المساواة والإدماج

المساواة والإدماج
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:20

كوكوس والحموني: لماذا غاب التضامن؟ قراءة سوسيولوجية في المساواة والإدماج

أثار انتباهي، بمناسبة الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، اعتماد تسمية «وزارة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة»، التي أسندت إلى نجوى كوكوس، مع تعيين رشيد حموني وزيراً منتدباً لديها، مكلفاً بالإدماج الاجتماعي. ولعل ما يستوقفني في هذه التسمية ليس الأشخاص الذين سيتولون المسؤولية، والذين أهنئهم بالمناسبة، وإنما المفاهيم التي اختيرت لتأطير السياسة العمومية. فقد غابت كلمة «التضامن» عن اسم الوزارة، بعدما كانت حاضرة في تسميتها السابقة، وحضرت «المساواة» بوصفها عنواناً مركزياً، بينما استمر «الإدماج» اختصاصاً حكومياً قائماً بذاته. وقد يبدو الأمر مجرد تعديل في التسميات، لكنه، من منظور سوسيولوجي وفلسفي، يستحق نقاشاً أعمق؛ لأن الكلمات التي تستعملها المؤسسات ليست منفصلة بالضرورة عن التصورات التي تحملها عن الإنسان والمجتمع والدولة.

لا أدعي أن تغيير اسم وزارة يعني بالضرورة تغيير فلسفة الدولة أو التخلي عن برامج التضامن، ولا أستنتج من تسمية قطاع حكومي أن سياساته ستنجح أو ستفشل. فهذه مسائل لا تُحسم إلا بدراسة البرامج والميزانيات والممارسات والنتائج. لكنني أرى أن المفاهيم التي تُبنى بها السياسات العمومية تستحق النقد قبل أن تتحول إلى شعارات مألوفة يصعب مساءلتها. ومن هنا تنطلق هذه المقالة، لا من رفض المساواة بوصفها قيمة إنسانية، ولا من الاعتراض على مساعدة الأفراد الذين يعانون الإقصاء، وإنما من مساءلة معنى المساواة والإدماج والتضامن، وما إذا كانت هذه المصطلحات تنطلق من الإنسان الفرد أم من تصور مسبق للمجتمع يُراد إخضاع الأفراد له.

أولاً: لماذا أتحفظ على كلمة المساواة؟

أتحفظ على استعمال كلمة «المساواة» عندما تُقدم باعتبارها حلاً جاهزاً لجميع التفاوتات، أو عندما تتحول إلى معيار عددي مجرد يُراد تطبيقه على أفراد مختلفين في أوضاعهم وحاجاتهم وقدراتهم وتطلعاتهم. فالمساواة، Égalité، ليست مفهوماً واحداً بسيطاً. هناك المساواة أمام القانون، والمساواة في الحقوق، والمساواة في شروط الانطلاق، والمساواة في الفرص، ثم المساواة في النتائج. والخلط بين هذه المستويات يجعل النقاش العمومي عرضة لسوء الفهم، وربما للتوظيف الإيديولوجي.

إنني أدافع عن المساواة في الكرامة والحقوق الأساسية، وأرى أن على المؤسسات أن تعمل على إزالة العوائق التي تمنع الأفراد من الاستفادة الفعلية من التعليم والصحة والعدالة وفرص المبادرة. لكنني لا أعتقد أن تحقيق العدل يقتضي بالضرورة أن ينتهي جميع الأفراد إلى النتائج نفسها. فالأفراد ليسوا نسخاً متطابقة، كما أن اختلاف النتائج لا يكشف، وحده، عن وجود ظلم أو عن انتفائه. علينا أن نسأل عن أسباب الاختلاف، وعن شروط الانطلاق، وعن الحرمان والامتيازات غير المبررة، قبل أن نحكم على النتيجة.

