السلفية وعصور الأزمات

السلفية وعصور الأزمات
الأربعاء 15 أبريل 2015 - 09:30

عقد المجلس العلمي الأعلى قبل أيام ندوة حول مفهوم السلفية، تناقش خلالها بعض أعضاء المجلس والمجالس الإقليمية حول المصطلح والمفهوم والتصور، في ما يظهر أنه محاولة لإنقاذ عبارة السلفية من الاستعمالات غير المشروعة، وردها إلى نقائها الأول الذي انطبعت به، قبل أن يتسلط عليها من تسلط، فيمن تسلط.
ترتبط عبارة “السلفية” بالخصومات الدينية والسياسية منذ قرون، فالصراع بينها وبين المشارب الأخرى داخل الإسلام ليس جديدا، وإنما الجديد اليوم أنها أصبحت عنوانا لفئات متطرفة تحمل مشروعات سياسية تنسبها إلى السلف، بمثل ما يحمل الآخرون أفكارا تحاربها ينسبونها إلى السلف أيضا، وإذا جاز توظيف عبارة ديكارت الشهيرة عن العقل فإن السلفية”أعدل قسمة بين المسلمين”.

ظهر مفهوم السلفية مبكرا في تاريخ الإسلام، وإن لم يكن قد تبلور بالشكل الذي هو عليه إلا في القرون المتأخرة. ويمكن الرجوع به إلى الفترة المبكرة لنشأة المذاهب الكلامية، عندما نشب الخلاف بشأن الحيز الذي يتعين أن تأخذه الفلسفات اليونانية وغير اليونانية من النزعات الكلامية في الأسماء والصفات، وكان حظ المعتزلة من ذلك الصراع كبيرا، لأنها الجماعة التي شكلت حلقة وصل بين الإسلام والفلسفة اليونانية. وعندما تطور الفقه وتفرعت مدارسه صارت السلفية نعتا على أتباع الأثر، وحين نما العقل الإسلامي وأخذ في التفصيل صارت السلفية نعتا على أصحاب النقل، وعندما احتك المسلمون بالغرب في العصر الحديث أصبحت السلفية نعتا على أصحاب المحافظة؛ وهكذا فإن السلفية وجدت في كل عصر، لأنها كانت جارا لكل جديد، لكن جارا لا يُحمد جواره، لأنه يرفض أن يجاوره أحد.
وقد ارتبط شعار السلفية، بوصفها رفضا للحاضر وعودة إلى الماضي، بكبريات الأزمات التي يجتازها المسلمون؛ وهذه خاصية تستحق التنبيه عليها، بحيث إن الملاحظ أنه في كل محطة متأزمة من تاريخ المسلمين إلا ويبعث المصطلح من رقاده ويصبح عنوانا لصراع داخل المجتمعات الإسلامية نفسها. فقد كان عصر ابن تيمية، الذي أصبح المصطلح لصيقا به كنوع من العرف، عصر أزمات كبرى في زمن التتار الذي ضعف فيه الحكم العباسي في القرن السابع الهجري، حتى أصبح الخليفة “يملك ولا يحكم”، مما أفسح الطريق أمام التتار لدخول الشام. في تلك الحقبة المتأزمة صاغ ابن تيمية جملة آرائه ومواقفه التي يتخذها السلفيون اليوم مقررا دراسيا لهم. وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر ظهر محمد بن عبد الوهاب، للرد على البدع و”الرافضة” في عصره، وتجديد الدعوة السلفية وعقيدة التوحيد. وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر ظهر محمد بن علي الشوكاني الذي رفع شعار تجديد العقيدة السلفية، في عصر تميز بضعف الحكم العثماني وتحرش الدول الأوروبية به، وباشتداد قبضة الشيعة الزيدية في اليمن. وفي بداية القرن العشرين ظهرت الحركة السلفية على يد محمد عبده ورشيد رضا، في ظل التحدي الذي طرحه الغرب وبداية تفكك الخلافة العثمانية، من أجل تجديد دعوة التوحيد ومحاربة البدع وإنقاذ العالم الإسلامي من التحلل. وفي بداية القرن الحادي والعشرين ظهرت السلفية الجهادية، لتشكل أول محاولة للجمع بين العقيدة السلفية وفكرة الجهاد والعمل المسلح، معتبرة نفسها الوريث الشرعي لهذه المحطات جميعها، التي رفع فيها لواء السلفية كشعار للتجديد.

