التازي وذكريات عن العلاقات المغربية ـ الإيرانية

التازي وذكريات عن العلاقات المغربية ـ الإيرانية
الأحد 12 أبريل 2015 - 11:23

برحيل العلامة المؤرخ الدكتور عبد الهادي التازي نكون قد فقدنا معلمة كبرى من معلمات المغرب الحديث، فقد جمع بين يديه مختلف الاهتمامات التاريخية والفكرية والدينية والسياسية، وإن كان صوت المؤرخ قد غلب عليه فكان هواه فيه؛ وأغنى المكتبة المغربية والعربية بأمهات الكتب التي همت تخصصات عدة، غطت خصاصة كانت بحاجة إلى رجل يشمر لها ساعديه، وخدم تاريخ المغرب القديم والحديث خدمة لا تقدر بثمن، سوف تبقى محفورة في ذاكرة الأجيال وفي الذاكرة الوطنية بوجه خاص.

الذين عرفوا الفقيد الراحل عرفوا فيه واحدة من خصاله البارزة، فالرجل ظل يحتفظ بحيويته ونشاطه إلى سني عمره الأخيرة، فكان قوي الذاكرة حتى وقد جاوز التسعين، والذاكرة عكازة المؤرخ. وأذكر أنني ترددت على زيارته قبل بضع سنوات في بيته العامر بالكتب، وكان محور اهتمامي في جلساتي معه الاطلاع على بعض جوانب العلاقات المغربية ـ الإيرانية التي عايش بداياتها عن كثب، فأهداني نسخة نادرة من ورقة كان قد قدمها في مؤتمر علمي بطهران في الستينيات من القرن الماضي، تخص علاقة المغرب والمغاربة بأهل البيت وحضور محبتهم لهم في مختلف التعبيرات الفنية الشعبية والعالمة. وأثناء مناقشتنا كان يقدم بعض الملاحظات حول الورقة، فنهض ودخل غرفة نومه وعاد يحمل نسخته الخاصة من الورقة وانهمك في كتابة ملاحظاته على الهامش، ثم أخذ النسخة التي بيدي وكتب نفس الملاحظات، أما أنا فقد قفز اهتمامي من المناقشة والملحوظات إلى الطريقة الحماسية التي يتصرف بها وكأنه طفل صغير يفرح بلعبة حصل عليها، وعندما وجهت إليه تلك الملاحظة ضحك وقال لي ما معناه إن الإنسان يجب أن يتعلم باستمرار ما دام حيا.

عمل التازي سفيرا للمغرب في بغداد في السبعينيات من القرن الماضي، وواكب التطورات على الساحة الإيرانية القريبة من العراق. وخلال وجود الخميني في النجف التي مكث فيها إلى عام 1978 قبل أن يغادرها إلى باريس ليعلن من هناك ثورته ضد الشاه، قام التازي بزيارته، حيث تعرف عليه عن قرب وتحاور معه حول مختلف القضايا التي تهم الوضع الإيراني والعلاقات المغربية الإيرانية والثقافة الشيعية بالمغرب.

لم يقل لي الفقيد الراحل آنذاك ما هي دواعي تلك الزيارة التي تكررت فيما بعد، ولكن يبدو أن حب الاستطلاع لدى المؤرخ ـ التي تحرضه على التنقيب في كل جديد ـ كانت وراء تلك الزيارة؛ بيد أنه لا بد من أنها تمت أيضا بتنسيق مع الرباط، فقد كان الحسن الثاني يتابع الأحداث في إيران عن كثب، وكانت لديه علاقات قوية مع الشاه الذي استقبله في المغرب في نهاية الستينيات حيث ألقى خطابا داخل البرلمان المغربي.

لكن الملك الراحل أدرك أن نهاية الشاه أصبحت وشيكة منذ الاحتفالات الصاخبة التي أقامها في مدينة برسيبوليس التاريخية التي ترمز إلى المجد الفارسي عام 1971، دعا إليها جميع ملوك وزعماء العالم قاطبة، وقد اعتبر الحسن الثاني ـ في حوار معه بعد الثورة الإيرانية ـ أن تلك الأحداث كانت أكبر خطأ اقترفه الشاه، لأنه أحيى غضب الشيعة المتدينين واستفز مشاعرهم.