لنتصور شخصين يحصلان على الموارد نفسها، لكن أحدهما يعيش في تراب تتوافر فيه المدرسة والمستشفى والنقل وفرص الشغل، بينما يعيش الآخر في تراب يفتقر إلى معظم هذه الشروط. هل يكفي أن نمنحهما المبلغ نفسه لنعلن أننا حققنا المساواة؟ ثم لنتصور شخصين يختلفان في وضعهما الصحي أو الأسري أو في الأعباء التي يتحملانها. هل يؤدي التعامل المتطابق معهما بالضرورة إلى العدالة؟

هنا أجد أن مفهوم «الإنصاف»، Équité، أكثر قدرة على توجيه التدخل العمومي عندما نريد معالجة تفاوتات الانطلاق. فالإنصاف لا يعني توزيع الامتيازات اعتباطياً، وإنما مراعاة الاختلافات ذات الصلة بالحرمان والحاجة، حتى يصبح الأفراد أقدر على ممارسة حقوقهم. أما «العدل»، Justice، فهو الأفق الذي ينبغي أن تُقاس به هذه الاختيارات. ويجد هذا التمييز سنداً نظرياً في مقاربة القدرات (Approche par les capabilités) التي طورها الاقتصادي والفيلسوف أمارتيا سين (Amartya Sen). فالعدالة، في هذا التصور، لا تُقاس بمجرد المساواة في توزيع الموارد أو الحقوق الشكلية، وإنما أيضاً بما يمتلكه الأفراد فعلياً من حريات وقدرات تتيح لهم اختيار أنماط الحياة التي يرونها جديرة بالعيش. فقد يحصل شخصان على الموارد نفسها، لكنهما يختلفان في قدرتهما على تحويلها إلى فرص حقيقية، تبعاً لأوضاعهما الشخصية والاجتماعية والترابية. ومن ثم، فإن الإنصاف لا يقتضي بالضرورة تماثل الوسائل، بل إزالة العوائق التي تحد من قدرات الأفراد على الاختيار والفعل.

وفي هذا السياق، أرى أن بعض التفاوتات، بل وبعض المساطر والإجراءات غير المتساوية، قد تكون ضرورية لتحقيق الإنصاف، ومن ثم تكون عادلة. فليست كل مساواة عدلاً، وليست كل لامساواة ظلماً. فقد تقتضي العدالة معاملة أفراد مختلفين بطرق مختلفة، أو تخصيص موارد وتسهيلات إضافية لمن يعانون حرماناً أو عوائق فعلية. وهنا قد تصبح اللامساواة في الوسائل والإجراءات طريقاً إلى الإنصاف، لا خروجاً عن العدالة. ويقدم ما يسمى «التمييز الإيجابي»، Discrimination positive، مثالاً واضحاً على ذلك. فبعض السياسات العمومية تعتمد إجراءات تفضيلية لفئات تعاني اختلالات في شروط الانطلاق أو في الولوج إلى الحقوق والفرص، بهدف تصحيح تلك الاختلالات. وقد يتعلق الأمر بتخصيص موارد إضافية لجماعات ترابية تعاني نقصاً في التجهيزات والخدمات، أو بإجراءات تيسر مشاركة أشخاص يواجهون عوائق خاصة. ولا تكون هذه الإجراءات عادلة لمجرد تسميتها تمييزاً إيجابياً، بل بقدر ما تستجيب لحاجات حقيقية، وتستند إلى معايير مبررة، وتحقق نتائج منصفة.

وتجد هذه الفكرة سنداً فلسفياً مهماً في نظرية العدالة لدى جون راولز (John Rawls)، ولا سيما في «مبدأ الاختلاف»، Principe de différence. فقد بيّن راولز أن بعض التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية يمكن أن تكون مبررة ضمن شروط للعدالة، من أبرزها أن تحقق أكبر منفعة ممكنة للفئات الأقل حظاً، وأن ترتبط بمواقع متاحة للجميع في ظل تكافؤ منصف للفرص، مع احترام الحريات الأساسية المتساوية. وهكذا تتيح لنا فلسفته التفكير في التفاوتات التي يمكن تبريرها بالعدالة، أو ما يمكن التعبير عنه بـ«التفاوتات العادلة»، Les inégalités justes، دون اعتبار المساواة الحسابية المعيار الوحيد للحكم على الأوضاع الاجتماعية.