الفرق بين هذه الأخيرة وبين السلفيات السابقة أن السلفية الجهادية، من جهة، لم تأت بمشروع للتجديد، فقد وجدت أمامها تراثا ضخما يسمى التراث السلفي، أخذت منه الجوانب التي تتعلق بالتكفير والقتل والجهاد كما تفهمه من ذلك التراث، لأنها وضعت برنامجا سياسيا يرتكز على الانتقاء من ذلك التراث بما يناسب؛ ومن جهة ثانية، فإن السلفيات السابقة انبثقت من داخل المجتمع ومن الإطار المؤسساتي الديني الموجود، بينما برزت السلفية الجهادية كحرب على مجتمعها. وعلى سبيل المثال فقد عملت على تنويل المفاهيم التي صاغها السلفيون السابقون على المسلمين أنفسهم، فمبدأ التكفير أصبح يطبق على المسلمين، ومبدأ الولاء والبراء ـ الذي يتبع المبدأ السابق في العقيدة السلفية ـ صار بالنتيجة يطبق على المسلمين أنفسهم. فإذا كانت السلفيات الماضية قد ظهرت للرد على التحديات الخارجية، ووضعت نصب عينها توحيد المجتمع الإسلامي لمواجهة تلك التحديات، فإن السلفية الجهادية استبدلت التحدي الداخلي بالتحدي الخارجي، ووضعت برنامجا يرمي إلى تفكيك الوحدة الداخلية، وأحدثت من التفريعات الفقهية في فقه الجهاد ما يمكن أن يندهش له رواد الفكرة السلفية في الماضي لو بعثوا من قبورهم؛ فقد صنع هؤلاء أدوية للعلاج، بينما حولها السلفيون الجهاديون إلى سموم للقتل.

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • khalid
    الأربعاء 15 أبريل 2015 - 11:24

    نشكر للكاتب المحترم السي الكنبوري هذا المقال الجميل، فالسلفية فعلا قديمة وسلفيات وليست سلفية واحدة، لكن الباحث المبدع التقط بذكاء أن ما يميز السلفية في كل عصر هو الأزمة الحضارية للأمة. أما ندوة المجلس العلمي الأعلى كانت ندوة فارغة لم تضف شيئا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه،

  • منا رشدي
    الأربعاء 15 أبريل 2015 - 12:10

    خطأ المسلمين في ( أوج ) إزدهار حضارتهم تجلى في عدم ترجمة كل ما تعلق بالسياسة اليونانية دون الحديث عن الميتولوجيا الإغريقية ( للأخيرة ما يبررها في علاقة مع الوحدانية ) ! برعوا في ترجمة كل شيء حتى النحو السرياني نقلوه وإبدعوا فيه وتجاوزوه ! فما الذي برر لهذا ( العطب العقلي ) الذي فسح المجال لقيام أنظمة شمولية لا تعترف بالرأي المخالف وتفرض إختيارها بحد السيف ويمكنك الرجوع إلى الكتابات التي تناولت ( التعذيب في الإسلام ) من الخليفة الأول إلى العثمانيين لتتأكد من ذلك ! وإستمرت أنظمة الإستبداد والحزب الوحيد ما بعد الإستقلال في نهج نفس المعاملة السيئة مع المعارضين !
    هذا هو أصل الخلل ! وكل محاولة لفهم تشوهات الحاضر بعيدا عن السياسة هو إسقاط لا واعي لأخطاء الماضي على الحاضر ! الأزمة أزمة شرعية سياسية بغلاف ديني ! لو حسمت أول خلافة بعد موت الرسول ص بالتصويت لما فسح المجال لقيام المذاهب !!!!!!

  • الحسن المغربي
    الأربعاء 15 أبريل 2015 - 13:36

    السلفيون يقتدون بالسلف الصالح -الصحابة و التابعون و أتباع التابعين-الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية و قال:" خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".

    و رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لأصحابه: " سيكون بعدي أمراء فتعرفون و تنكرون فمن أنكر فقد برىء و من كره فقد سلم و لكن من رضي و تابع " فقال الصحابة رضي الله عنهم : أفلا ننابدهم بالسيف ؟
    قال :"لا ما أقاموا فيكم الصلاة "

    وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية ".

    وقال أيضا: " يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي و لا يستنون بسنتي و سيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس "

    فقال حذيفة رضي الله عنه: كيف أصنع إن ادركت ذلك؟

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسمع و تطع الأمير و إن ضرب ظهرك و أخد مالك".

    أما السلفيون الجهاديون فهم يقولون عن السلفيين الخلص بأنهم عملاء للسلاطين و هم يقدتون بالخوارج المارقين الذين قال فيهم رسول الله بأنهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس يقتلون أهل الإسلام و يتركون أهل الأوثان.

