شباب خارج المدرسة والشغل

شباب خارج المدرسة والشغل
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 21:30

مقدمة

في ركن من الحي، قريبا من مؤسسة تعليمية، يقف شاب في الثالثة والعشرين. أنهى دراسته أو غادرها قبل أعوام، وجرب البحث عن عمل، وتلقى وعودا انتهت إلى الصمت. اليوم يقضي نهاره بين الأزقة، يراه الجيران صباح مساء كأنه حارس للحومة، أما ملفات الإدارة فتخلو من اسمه: لم يسجل نفسه في برنامج، ولم يدخل وكالة تشغيل، وغاب عن السجل المدرسي. حاضر في الحي، غائب عن مسارات الإدماج.

هذا المشهد يختصر ظاهرة ترسمها الأرقام الرسمية بدقة، من غير أن يصلح صورة نمطية عن ملايين الشباب. فبحسب المندوبية السامية للتخطيط يبلغ عدد الشباب بين 15 و29 سنة الذين يوجدون خارج العمل والدراسة والتكوين نحو 2.9 مليون، أي ما يقارب شابا من كل ثلاثة في هذه الفئة العمرية (معطيات 2023). ويكشف التقرير، المنجز ضمن مشروع إقليمي لمنظمة العمل الدولية بدعم من الاتحاد الأوروبي، أن أغلب هذه الكتلة يعيش خارج النشاط الاقتصادي كله، وأن البطالة المسجلة تمثل جزءا يسيرا منها.

من هنا يتقدم سؤال يفترض أن يقود النقاش والسياسة معا: كيف تصل الدولة إلى شاب يجهل وجود برامجها، أو يشك في جدواها، أو تمنعه ظروفه من التسجيل فيها؟ المسألة تتجاوز عدد مناصب الشغل التي يمكن خلقها، فهي تمتد إلى طريقة التعرف على الشباب المنقطعين، وفهم ما يعترضهم، وشق طريق يبلغهم قبل أن يتحول انقطاع مؤقت إلى عزلة طويلة.

أولا: الرقم وما يخفيه

يرمز مصطلح NEET إلى الشباب الذين يوجدون خارج العمل والتعليم والتكوين. يضم هذا المؤشر من يبحثون عن عمل دون جدوى، ومن توقفوا عن البحث بسبب الإحباط أو المسؤوليات الأسرية أو الصحة أو بعد المؤسسات. بذلك يفترق عن معدل البطالة الذي يقيس من يبحثون عن عمل ويستعدون له وفق شروط القياس. وفي معطيات 2023 كان أكثر من مليوني شاب من هذه الفئة خارج النشاط، أي نحو 74.2% منها، بينما بقي الباقون في وضع البطالة. معنى ذلك أن جزءا واسعا من الشباب المعنيين يقيم خارج القنوات التي تقوم عليها برامج التشغيل: البحث والتسجيل والتوجيه. فنقص الفرص يجتمع هنا مع تعثر الوصول إلى منظومات التأهيل.

وتستحق الأرقام قراءة حذرة. رقم 1.5 مليون الذي تداوله المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يخص الفئة 15 – 24 سنة ويعود إلى سنة 2022، ورقم 2.9 مليون يخص الفئة 15 – 29 سنة ويعود إلى 2023. الرقمان يصفان مجموعتين مختلفتين، ولذلك يغيب التعارض بينهما. وفي تقرير المندوبية ترتفع النسبة من 25.6% عند الفئة 15 – 24 إلى 50.2% عند الفئة 25 – 29. هذه المقارنة تشير إلى أن الانتقال من مقاعد الدراسة إلى الحياة المهنية يتعثر عند كثيرين، دون أن تثبت أن كل من غادر المدرسة سينتهي إلى الانقطاع.

ويرسم النوع الاجتماعي أحد أعمق خطوط الانقسام. تشكل الإناث نحو 72% من مجموع هذه الفئة، ويبلغ المعدل بين الإناث 49.1% مقابل 18.5% بين الذكور، وتفيد المعطيات أن قرابة ثلاثة أرباع الفئة تفتقر إلى شهادة مؤهلة. فالفتاة القروية المنقطعة عن الدراسة التي تحمل أعباء الرعاية تواجه عقبات تختلف عن عقبات شاب حضري حاصل على شهادة ويبحث عن أول وظيفة. ويضيف التقرير مفارقة: التعليم العالي يحمي الشابات من هذا الوضع، غير أن بعض خريجي التكوين المهني يواجهون بطالة طويلة حين تصطدم مؤهلاتهم بفرص محدودة. الشهادة تحتاج إذن إلى جسور نحو العمل.

