخير فلن يوقف حركة المحكومة،
    و الايام بيننا.

  • Med Th
    الأحد 4 أكتوبر 2026 - 18:20

    بعكازه وسنه المتقدم ووقف في وجه المخزن والتحكم ولم يفلح بعض المؤترين المأجورين والصحافة الصفراء في كبح جماحه او ثنيه عن قول الحق وكان دائما شوكة في حلق الفراقشية والفاسدين والمتحكمين ومن يدافع عنهم

  • مواطنة
    الأحد 4 أكتوبر 2026 - 18:27

    نعم انها حكاية رجل اتكأ على عكازه بدل من الاتكاء على اموال غير مشروعة و بدل الاتكاء على جيوب المواطن البسيط ليملأ ما أفرغه اثناء الحملة الانتخابية حكاية لن يفهمها الا الشرفاء ولن يعي مغزاها الا المتكئون على عكازهم لترسم أيديهم تاريخا طويلا مليئا بالكفاح و الجهاد والصبر و محاربة الفساد بما استطاعوا. تلك هي التوأمة المطلوبة و المنشودة بدل من يتكئون على كل شيء الا عكازهم لانهم لا يملكونه اصلا

  • العكاز الفاضح.
    الأحد 4 أكتوبر 2026 - 18:57

    بسبب ذاك العكاز ازاح عناصر الديكور المصطنع وكشف عن حقيقتهم وفسادهم الفائح الروائح الى اليوم ومازال مازال..

صوت وصورة
أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 15:32 3

أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء

صوت وصورة
أبي رقراق ينبض بالحياة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 13:32 1

أبي رقراق ينبض بالحياة

صوت وصورة
طرق مدمرة وخدمات غائبة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 11:18 4

طرق مدمرة وخدمات غائبة

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟

صوت وصورة
أوزين والضائقة المالية
السبت 3 أكتوبر 2026 - 19:34 3

أوزين والضائقة المالية

صوت وصورة
حزب الاستقلال والحكومة المقبلة
السبت 3 أكتوبر 2026 - 16:30 2

حزب الاستقلال والحكومة المقبلة