السؤال الذي يطرحه الخطابان معاً
في يوليوز ثم في أكتوبر من هذه السنة، وجّه جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، خطابين بارزين: خطاب الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، وخطاب افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة. وقد تشابهت موضوعاتهما: الاقتصاد، والتنمية الترابية، والهجرة، والشباب. فذهب كثيرون إلى أن الثاني امتداد للأول أو استكمال له.
لكن هذه القراءة مضلِّلة. الخطابان لا يكمل أحدهما الآخر، بل يتوجهان بلغتين مختلفتين إلى جمهورين مختلفين، في لحظة سياسية استثنائية. والسؤال الجدير بالطرح ليس ماذا قال الملك، بل لماذا قاله بهذه الحدة تحديداً الآن، ولماذا اختلف المستوى بين الخطابين اختلافاً لا يمكن إغفاله؟
لحظة تفسر كل شيء
افتتح البرلمان الجديد في ظرف غير معتاد: الحكومة الجديدة لم تتشكل بعد، والحكومة المنتهية ولايتها تصرف الأعمال الجارية. هذا يعني أن جلالته وضع أولويات الولاية كاملةً قبل أن يعرف من سينفذها. وهو اختيار دستوري راسخ لكنه هذه المرة يحمل رسالة إضافية: مهما كان شكل الائتلاف الحكومي القادم، فهذه هي الأولويات التي لن يقبل التنازل عنها.
ووصف جلالته هذه الولاية بأنها تأتي في ظرفية استثنائية حافلة بفرص قد لا تتكرر. وعبارة “قد لا تتكرر” ليست مجرد تحفيز خطابي، بل إشارة إلى نافذة زمنية محددة: مغرب ما قبل كأس العالم 2030، وإعادة رسم الشراكات الأوروبية، وجيل شاب ينتظر على حافة الثقة أو فقدانها.
لغتان لجمهورين
الفارق الجوهري بين الخطابين يبدأ بالمخاطب نفسه. في خطاب العرش خاطب الملك شعبه مباشرة بلغة الاعتزاز والطمأنينة، مستحضراً أرقاماً ملموسة تثبت أن المسار صحيح. هذه ليست أرقاماً اقتصادية بالمعنى التقني، بل رسائل ثقة موجّهة لمواطن يحتاج إلى أن يعرف أن ما يعيشه من جهد وتضحية ليس ضائعاً. ولعل أبلغ ما في خطاب العرش أن الملك لا يقول “ما حققتُه لكم” بل “ما حققناه سويا”. هذا الضمير المشترك ليس مجاملة بلاغية بل تأسيس لعقد: الإنجاز مشترك، والمسؤولية مشتركة. وهو ما يجعل خطاب البرلمان امتداداً منطقياً لا قطيعة: من بنى معي يتحمل معي.
في خطاب البرلمان انقلبت اللغة. جلالته يخاطب نخبة تعرف الأرقام ولا تحتاج إلى تطمينات. يقول لها إن الاعتزاز بالوطن ليس ترفاً عاطفياً، بل هو المعيار الذي يحاسب به كل مسؤول. الانتماء يُلزم، والثقة تكلِّف. ما كان في خطاب العرش بشرى للشعب أصبح في خطاب البرلمان ثمناً مطلوباً من النخبة. هذا التحويل في وظيفة الاعتزاز الوطني هو أدق ما في الخطابين وأعمقه دلالة.
اللامركزية: اعتراف بفشل هيكلي
في كلا الخطابين حضر ملف الجهوية والتنمية الترابية، لكن بنبرة متفاوتة بشكل لافت. في خطاب العرش كانت الدعوة تنموية عامة تشجيعية. في خطاب البرلمان تحولت على لسان الملك إلى شيء أقرب إلى الإنذار: لم يعد مقبولاً أي تأخير أو تماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري.
ثماني سنوات مضت على إصدار هذا الميثاق. والنقد الملكي المتكرر له بهذه الحدة أمام ممثلي الأمة هو في حقيقته إقرار بأن الجهاز الإداري المركزي قاوم إصلاح نفسه بصمت. جلالته يختار منبر البرلمان ليجعل هذا الإقرار علنياً وموثقاً. والسؤال الذي لا يطرحه الخطاب لكنه يلقيه في ذهن القارئ: هل التوثيق العلني هذه المرة سينتج نتيجة مختلفة عن المرات السابقة؟
الهجرة: نهاية نموذج
هذا الملف هو الأكثر تطوراً بين الخطابين. في خطاب العرش كان موقف جلالته تأسيسياً: المغرب شريك موثوق وندّ حقيقي لا طرف ضعيف يطلب المعونة. في خطاب البرلمان جاء ليترجم هذا المبدأ إلى موقف محدد: الملك يقرّ صراحةً بأن النموذج الحالي للتعاون مع أوروبا في مجال الهجرة أصبح متجاوزاً، وأن المنظومة القانونية والقضائية الأوروبية تعطّل التعاون من الداخل بدل أن تدعمه.
من يعيش في هولندا أو بلجيكا أو إسبانيا يفهم هذا الكلام. أوروبا تطلب من المغرب أن يضبط الحدود، ثم تصدر محاكمها قرارات تفرغ هذا الضبط من معناه. تتحدث الحكومات عن “شراكة” في البيانات الرسمية، وتمارس ضغطاً سياسياً يحوّل المغرب إلى أداة لا شريك. وإعلان جلالته عن وثيقة استراتيجية جديدة سيقدّمها المغرب لشركائه هو في حقيقته إعلان عن شراكة مختلفة، خروج من دور “حارس البوابة” نحو دور الشريك المفاوض من موقع قوة.
الشباب: حين تصبح الأزمة أزمة ثقة
وضع الملك قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، مطالباً بتصور متكامل يشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي. لكن الجملة الأعمق في هذا الملف هي الدعوة إلى تعزيز ثقة الشباب في مؤسسات وطنهم. هذا اعتراف ضمني بأن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط. الشاب المغربي اليوم لا يفقد عملاً فحسب، بل يفقد الإيمان بأن الدولة تراه وتتيح له مساراً حقيقياً للارتقاء. ولا يعالج هذا النوع من الأزمات ببرامج وأرقام، بل بإعادة بناء عقد اجتماعي حقيقي. وهذا العقد لا يبنيه خطاب، مهما كان رفيع المستوى، بل تبنيه قرارات يشعر بها الشاب في حياته اليومية.
خلاصة: عقدان لا عقد واحد
خطاب العرش عقد بين الملك والشعب: ما حققناه سويا يستحق الثقة. وخطاب البرلمان عقد بين جلالته والنخبة: ما حققناه يلزمكم بما لم يتحقق بعد، وهامش التسامح مع التأخير قد انتهى.
ختم خطاب العرش بآية الإحسان الموعود بعدم ضياعه، وختم خطاب البرلمان بآية الحسنة الموعودة بعشرة أمثالها. الأولى تكافئ على الماضي، والثانية تحرّض على المستقبل. وبين الآيتين يقع الامتحان الحقيقي لهذه الولاية التشريعية.
الملك يؤدي ما هو منوط به: يرسم الأفق، ويحدد الأولويات، ويوثّق المطالب أمام الأمة. أما امتحان الوفاء بهذا العقد فيبقى في عهدة النخبة التنفيذية والبرلمانية، وهي وحدها من سيكتب الجواب بأفعالها لا بكلامها.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.