خلال أحداث الثورة الإيرانية، وقبل سقوط النظام، أدلى الحسن الثاني بتصريحات نارية تجاه الخميني، واحد منها كان في إحدى القنوات الفرنسية، لكنه بعد استتباب الأمر للنظام الجديد ومغادرة الشاه لإيران في اتجاه مصر، حيث رفض أنور السادات استقباله، فكر الحسن الثاني في تعيين سفير له في طهران لإصلاح ذات البين.

لم يكن الاختيار سهلا، لأنه كان لا بد من شخص تجتمع فيه بضع صفات، فاقترح عليه أحدهم إسم عبد الهادي التازي، نظرا لمعرفته بالخميني عن قرب ولتجربته في العراق؛ لكن وجود التازي في طهران لم يستمر طويلا.

فقد روى لي الفقيد الراحل أن الجزائر، التي باركت الثورة منذ اليوم الأول، كانت حانقة على تطبيع العلاقات بين الرباط وطهران بعد تصريحات الحسن الثاني القوية، فكانت تحاول إعادة تسميم تلك العلاقات. وأثناء مناسبة من المناسبات الوطنية في إيران نظم احتفال بمقر السفارة المغربية بحضور مهدي بازركان، رئيس الحكومة المؤقتة التي جاءت بعد حكومة شهبور بختيار، والسفير الجزائري آنذاك، وكان التازي قد أخذ معه إلى الحفل حفيدة له تدعى فاطمة الزهراء، فانهال عليها الشيعة الحاضرون تقبيلا وأمطروها بالهدايا، لأن إسمها يذكرهم باسم الزهراء، إبنة الرسول عليه السلام وزوج علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. بيد أن الجزائريين لم يرقهم أن يرتقي مستوى العلاقات مع المغرب، فقرروا توظيف علاقاتهم في فرنسا من أجل إعادة بث البرنامج التلفزيوني الذي ذكرت فيه تصريحات الحسن الثاني ضد الخميني، من أجل تحريض النظام الجديد على المغرب.

بقية القصة معروفة. فبعد أن طافت طائرة الشاه في الأجواء ورفض الجميع استقباله، بمن فيهم حلفاؤه الأمريكيون أنفسهم، قرر الحسن الثاني استضافته ومنحه اللجوء السياسي، قبل أن يتراجع عن ذلك في ما بعد، لتدخل العلاقات بين الرباط وطهران مرحلة الجليد ثانية، فعاد التازي إلى الرباط متأبطا حقائبه.كان عبد الهادي التازي رحمه الله صاحب نكتة، لا تكاد تجالسه من غير أن تسمع منه طرفة من الطُرف التي يتحفك بها من ذاكرته الحية النابضة المليئة بالأسماء والأمكنة وعناوين الكتب.

حكى لي مرة أنه كان لديه، وهو سفير في طهران، سائق يسمى عمرا، وهو إسم يحيل على الفاروق عمر بن الخطاب عند الشيعة الإثني عشرية، وموقفهم منه معروف؛ فكان كلما خرج إلى الشارع إلا ويأخذ صفعة أو صفعتين من بعض المواطنين الإيرانيين، لكنه لم يكن يبوح للسفير بذلك السر، وذات مرة طفح به الكيل فشكى أمره إلى التازي، فرد عليه هذا الأخير ضاحكا:”يا أبله، قل لهم هذه المرة إن إسمك علي”!.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • said
    الأحد 12 أبريل 2015 - 13:06

    مقال جميل ومفيد جدا بمعلوماته الجديدة
    ألف شكر للكاتب المقتدر الاستاذ الكنبوري

  • منا رشدي
    الأحد 12 أبريل 2015 - 15:00

    المرحوم " عبد الهادي التازي " لم تستفذ وزارة التربية والتعليم من غزارة معرفته بتاريخ المغرب ! وعلاقة المغرب بالإمبراطوريات الإمبريالية الناشئة ٱنذاك خاصة بريطانيا العظمى التي كتبت أول صفحة من مجدها الحضاري في المغرب بعد معركة الملوك الثلاث أو وادي المخازن ! حينها سارعت بريطانيا بعرض حلف مع السعديين لكن " أحمد المنصور الذهبي " رفضه ! أضعنا فرصة الدخول في حلف كان سيغير وجهة تاريخنا من البر إلى البحر ! كما أضعنا فرصة إمتلاك صناعة المدفع الإنجليزي !!!
    الحضارات القديمة قامت على ضفاف الأودية ثم تبعتها حضارات إستهدفت مفاصل الجغرافيا بالسيطرة على المرتفعات الإستراتيجية وتلتهما حضارة بنت مجدها إنطلاقا من إستثمار البحر ولا تزال إلى يومنا مسيطرة ! في المغرب ؛ خلف أجدادنا موعد دخول التاريخ ولا زلنا متشبثين بهذا الإختيار ! مولين ظهورنا للمحيط الأطلسي وكأننا قاصرين على إستيعاب دور البحار والمحيطات في رفاهية الشعوب !
    الصين يوم أدرك إمبراطورها بعدم جدوى أسطوله البحري التجاري إستعمرتها بريطانيا وفرنسا ! الصين المعاصرة أدركت الخطإ الإستراتيجي للخلف فقومته ! وهي اليوم أول قوة إقتصادية في العالم !