ثانيا: المدرسة أول الخيط

تبدأ الحكاية قبل البحث عن العمل بسنوات. تلميذ يتكرر غيابه، أو يتعثر في التعلم، أو يقطع مسافة طويلة بين بيته ومدرسته، قد يغادر القسم دون أن يتابعه أحد أو يعرض عليه بديل قابل للحياة. وقد أشار المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أسباب الانقطاع المدرسي، ومنها صعوبة الولوج إلى المؤسسات في العالم القروي، وضعف عرض التكوين المهني في بعض المناطق، وتعثر الانتقال بين الإعدادي والثانوي ثم بين التعليم والعمل.

تستطيع المدرسة أن تكون جرس الإنذار الأول. ويتحقق هذا الدور حين تتحول إلى مسار حي يلتقط الغياب المتكرر، ويتواصل مع الأسرة، ويفهم سبب التعثر، ويقدم للتلميذ خيارات واقعية: دعما تعليميا، أو مواكبة اجتماعية، أو تكوينا مهنيا مناسبا، أو عودة عبر مدارس الفرصة الثانية. ويقتضي التوجيه أن يبدأ مبكرا، قبل اللحظة التي يوشك فيها التلميذ على المغادرة، مرتبطا بمعلومات عن المهن وفرص كل جهة. وقد أوصى المجلس بإنفاذ إلزامية التمدرس إلى سن السادسة عشرة، وبتوسيع مدارس الفرصة الثانية، وتقوية النقل المدرسي والمدارس المجتمعية في القرى.

ويستدعي تتبع المنقطعين حذرا: المعطيات الحساسة تحتاج حماية، والغاية تقديم الدعم، وتثبيت صفة “حالة” على الشاب يضر به. ينبغي أن تشرح المؤسسة للأسرة ما ستفعله بالمعلومات، وأن تقيس نجاحها بعدد من عادوا إلى التعلم عوض عدد الأسماء المسجلة في منظومة إلكترونية.

ثالثا: برامج موجودة وأبواب بعيدة

تظهر المسافة بين البرنامج ووصوله إلى الناس في نتيجة المشاورة التي نظمها المجلس: قال 78% من المستجيبين إنهم يجهلون البرامج والمبادرات الموجهة إلى هذه الفئة. وينبغي وضع الرقم في حجمه، فهو مستخلص من استشارة شارك فيها 1266 مجيبا، أغلبهم من سكان المدن ومن الذكور، وقد رأى 63% منهم أنفسهم خارج الفئة المعنية. فالرقم يقصر عن تمثيل كل الشباب المغاربة، ويظل مع ذلك إشارة إلى فجوة في التعريف والتواصل تستحق الاختبار.

وتقدم الحكومة أهدافا في التكوين والتشغيل. ففي ماي 2024 أعلن رئيس الحكومة هدف تكوين مئة ألف شاب في المهن الرقمية وتشغيل 240 ألفا في القطاع الرقمي، وذلك في رده على رأي المجلس بتحفظات، منها أنه لم يأت بجديد. والحكم على أثر هذه الأهداف يحتاج إلى بيانات: من وصله التكوين؟ ما الشروط الدراسية واللغوية والرقمية المطلوبة؟ هل تتسع المسارات لمن غادر الدراسة دون شهادة؟ في أي جهات ستنشأ الوظائف؟ كم تبلغ نسبة الانتقال من التدريب إلى وظيفة مستقرة؟ دون أجوبة قد تبلغ الأهداف فئات وتتجاوز الأشد حاجة.

وتبرز مشكلة تشتت المسؤوليات. يمر الشاب من المدرسة إلى الجماعة، ومن مركز تكوين إلى وكالة تشغيل، ومن جمعية إلى برنامج اجتماعي، وغالبا يغيب عنه من يتبنى مساره من أوله إلى آخره. وقد دعا المجلس إلى تقارب البرامج القطاعية، وإلى نظام معلومات يتتبع المسارات، وإلى شبكة نقاط استقبال وإنصات وتوجيه في الجماعات المحلية.

رابعا: كيف تصل الدولة إلى الشاب؟

أول الخطوات أن يصبح التعرف على الشباب المنقطعين مسؤولية عمومية ومجتمعية، عوض أن يقع عبؤه على الشاب وحده. فالتسجيل الذاتي يفترض أن يعرف الشاب اسم البرنامج وشروطه ومكانه، وأن يملك الوقت والوثائق وكلفة التنقل، وأن يثق بأن التسجيل سيقوده إلى خدمة نافعة. وهذه افتراضات قد تسقط عند شخص انقطع عن مؤسسات الدولة. لذلك ينبغي أن تبدأ الخدمة من الحي والقرية والمدرسة والجماعة، وأن تقصد الشباب في أماكنهم.

