المدرسة.. اغتيالٌ للطفولة

المدرسة.. اغتيالٌ للطفولة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 18:25

هنا مدينة فاس… الآن؛ الثامنة والنصف ليلا، هناك تجمهر وضجيج أمام المدخل الرئيس لثانوية تأهيلية شهيرة، سائقون أطلقوا منبهات سياراتهم، لعلهم يفتحون سبيلا للمرور بين السيارات الواقفة على الطريق يمينا ويسارا… ربما هناك حادثة خطرة، أو وقفة احتجاجية! لا هذه ولا تلك، هذا تجمهر مدرسي فقط، يضم أمهات وآباء ورثة لغة فولتير، أغلب هؤلاء المتمدرسين ليلا، لم يجتازوا بعد سن الطفولة المبكرة، نعم؛ جلهم تقل أعمارهم عن عشر سنوات… دعوني أخلع ثوب الرؤية من الخارج، وأنضم إلى هذا الحشد المدرسي، مفتشا عن صغيرتي التي لم يتعدَّ عمرها سبع سنوات، نعم حتى أنا كاتب هذه الأسطر من المتآمرين على الطفولة ومن الشغوفين بالهندسة البراغماتية للمتعلم، التي تسحق أحيانا حقوق أطفالنا في عيش مراحلهم العمرية بأمان، شغفا لا يُلغي شغف السؤال؛ حول جدلية المدرسة والطفولة.

حقيبة مرهقة للظهر والمخيال

نظر إلى المحفظة، تفحّص الكتب المدرسية والدفاتر… حمل المحفظة بيدٍ واحدة، فعل ذلك بمشقة، نظر إلي وقال “بزاف.. هذشي غيشتت هاذ الوليدات”، هذا موقف رجل متقاعد خريج مدرسة الاستقلال.. انطلق الرجل في سرد وقائع التعليم والتعلم خلال تلك الفترة، وما يهمنا في كلامه، هو حضور التلميذ إلى المدرسة بلوح ودفتر فقط، فحتى كتب “القراءة” كان يُحتفظ بها في خزانة القسم، جيل الاستقلال تعلم اللغات بالتدرج وليس دفعة واحدة كما يتعلمها جيل المستقبل، بعض أبناء جيل الاستقلال كما هو معلوم، وحسب الشهادات المتداولة كانوا متقنين للغات وخاصة الفرنسية، أما جيل الألفية الثالثة فيعيش تشتتا لغويا ومعرفيا صارخا، رياضيات بالعربية والفرنسية، نشاط علمي بالعربية والفرنسية، إعلاميات، لغات متعددة؛ عربية، فرنسية، إنجليزية، كتب تتضمن صورا لا حصر لها، مرفقة بصور وفيديوهات أخرى توظف باعتماد وسائط التعلم الحديثة كالسبورة التفاعلية وغيرها، أليس هذا مُرهقا لأطفال بالمستوى الأول الابتدائي؟ وهل هذا الكم المعرفي الهائل، يترك فسحة لأذهان أطفالنا، لتوظيف مخيالهم الطفولي الحر، في سبيل إبداع أشياء أو رسوم أو أفكار…

تخبرنا التحولات التي عاشتها المجتمعات الراهنة أن الوفرة عدو وجودي للإنسان، ولا شك أن الوفرة الرقمية لا تخرج عن هذه القاعدة، وعلى سبيل المثال فقد أكدت بعض الدراسات التي أجرتها المعاهد الوطنية للصحة (NIH) بالولايات المتحدة الأمريكية، أن الأطفال الذين يقضون أكثر من ساعتين يوميًا في مشاهدة الشاشات يحصلون على درجات أقل في اختبارات اللغة والتفكير، وأن بعض الأطفال الذين يقضون أكثر من سبع ساعات يوميًا أمام الشاشات يعانون من ترقق قشرة الدماغ، وهي منطقة الدماغ المرتبطة بالتفكير النقدي والاستدلال.

يتفاقم الأثر السلبي للشاشات على فئة الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة، وبالتالي الإفراط في توظيف الموارد الرقمية، يمكن أن يعمق هذا الخلل بل يمكن اعتباره بمثابة تدريب للأطفال على استهلاك المعارف المعلبة والمهارات الجاهزة، لا على إنتاجها – إنتاج حكاية مثلا. خلال العقود الماضية كانت بيداغوجيا التعليم بالمغرب تخضع لمنطق الحفظ – إفراغ المعارف بعقول التلاميذ وحثهم على استظهارها، والآن أصبحت تخضع لمنطق الاستهلاك، تماشيا مع الصعود الاقتصادي والاجتماعي لثقافة الاستهلاك…

أطفالنا.. كائنات لا تُحتمل حُريتها

“كائن لا تُحتمل خفته” عنوان لرواية ميلان كونديرا، وبمنطق الاستعارة يمكن القول عن الطفل: إنه كائن لا تُحتمل حُريته. أطفالنا كائنات تسعى باستمرار نحو حرية بلا قيود، فهم لا يعترفون بالضوابط الأسرية والاجتماعية؛ يتمردون كثيرا ويُقاومون الهيمنة ويتحملون تكلفة المقاومة، في سبيل انتزاع حريتهم الطبيعية، التي تتأرجح بين الفعل والامتناع عن الفعل، حسب ما تمليه حاجاتهم ورغباتهم، التي تدفعهم نحو اللعب فقط، لعب أثناء التعلم، وقابلية له حتى خلال تناول الوجبات، لهذا فتوظيف اللعب خلال الطفولة المبكرة، منهجية معتبرة للتعلم وتنمية قدرات أطفالنا الصغار.

لا شك أن عملية ترويض أطفالنا عملية شاقة، ولا تتطلب الذكاء والحزم فقط، بل تتطلب إدراك طبيعة المرحلة العمرية واحترام خصوصيتها. أطفالنا؛ يؤمنون بالحرية في معناها الطبيعي، حرية مطلقة، لا يميزون بين الصواب والخطأ، وهذا دورنا طبعا، فنحن من ندربهم على حدود الحرية وعلى التمييز بين الجيد والسيء، وبين الواجب والممكن، وبين المحتمل والمستحيل…

الحق في الحياة… حق في اللعب

رغم مرور أكثر من نصف قرن على استقلال المغرب، لايزال المغاربة متشبثين بالنظام التعليمي الفرنكوفوني، الذي يجعل من المدرسة فضاء تعلم فقط، وليس فضاء حياة وإبداع، مواد كثيرة وجدول حصص ثقيل – مملوء عن آخره، والفادح أن الأسر لا تكتفي بذلك، بل في سبيل سعيها إلى تحقيق تعلم سريع وفعال، يحاول معظمنا تضييق فترة اللعب وتمطيط فترة التعلم، فالمدرسة أصبحت غير كافية لتحقيق القدرات والكفايات المتوقعة، نحتاج لتعلم آخر، تعلم شامل، يُغطي وقت الفراغ، نهارا وليلا، بل حتى سرقة ساعة من ساعات النوم فعل مباح وربما واجب، أطفالنا تحولوا إلى آلات لا تُقهر، وكأن عقولهم لا تُرهق؛ مدرسة، مراكز لغات، حصص دعم وواجبات منزلية… للأسف ذهنية التمدرس التهمت أوقات اللعب وسحقت فضاءاته.

أفضى تحالف “نزعة التمدرس” و”النزعة الرقمية” إلى طفولة منكسرة، أطفال تُسرق منهم طفولتهم أمام الشاشات وتحت يافطة التعلم المستمر، وللأسف مرة ثانية هؤلاء الأطفال، سُرعان ما ينتابهم الملل ويتسرب التعب المبكر إلى وجدانهم، المُثقل بذكريات متلازمة الحرمان، فتنبعث من جديد وبشكل متأخر، رغباتهم الطفولية المكبوتة، معلنة حربا على الديكتاتورية الأسرية، ومحطمة لتابو “التعلم المقدس”، تمرد ينتهي في نهاية المطاف إلى تعثر دراسي في سنوات الحسم، وأحيانا إلى انهيار أو فشل دراسي يُقبر الأحلام الرومانسية للأسر…

لماذا؟ لأن هؤلاء استنفدوا طاقتهم التعلمية وعاشوا الحرمان من حقهم في طفولة آمنة، مما يُولد لديهم رغبة في الرفض والمقاومة، كتعويض عن الحرمان المرتبط بانتهاك “الحق في اللعب”، خلال الطفولة المبكرة، يصبح؛ الحق في اللعب مرادفا للحق في الحياة، وبهذا المنطق، يجب تنويع أشكال اللعب وتمطيط فترته، كجعل اللعب وسيلة للتعلم، والخيال منطلقا له، لأن اكتساب القدرات والكفايات لا يرتبط بالمُدد الزمنية المخصصة للتعلم، كما لا يرتبط بعدد الكتب المتوفرة ولا بأنواع الفيديوهات المُشاهدة، بل يرتبط بالإرادة الحرة لأطفالنا، التي يُمكن صناعتها باعتماد مزيج من التحفيز والحزم والعبثية أحيانا، هكذا يُحقق شغف الاكتساب، وتُعزز الثقة ويترسخ الإيمان الوجداني بالرضا وبالقدرة على التطور الهادئ والنمو المستمر… بشكل لا ينتهك حق أطفالنا في الحياة – حقهم في اللعب، هذا بالضبط ما يضمن نحت شخصية أطفالنا لجعلها أكثر قدرة على امتصاص صدمات التعلم وأكثر صبرا في سبيل تحقيق الأهداف.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