  • منا رشدي
    الأحد 12 أبريل 2015 - 15:42

    المرحوم " عبد الهادي التازي " لم تستفذ وزارة التربية والتعليم من غزارة معرفته بتاريخ المغرب ! وعلاقة المغرب بالإمبراطوريات الإمبريالية الناشئة ٱنذاك خاصة بريطانيا العظمى التي كتبت أول صفحة من مجدها الحضاري في المغرب بعد معركة الملوك الثلاث أو وادي المخازن ! حينها سارعت بريطانيا بعرض حلف مع السعديين لكن " أحمد المنصور الذهبي " رفضه ! أضعنا فرصة الدخول في حلف كان سيغير وجهة تاريخنا من البر إلى البحر ! كما أضعنا فرصة إمتلاك صناعة المدفع الإنجليزي !
    الحضارات القديمة قامت على ضفاف الأودية ثم تبعتها حضارات إستهدفت مفاصل الجغرافيا بالسيطرة على المرتفعات الإستراتيجية وتلتهما حضارة بنت مجدها إنطلاقا من إستثمار البحر ولا تزال إلى يومنا مسيطرة ! في المغرب ؛ خلف أجدادنا موعد دخول التاريخ من بابه الواسع ولا زلنا متشبثين بهذا الإختيار العقيم ! مولين ظهورنا للمحيط الأطلسي وكأننا قاصرين على إستيعاب دور البحار والمحيطات !
    الصين يوم أدرك إمبراطورها بعدم جدوى أسطوله البحري التجاري إستعمرتها بريطانيا وفرنسا ! الصين المعاصرة أدركت الخطإ الإستراتيجي للخلف فقومته ! وهي اليوم أول قوة إقتصادية في العالم

  • un peu d'histoire
    الأحد 12 أبريل 2015 - 18:30

    ايران دولة عظمى اقليميا, هذه حقيقة لا ينبغي ان يغيبها الخلاف او العناد لحظة واحدة عن اذهاننا, والفرس ذوو تاريخ عريق, وهذه حقيقة اخرى لا يجب ان نغفل عنها ونحن نتناول علاقاتنا بايران;فحتى تركيا القوة الاقليمية والتاريخية الاخرى, لم تصل في الحقيقة الى عشر ما حققه الفرس من انجازات لكونها كانت قوة عسكرية بالاساس اما الفرس فقد كانو اهل علوم ومعارف..
    يفتخر العرب بابن سينا والرازي وجابر بن حيان والخوارزمي.. وجلهم في الحقيقة لم يكونوا سوى علماء فرس..
    الفرس كان لهم حظور تاريخي في بلاد العرب بالعراق والحيرة وبلاد المناذرة في عهد الاكاسره وبعد الفتح الاسلامي اخترقوا الدولة العباسية واصبحت عمليا دولة يتحكم فيها العنصر الفارسي اكثر من العربي..
    والفرس كان لهم حظور في اليمن ايضا بواسطة ما يعرف (بالابناء) وقد بعث الرسول ص(لبادان) الفارسي الذي كان حاكما على صنعاء بكتاب فاسلم واقره الرسول ص على امارته هناك, ثم توفي فخلفه على الحكم ابنه (شهر) في عهد النبي ص..
    هذه حقائق تاريخية يجب ان لا تغيب عن اذهاننا ونحن نتناول موضوع ايران وشعب فارس..

  • khalid
    الأحد 12 أبريل 2015 - 23:07

    المقال ذكر أشياء لم تكن معروفة عن المؤرخ التازي|، للأسف كتابنا المغاربة لا يكتبون مذكراتهم مثل الأوروبيين وإلا كنا قرأنا أشياء جميلة، شكرا للاستاذ الكنبوري ولهسبريس

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام