وُضِعَت
كتاب الله يتطرق لمواضيع شتى وبأساليب جمة. كل هذا مع العلم أن القرآن قد يُسِّرَ للذِّكْر. “وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)” (القمر 17:54، 22، 32، 40). وُضِعَتْ كلماته وحروفه بشكل تذكر القارئ، خصوصا الحافظ لكتاب الله عن ظهر قلب، بما سيأتي من بعد. الله عز وجل خلقنا ويعلم كيف تشتغل ذاكرتنا. هناك نظام سمعي داخل الذكر الحكيم يساعد الحافظ على التذكر. خذ الأمثلة التالية.
مثال أول
“وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)” (آل عمران 176:3-178).
تنتهي الآيات الثلاث بِـ “عذاب عظيم”، “عذاب أليم”، و”عذاب مهين”. قد يختلط في أول الأمر على الحافظ لكتاب الله ترتيبها حين يريد عرضها عن ظهر قلب. لكن نظام سمعي داخل هذه الآيات تساعده على التذكر. ثلاثة نعوت لنفس مفردة “عذاب” تختتم بها الآيات المتتالية الثلاث أعلاه، “عظيم” “أليم” و “مهين”. يتوسط المفردة الأولى “عظيم” حرف الظاظ، والثانية “أليم” حرف اللام والثالثة “مهين” حرف الهاء.
لفظة “حَظًّا” يرِنُّ فيها حرف الظاظ كناقوس يدق للنعت “عظيم” الذي يتبع “عذاب” في الآية الأولى 176. تأتي بعدها في الآية الثانية 177 مفردة “إيمان” يذكرنا ألفها وميمها بالنعت “أليم” الذي يتبع “عذاب”. تليها الآية الثالثة 178 التي بها عدة من حرف الهاء كجرس يرن للتذكير بالنعت “مهين” الذي يتبع “عذاب”.
مثال ثاني
“وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)” (البقرة 127:2-129).
تختتم هذه الآيات الثلاث بثلاث أزواج من صفات الله جل وعلا، “السميع العليم” “التواب الرحيم” و “العزيز الحكيم”.
الآية 127 تذْكر “إسماعيل” كجرس يرِنُّ بحرْفَيْ السين والعين في “السميع العليم”. لاحظ قرب مفردة “إسماعيل” من “السميع العليم”. الآية أخرت أحد الفاعلين “إسماعيل” لفعل “رفع” في المضارع عن مكانه المعتاد. الآية لم تقل “وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد”. وإنما قالت “وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل” فجاءت مفردة إسماعيل قريبة تذكرنا بِـ “السميع العليم” في آخر الآية.
نجد أن مفردة “تب” في آخر الآية 128 تقوم مقام ناقوس يدق ويذكر بختامها بِـ “التواب الرحيم”. حيثما ذكر “التواب” في تسع آيات إلا وأتبعت بِـ “الرحيم” ماعدا آية واحدة، النور 10:24، حيث نجد “التواب الحكيم”. الثمان آيات الأخرى التي تختم بِـ “التواب الرحيم” هي البقرة 37:2، 54، 128، 160، النساء 16:4، التوبة 104:9، 118، والحجرات 12:49.
لفظ الكلمتين “الحكمة” و “يزكيهم” جرس يخبر بالتعبير الأخير “العزيز الحكيم” في آخر الآية 129.
أمثلة أخرى
هناك أمثلة أخرى حيث إنَّ آخر آية تساعد على تذكر بداية الآية التي تليها. لنأخذ مثالين. “مَصْرِفًا” في آخر الآية مع “صَرَّفْنَا” في الآية التي تليها. “وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54)” (الكهف 53:18-54).
“نَصِيرًا” في آخر الآية مع “نَصِيبٌ” في الآية التي تليها. “أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53)” (النساء 52:4-53).
“أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ” (الأعراف 155:7-156).
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.