وتأتي الوساطة الميدانية خطوة ثانية: نقاط إنصات في الجماعات ودور الشباب والجمعيات، تستقبل الشباب دون وصم، وتساعدهم على استرجاع وثائقهم وفهم خياراتهم والاتصال بمؤسسات التكوين والتشغيل. ويلزم أن يعمل فيها أشخاص مدربون على الإصغاء، ولديهم وقت لبناء الثقة وخدمات يحيلون عليها فعلا. وأقترح هنا فكرة تتصل بالمدرسة: أن يتولى “مرافق مسار” في كل جماعة، بتنسيق مع مستشاري التوجيه، متابعة كل منقطع بالاسم، من لحظة مغادرته القسم إلى أن يستقر في تكوين أو عمل. بهذا تصير هناك جهة واحدة تتبنى المسار، وهو ما يغيب اليوم.

والمسار الثالث يربط التكوين بسوق العمل. وقد أكد ممثل الاتحاد العام لمقاولات المغرب، بحسب ما نقله تقديم تقرير المندوبية، دور التكوين بالتناوب في تقريب المهارات من حاجات المشغلين. ويقتضي نجاح هذا الخيار مشاركة المقاولات في تصميم التدريب والإشراف عليه، مع شروط عمل لائقة ومعلومات واضحة عن فرص التوظيف بعده. وفي القرى تقتضي الحاجة تخصصات تلائم الاقتصاد المحلي، مع إتاحة التنقل أو التدريب القريب، وهو ما أوصى به المجلس حين دعا إلى تقوية التكوين المهني العمومي في الوسط القروي.

أما الشابات اللواتي تحول الرعاية المنزلية دون مشاركتهن، فيحتجن إلى أكثر من مقعد في قاعة تكوين: حضانة ميسرة، وأوقات تدريب مرنة، ومسافات تنقل معقولة، ومسارات للتكوين الأساسي والمهني. وقد أوصى التقرير الأحدث بتطوير حلول رعاية الأطفال وتكييف الخدمات مع اختلاف أوضاع النساء.

وتحتاج مدارس الفرصة الثانية إلى جودة تعليمية وربط بتكوين عملي وشهادات معترف بها، كي تكون طريق عودة كريما. وأخيرا تقاس البرامج بمسار الشاب، فعدد الدورات المنجزة أو المسجلين يعجز عن إظهار من استعاد صلته بالتعلم أو حصل على عمل كريم. ويلزم نشر النتائج حسب العمر والجنس والجهة والوضع التعليمي، ومنح الشباب مجالا لتقييم ما تلقوه.

خاتمة

تقول الأرقام إن قرابة 2.9 مليون شاب بين 15 و29 سنة وجدوا أنفسهم خارج العمل والدراسة والتكوين سنة 2023، وإن الإناث يشكلن أكثر من ثلثيهم، وإن غير النشيطين أغلبهم، وإن الانتقال بعد سن الرابعة والعشرين يحمل مخاطر مرتفعة. وتقول أيضا إن الحلول التي تنتظر من الشباب أن يسعوا إليها بأنفسهم تبقى بعيدة عن الأشد حاجة. أما القول إن كل شاب منهم اختار الانسحاب فتنقضه المعطيات نفسها.

وقد وضع الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية يوم 9 أكتوبر 2026 قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، داعيا إلى تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي. وترجمة هذا التوجه تقتضي من الحكومة الجديدة منهجية واضحة عوض برامج متفرقة تطلق ثم تترك: مدرسة تلتقط التلميذ قبل الانقطاع، وتكوينا قريبا وملائما، ووساطة محلية تبلغ الأحياء والقرى، وخدمات رعاية تتيح للشابات المشاركة، وفرص عمل تقاس بجدواها وبعدد المستفيدين منها فعلا.

وأمام الحكومة سؤال يرافقها منذ بداية ولايتها: من سيصل إليه البرنامج؟ ومن سيبقى خارجه رغم وجوده؟ ومن يتحمل مسؤولية الوصول إلى شاب كف عن الطلب؟ إن الشاب الذي لم يطرق الباب يستحق أن يجد حوله يدا ممتدة. فمن يطرق بابه؟ وبمن نبدأ: بالمدرسة أم بالحي أم بالجماعة؟ ربما تتلاقى الأبواب كلها عند عتبته، قبل أن يبتعد أكثر عن المدرسة والعمل والحياة العامة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 3

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة