كلف الحفاظ على استقرار أسعار الكهرباء بالمغرب خزينة الدولة 17 مليار درهم (1700 مليار سنتيم) خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025، بعدما اضطرت السلطات العمومية إلى تقديم دعم مالي للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب لامتصاص الارتفاع المتواصل في تكاليف المواد الأولية الطاقية بالأسواق الدولية، وتجنيب الأسر والمقاولات زيادات مباشرة في فواتير الاستهلاك، في وقت تتفاقم فيه الضغوط على التوازنات المالية للمؤسسة، مع توقع ارتفاع خسائرها إلى أزيد من 8,6 مليارات درهم بنهاية السنة الجارية.
وكشف التقرير الاقتصادي والمالي المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027 أن الدولة منحت المكتب دعما إجماليا بقيمة 17 مليار درهم على مدى أربع سنوات، بهدف مواجهة ارتفاع تكاليف المدخلات الطاقية وتفادي انتقال انعكاساتها مباشرة إلى المستهلك النهائي، موضحا أن هذه التحويلات مكنت من المحافظة على استقرار التعريفات الكهربائية بالنسبة إلى مختلف فئات المستهلكين، رغم الاضطرابات التي شهدتها أسواق الطاقة الدولية.
وأبرز التقرير ذاته، اطلعت هسبريس على تفاصيله، أن تدخل الدولة ساهم في حماية القدرة الشرائية للأسر ودعم النشاط الاقتصادي، من خلال الحد من انتقال ارتفاع تكاليف إنتاج الكهرباء إلى الأسعار الداخلية، مشيرا إلى أن هذا الدعم فرض، في المقابل، أعباء إضافية على المالية العمومية، في سياق يتسم بتزايد الحاجيات التمويلية للقطاعات الاجتماعية والاستثمارات العمومية، وضرورة الحفاظ على استدامة التوازنات الميزانياتية.
وتزامن الكشف عن الكلفة المالية لاستقرار أسعار الكهرباء مع استمرار الصعوبات التي تواجه النموذج الاقتصادي للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب؛ إذ أظهرت معطيات رسمية تسجيل المؤسسة خسارة صافية بلغت 6,963 مليار درهم خلال 2025، مقابل 7,286 مليار درهم في السنة السابقة، فيما تشير توقعات اختتام 2026 إلى ارتفاع العجز إلى 8,625 مليار درهم، نتيجة زيادة فاتورة المحروقات وارتفاع الأعباء المالية.
واكتست هذه المؤشرات أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي تؤديه أسعار الكهرباء في تحديد نفقات الأسر وتكاليف إنتاج المقاولات، حيث لا تقتصر انعكاسات أي زيادة محتملة في التعريفات على الفواتير الشهرية، بل تمتد إلى أسعار السلع والخدمات، خصوصا في الأنشطة الصناعية والخدماتية كثيفة الاستهلاك للطاقة، ما يجعل المحافظة على استقرار الأسعار مرتبطة بقدرة المؤسسة على تحسين مردوديتها وتقليص تكاليف الإنتاج.
وفي هذا السياق، أظهرت المعطيات الاقتصادية المرفقة بمشروع قانون المالية استمرار تأثر المغرب بتقلبات الأسواق الطاقية الدولية، بعدما ارتفعت واردات المنتجات الطاقية بنسبة 32,6 في المائة عند متم غشت 2026، بالتزامن مع ارتفاع مؤشر أسعار الطاقة للبنك الدولي بنسبة 26 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، وهو ما يعكس استمرار الضغوط الخارجية على كلفة التزود بالمواد الأولية.
وسجلت أسعار النفط بدورها تقلبات ملحوظة خلال السنة الجارية، بعدما بلغ متوسط سعر خام برنت حوالي 104 دولارات للبرميل خلال الفصل الثاني، قبل تراجعه إلى 83 دولارا في يوليوز، وارتفاعه مجددا إلى 91 دولارا في غشت، ما يبرز حجم المخاطر المرتبطة بتطور تكاليف الطاقة المستوردة، وانعكاساتها المحتملة على نفقات إنتاج الكهرباء بالمغرب.
ووضعت هذه التطورات المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب أمام تحدي التوفيق بين استمرار تقديم الكهرباء بتعريفات مستقرة، وتغطية تكاليف الإنتاج والاستغلال، خصوصا مع تزايد حاجيات تمويل مشاريع الانتقال الطاقي وتوسيع قدرات الإنتاج والنقل والتخزين، في ظل توجه الدولة نحو إعادة هيكلة المؤسسة وتحسين استدامة نموذجها الاقتصادي والمالي.
خسائر متفاقمة ومديونية تحت ضغط الإصلاح
كشف التقرير حول المؤسسات والمقاولات العمومية المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027 عن تراجع رقم معاملات المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بنسبة 2,5 في المائة خلال السنة الماضية، ليستقر عند 41,466 مليار درهم، نتيجة الانسحاب التدريجي للمؤسسة من أنشطة التوزيع، عقب دخول الشركات الجهوية متعددة الخدمات حيز الخدمة، إلى جانب تقلص هوامش الربح على مبيعات الكهرباء.
وأوضحت المعطيات ذاتها أن نتيجة الاستغلال سجلت عجزا بقيمة 5,252 مليار درهم سنة 2025، مقابل 4,246 مليار درهم في 2024، بتدهور بلغ 1,006 مليار درهم، متأثرة بارتفاع تكاليف المحروقات، رغم تحسن النتيجة الصافية للمؤسسة بمقدار 323 مليون درهم خلال الفترة نفسها.
وبلغت ديون التمويل لدى المكتب 55,930 مليار درهم بنهاية 2025، مقابل 54,694 مليار درهم قبل سنة، بزيادة قدرها 1,236 مليار درهم، عزاها التقرير، على الخصوص، إلى تسجيل قرض سندي بقيمة خمسة مليارات درهم على مستوى فرع الكهرباء، في وقت تتوقع المؤسسة تراجع مديونيتها بنسبة 17 في المائة، لتستقر عند 46,569 مليار درهم بنهاية 2026.
وفي المقابل، سجل المكتب استثمارات فعلية بقيمة 7,363 مليار درهم خلال 2025، بمعدل إنجاز لم يتجاوز 68 في المائة من الميزانية الأولية البالغة 10,875 مليار درهم، فيما تشير توقعات اختتام السنة الجارية إلى ارتفاع الاستثمارات بنسبة 28 في المائة، لتبلغ 9,423 مليار درهم، بالتزامن مع توقع استقرار رقم المعاملات عند 41,145 مليار درهم.
وسجلت المؤشرات المالية المرحلية للمكتب رقم معاملات بقيمة 19,111 مليار درهم عند متم يونيو 2026، مقابل عجز في نتيجة الاستغلال بلغ 571 مليون درهم، وخسارة صافية بقيمة 986 مليون درهم، ما يعكس استمرار الضغوط على نشاط المؤسسة، مع توقع اتساع الخسائر خلال النصف الثاني من السنة، وفق تقديرات الاختتام الواردة في التقرير الرسمي.
وجاءت هذه التطورات في سياق إصلاح واسع لقطاع توزيع الماء والكهرباء، بعدما استكملت الشركات الجهوية متعددة الخدمات الاثنتا عشرة دخولها حيز النشاط خلال 2025، مع نقل أنشطة التوزيع التابعة للمكتب إليها ابتداء من فاتح نونبر من السنة نفسها، في خطوة تروم إعادة تنظيم الاختصاصات وتحسين مردودية الشبكات وجودة الخدمات المقدمة للمستهلكين.
وارتبط هذا التحول بإعادة تحديد التموقع الاستراتيجي للمكتب والتحضير لتحويله إلى شركة مساهمة، إلى جانب الاتفاقية المبرمة في 3 نونبر 2025 بين الدولة والوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب والوكالة المغربية للطاقة المستدامة “مازن”، باعتبارها من المرتكزات الأساسية لإعادة هيكلة القطاع وتحسين التنسيق بين المتدخلين فيه.
وعلى المستوى الاستثماري، تضمن مخطط تجهيز المكتب للفترة الممتدة بين 2026 و2030 تعبئة 177 مليار درهم لقطاع الكهرباء و42,1 مليار درهم لقطاع الماء الصالح للشرب، بإجمالي يصل إلى 219,1 مليار درهم، مع مساهمة مرتقبة للقطاع الخاص بنسبة 72 في المائة، في إطار التوجه نحو تعبئة تمويلات إضافية لإنجاز المشاريع الاستراتيجية وتقليص الضغط على الموارد العمومية.
وشمل البرنامج تطوير قدرات إضافية لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة تبلغ 14,34 جيغاواط، وإحداث تجهيزات جديدة للتخزين والمرونة، إلى جانب تعزيز شبكة النقل الكهربائي، ومضاعفة قدرة الربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا ثلاث مرات مقارنة بمستواها الحالي البالغ 700 ميغاواط، فضلا عن تطوير الربط الكهربائي مع موريتانيا.
أما في قطاع الماء الصالح للشرب، فاستهدف المخطط تعبئة قدرة إنتاجية إضافية تبلغ 2,68 مليون متر مكعب يوميا، منها 2,16 مليون متر مكعب من تحلية مياه البحر، إلى جانب إنجاز حوالي 2200 كيلومتر من قنوات جر المياه، بهدف تعزيز أمن التزود بالماء ومواكبة الطلب المتزايد على الموارد المائية.
وأشارت التوقعات المالية للمكتب إلى برمجة استثمارات بقيمة 16,490 مليار درهم خلال 2027، قبل ارتفاعها إلى 20,862 مليار درهم في 2028، ثم استقرارها عند 18,602 مليار درهم في 2029، بالتزامن مع توقع ارتفاع رقم المعاملات إلى 43,020 مليار درهم و44,002 مليار درهم و48,715 مليار درهم، على التوالي، خلال السنوات الثلاث.
وأبرزت هذه المؤشرات حجم الرهانات المالية والاستثمارية المرتبطة بإعادة هيكلة المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، في ظل الحاجة إلى تحسين نتائج الاستغلال وتخفيف أعباء المديونية، بالتوازي مع تعبئة التمويلات اللازمة لتوسيع القدرات الإنتاجية وتعزيز أمن التزود بالكهرباء، دون تحميل الأسر والمقاولات زيادات مباشرة في تكاليف الاستهلاك.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.