وما أريد التأكيد عليه هنا هو أن التفاوت قد يكون في الوسيلة أو المسطرة أو مقدار الدعم، بينما يكون الإنصاف هو الغاية المباشرة والعدل هو معيار المشروعية. فالمساواة والإنصاف والعدل مفاهيم متمايزة، ولا ينبغي اختزال أحدها في الآخر. وقد يكون تطبيق إجراء واحد على الجميع أكثر بساطة من الناحية الإدارية، لكنه أقل إنصافاً من إجراءات مختلفة تستجيب لاختلاف أوضاع الأفراد. ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه السياسة العمومية ليس فقط: كم امرأة وكم رجلاً استفادا من برنامج معين؟ بل أيضاً: من كان محتاجاً إليه؟ ومن حُرم منه؟ وما العوائق التي جرى تجاوزها؟ وما الذي تغير فعلاً في حياة المستفيدين، نساءً ورجالاً؟ ولا يعني ذلك الاستغناء عن الإحصاءات المصنفة بحسب الجنس، فهي ضرورية للكشف عن التمييز، وإنما يعني رفض تحويل التماثل العددي، في ذاته، إلى دليل كافٍ على تحقق العدالة.

ثانياً: الإدماج أم استقلالية الفرد؟

أما مفهوم «الإدماج الاجتماعي»، Intégration sociale، الذي أصبح اختصاصاً وزارياً منتدباً، فيثير لدي تحفظاً فلسفياً أعمق. فمن الذي يدمج من؟ وفي ماذا يُدمج الفرد؟ ومن يحدد النموذج الاجتماعي الذي ينبغي أن ينتمي إليه؟ وهل يُطلب من الإنسان أن يتكيف مع المجتمع كما هو، أم يُعترف له بحق المشاركة في تغييره؟

لقد احتل مفهوم الإدماج الاجتماعي، Intégration sociale، مكانة أساسية في بعض التقاليد السوسيولوجية، ولا سيما لدى إميل دوركايم، الذي اهتم بالروابط الاجتماعية وبالشروط التي تحفظ تضامن المجتمع. ولا أنكر أهمية هذه الإسهامات في تاريخ علم الاجتماع، لكنني أختلف مع كل قراءة تجعل تضامن الكل مقدماً، من حيث المبدأ، على استقلالية الأفراد وقدرتهم على الاختيار. كما ينبغي التمييز بين الإدماج في التحليل السوسيولوجي والإدماج بوصفه سياسة عمومية، وإن كانت بينهما صلات نظرية تستحق البحث.

إنني لا أريد للفرد أن يكون مجرد موضوع للإدماج، ولا أن تتولى الدولة تشكيله وفق صورة مسبقة عن المواطن الصالح أو الأسرة النموذجية أو المجتمع المنسجم. أريده أن يكون فاعلاً في بناء علاقاته، وأن يمتلك من الوعي والقدرات والموارد ما يسمح له بأن يختار انتماءاته ومشاركاته وموقعه في الحياة المجتمعية.

وقد يقال إن الإدماج لا يعني الإكراه، وإن برامج الإدماج الاجتماعي تستهدف، في كثير من الحالات، تمكين الأشخاص الذين يواجهون عوائق حقيقية من الولوج إلى التعليم والشغل والخدمات والحقوق. وهذا اعتراض وجيه، ولا ينبغي تجاهله. فمساعدة شخص في وضعية إعاقة على الولوج إلى المرفق العمومي، أو إزالة عائق يحول دون مشاركة شاب في الحياة الاقتصادية، ليست بالضرورة محاولة لفرض نموذج اجتماعي عليه.

لكن التمييز الحاسم، في تقديري، هو بين إزالة العوائق أمام اختيار الفرد وبين توجيه الفرد إلى نموذج محدد باسم إدماجه. في الحالة الأولى، نوسع حريته وقدرته على الفعل. وفي الثانية، نخاطر بتحويله إلى موضوع للتدبير والوصاية. ولهذا أميل إلى مفهوم «التمكين»، Autonomisation، عندما يُفهم بوصفه سيرورة لتقوية قدرات الأفراد، وإلى مفهوم «الاستقلالية»، Autonomie، بوصفها قدرة يكتسبها الفرد على الاختيار والتصرف. وليس المقصود أن يعيش الإنسان منعزلاً عن الآخرين، وإنما أن يدخل علاقاته المجتمعية بوصفه فاعلاً، لا مجرد عنصر يُراد إلحاقه ببنية جاهزة.

ثالثاً: من الفرد إلى المجتمع، وليس العكس

يقوم موقفي على اختيار نظري وفلسفي واضح: ينبغي أن ننطلق في تفسير الظواهر المجتمعية من الفرد، لا من المجتمع باعتباره كائناً مستقلاً يمتلك وعياً وإرادة ومصلحة خاصة به. فالإنسان/الفرد هو الذي يعي ويفكر ويختار ويتصرف، والأفراد هم الذين يتفاعلون ويتعاونون ويتنازعون وينتجون، من خلال علاقاتهم، المؤسسات والبنيات والظواهر المجتمعية. وأستعمل هنا كلمة «الفرد»، Individu، بمعناها الإنساني عندما أتحدث عن الوعي والكرامة والاختيار. أما في الاشتغال الإحصائي، فقد يكون الفرد وحدة تحليل أخرى، كأسرة أو مقاولة أو جماعة ترابية، بحسب موضوع البحث. وهذا تمييز منهجي لا ينبغي إغفاله، لأن الوحدة الإحصائية لا تحمل بالضرورة الخصائص الإنسانية نفسها التي يحملها الشخص. ومن هذا المنطلق، أتحفظ على تعبيرات من قبيل «وعي المجتمع» و«الوعي الجماعي» و«المسؤولية الجماعية» عندما تُستعمل دون تحديد المقصود بها. فالمجتمع لا يعي نيابة عن أفراده. وإذا كان بعض الأفراد واعين بحقوقهم ومسؤولياتهم، فلا يجوز أن نعمم وعيهم على الآخرين. وحتى عندما نتحدث عن تمثلات مشتركة، ينبغي أن نبحث عن الأفراد الذين يحملونها، وعن كيفية تشكلها وانتشارها واختلافها. ولا يجوز أن ننسب إلى جميع الأفراد وعياً محدداً إلا إذا توافرت لدينا أسباب كافية لإثبات ذلك. والأمر نفسه ينطبق على المسؤولية. فمن قرر ليس بالضرورة من نفذ، ومن شارك ليس كمن اعترض، ومن استفاد ليس بالضرورة من تسبب في الضرر. ولذلك فإن تعميم المسؤولية على مجموعة بأكملها قد يحجب الفاعلين الحقيقيين. وهذا لا ينفي إمكان مساءلة المؤسسات عن قراراتها، وإنما يدعونا إلى التمييز بين المسؤولية المؤسسية ومسؤوليات الأفراد.

إن الوعي الفردي للمواطن، في تصوري، يمثل إحدى أهم الرافعات التي يمكن أن تحد من الهيمنة والتسلط واستغلال النفوذ. فالفرد الواعي بحقوقه وبحدود اختصاص المؤسسات أقدر، من حيث المبدأ، على المساءلة والاعتراض والمشاركة. غير أنني لا أقدم هذا الافتراض باعتباره حقيقة مطلقة؛ فقد يوجد أفراد واعون يعجزون عن التأثير بسبب اختلالات مؤسسية أو اقتصادية أو سياسية. لذلك ينبغي اختبار العلاقة بين الوعي والقدرة الفعلية على التغيير، لا الاكتفاء بتمجيد الوعي في ذاته.

رابعاً: لماذا أتمسك بالتضامن؟

هنا أصل إلى الكلمة التي غابت عن التسمية الوزارية الجديدة: «التضامن»، Solidarité. وأرى أن غيابها يستحق التساؤل، لا لأن وجودها في اسم الوزارة كان يضمن ممارستها، بل لأنها تحمل معنى مختلفاً عن المساواة والإدماج.

فالتضامن، كما أفهمه، لا يفترض أن الأفراد متطابقون، ولا يشترط أن يُدمج أحدهم في نموذج يحدده الآخر. إنه يقوم على الاعتراف بالاختلاف والتنوع وبالاعتماد المتبادل، وعلى إمكان التعاون والمساندة بين أفراد يواجهون أوضاعاً غير متكافئة. وقد يتضامن القوي مع الضعيف، والغني مع الفقير، والسليم مع المريض، كما قد يتضامن أفراد يتقاسمون المصاعب نفسها. ولا تقتصر قيمة التضامن على المساعدة المادية، بل تشمل الثقة والتعاون وتحمل المسؤوليات المحددة والمشاركة في معالجة المشكلات المشتركة. لكنني لا أدعو إلى تضامن يتحول إلى وصاية أو إحسان دائم يكرس التبعية. فالتضامن الذي أدافع عنه ينبغي أن يساعد الفرد على توسيع قدراته واستقلاليته، لا أن يجعله محتاجاً باستمرار إلى من يتحدث أو يقرر باسمه. ومن هنا يظهر الفرق الذي أراه بين المفاهيم الثلاثة: فالمساواة تشير إلى معيار ينبغي تحديد مستواه، والإدماج يشير إلى علاقة بين الفرد ومحيطه قد تكون محررة أو موجهة، أما التضامن فيشير إلى رابطة مساندة متبادلة يمكن أن تحترم الاختلاف والاستقلالية.

ولذلك أتساءل: لماذا لا تكون السياسة الأسرية والاجتماعية المغربية قائمة على التضامن والإنصاف وتقوية قدرات الأفراد، بدلاً من جعل المساواة عنواناً مركزياً قد يظل معناه ملتبساً؟ ولا أزعم أن التضامن بديل عن الحقوق أو عن المساواة أمام القانون؛ بل أراه مكملاً لهما، وعنصراً ضرورياً في بناء علاقات أسرية ومجتمعية أقل خضوعاً للهيمنة.

خامساً: الأسرة ليست جماعة متجانسة

يتخذ هذا النقاش أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالأسرة. فليس هناك، في الواقع المغربي، نموذج واحد للأسرة يمكن فرضه على الجميع دون اعتبار الاختلافات الاجتماعية والثقافية واللغوية والاقتصادية والترابية. كما أن الأسرة ليست فرداً واحداً يمتلك إرادة واحدة؛ إنها تتشكل من أفراد لهم مصالح وتطلعات ومسؤوليات قد تتوافق وقد تتعارض.

ولهذا أتحفظ على الخطابات التي تختزل العلاقات الأسرية في صراع دائم بين المرأة والرجل، كما أتحفظ على التصورات التي تطالب الأفراد بالخضوع غير المشروط لما يسمى مصلحة الأسرة. فلا المرأة مجرد ضحية بحكم جنسها، ولا الرجل متسلط بالضرورة بحكم جنسه، ولا الأسرة كيان مقدس يعفي علاقاتها من النقد والمساءلة.

إن ما أسميه، في مشروع نقدي أوسع، «النسوية المنحرفة» لا يشمل جميع التيارات النسوية ولا المطالب المشروعة بحقوق النساء، وإنما يشير إلى الخطابات التي تتحول من الدفاع عن الحقوق إلى تصنيف الأفراد وإصدار الأحكام عليهم انطلاقاً من انتمائهم الجنسي وحده. وهذا المفهوم نفسه اقتراح نقدي ينبغي أن يخضع للاختبار، لا أن يتحول إلى تهمة جاهزة. فإذا كانت الغاية هي العدل داخل الأسرة، فعلينا أن ننطلق من الأفراد: من يحتاج إلى الحماية؟ من يتعرض للعنف أو الحرمان؟ من يتحمل أعباء غير منصفة؟ ومن يُحرم من فرص التعليم أو العمل أو المشاركة في القرار؟ ثم نبحث عن الحلول وفق الوقائع والحاجات، لا وفق أحكام مسبقة على النساء أو الرجال.

سادساً: السياسة العمومية تُقاس بنتائجها لا بشعاراتها

لا أريد أن ينتهي هذا النقاش إلى مجرد اقتراح أسماء بديلة للوزارات. فالمشكلة أعمق من التسمية، وإن كانت التسمية مناسبة لكشفها. إن ما يهمني في النهاية هو الأداء الجيد، والفعالية، والنجاعة، والجدوى، والآثار الفعلية للسياسات العمومية على حياة الأفراد. فقد تحمل وزارة كلمة «التضامن» ولا تحقق تضامناً فعلياً، وقد ترفع شعار «المساواة» وتنجح في إزالة أشكال من التمييز، وقد تعتمد برامج للإدماج تساعد الأفراد فعلاً على اكتساب الاستقلالية. والعكس ممكن أيضاً. لذلك لا ينبغي أن نحكم على السياسة من عنوانها، وإنما من أهدافها ووسائلها ونتائجها.

إن العدالة الاجتماعية هي الأفق الذي أميل إليه، أما السعادة الإنسانية والمساواة الفعلية فهما مآلان مأمولان، لا شروطاً نفترض تحققها منذ البداية. والسعادة، على وجه الخصوص، لا تُفرض على الإنسان بقرار إداري، وإنما قد تنتج عن تحسن شروط حياته، واتساع حريته، وقدرته على الاختيار، وشعوره بالكرامة والأمان والانتماء الذي يرتضيه لنفسه.

ولست أدعي أن الوعي الفردي وحده كافٍ لتحقيق هذه الغايات، ولا أن الانطلاق من الفرد يحل تلقائياً جميع مشكلات المجتمع. إنني أقترح اتجاهاً في التفكير وفي بناء السياسات، قابلاً للنقد والدحض والمراجعة: أن نبدأ من الإنسان، وأن ندرس حاجاته وقدراته وتفاعلاته، وأن ننتقل من الأفراد إلى المؤسسات، ومن الجهات إلى الدولة الوطنية، وأن نُخضع كل قرار لتقييم آثاره على المعنيين به.

وبهذه الروح أقرأ التسمية الحكومية الجديدة. لا أعترض على المساواة في الحقوق، ولا على إزالة عوائق المشاركة المجتمعية، وإنما أعترض على تحويل المساواة والإدماج إلى مفاهيم مكتفية بذاتها، وعلى تغييب التضامن من التسمية الوزارية، بوصفه قيمة إنسانية واجتماعية جديرة بالحضور.

خلاصة قولي هو إن الغاية ليست هي أن تدمج الدولة الإنسان في مجتمع تتصور شكله مسبقاً، بل أن تهيئ له شروط الوعي والحرية والقدرة على المشاركة في بناء المجتمع الذي يريد أن يعيش فيه. وليست الغاية أن نجعل الأفراد متساوين في كل شيء، بل أن نمنع الظلم والحرمان والهيمنة، وأن نفتح أمامهم سبل العدل والكرامة والسعادة. وعندئذ فقط يصبح من المشروع أن نسأل: هل خدمت السياسة العمومية الأفراد فعلاً، أم اكتفت بإعادة تسمية المشكلات التي يعيشونها؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12 3

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39 1

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34 2

مراسيم تسليم السلط