  • ابن أنس
    الأربعاء 15 أبريل 2015 - 16:58

    من الكتب النادرة التي عالجت إشكالية السلفية كتاب "السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي" للبوطي رحمه الله، وقد تعرض هذا الكتاب لانتقادات كثيرة من طرف الجماعات السلفية والصوفية لحياده وموضوعيته..

  • hossam maroc
    الأربعاء 15 أبريل 2015 - 17:20

    كان ولبذ أن نقول أن السلفية من المنظور الديني تعني في الأخير السلف الصالح وبخلق مصطلحات مصنوعة في الغرب وتداولها على اللسان حالنا تعتبر خطيئة بدون اللاشعور كالجهادية أو السياسية أو الدعوية فكلها أساطير الصهيونية أما السلفية فتبقى دعوة متكاملة إلى النبل والموعظة والعدل والسلام والسيف إن أضحت خياراتنا ضيقة كهذه الأيام التي أصبح فيها المسلم خارج عن الوجود بسبب المتربصون من بني جلدتنا المستبدين ورابطة الصهيوغربية المذمرة،

  • بركاني
    الأربعاء 15 أبريل 2015 - 22:06

    الدعوة السلفية تدعو لرجوع لماكان عنه الرعبل الاول من الصحابة و التابعين عقيدة و سلوكا في جميع ابواب الدين قال عليه الصلاة و السلام من احدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد و منه فان السلفية منهج واحد و انما جاء هذا التقسيم من اهل البدع واما السلفيون لا ينكرون ااجهاد الشرعي و انما له شروطه. المعروفة في كتب الفقهاء والسلفية بريءة من التكفير بل مصدره في العصر الحاضر فكر سيد قطب و المودىدي سهد بذلك القوضاوي

  • said
    الخميس 16 أبريل 2015 - 10:19

    Bravo mr ganbouri c est excelent

  • ابو اية - فرنسا
    الخميس 16 أبريل 2015 - 11:54

    ادعاء السلفيون انهم يتبعون ماكان عليه الصحابة وتابع التابعين ادعاء واه,لان مذهبهم لا يعدو ما احياه شيخهم الحنبلي ابن تيمية الحراني, الناس تعيش عصورها وتقودها عصورها الحية اما السلفيون فهم منقادون من عقل رجل في القبر الا وهو ابن تيمية

  • الحسن المغربي
    الخميس 16 أبريل 2015 - 12:36

    تصحيحا لما فهمه أبو آية الفرنسي عن السلفيين:

    السلفيون يعيشون عصرهم بكامل قواهم العقلية و لا ينقادون لعقل أحد كائنا من كان لا لشيخ الإسلام ابن تيمية و لا لغيره ولكنهم ينقادون لدين الله الموجود في كتاب الله و في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم.

    و الله عز وجل هو الذي شهد للسلف الصالح بالخيرية و أمر بإتباعهم وقال:" وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ".

    و رسول الله صلى الله عليه و سلم كذلك شهد لهم بالخيرية و قال:" خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" و أمر بإتباعهم و قال " عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ".

    و كل علماء المسلمين على هذا المنهاج يقولون إذا صح الحديث فهو مذهبي و يقولون ما قال الإمام أحمد: "لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الثوري ولا الأوزاعي و خذ من حيث أخذوا ".

  • حميد
    الجمعة 17 أبريل 2015 - 01:53

    نعم هي سفلية وليست سلفية لأسباب عدة اولا هي دعوة لايوجد تأصيل في الدين لا في القران ولافي السنة ولو حيث ضعيف ثانيا عنهم عور في الاصل وهو التوحيد ويصفون الله سبحانه وتعالى بما لايتصور ويشبهون الله تعالى بخلفه تعالى الله ويستدلون ب(’’ان الله خلق ادم على هبأته) ثالثا عندهم مشكل مع الني الكريم عليه الصلاة والسلام فهم لايعتبرونه سيدهم كما نقول نحن المسلمين اللهم صل على سيدنا محمد وال سيدنا محمد رابعا يبغضون ال بيت النبي ولايستدلون بهم ويكرهون جميع المذاهب الاسلامية سنية او شيعية ولا يعترفون الا بفقهين هما ابن تيمية وابن عبد الوهاب هذا اخي القارئ هو بعض حقدهم على الدين المسلم واهله والا لماذا تدمير الدول المسلمة فقط دون ربيبتهم اسرائيل ولا كلمة عنها او جرائمها ومن اراد ان ينكر افعالهم في البلدان الاسلامية فاساله عن ابن تيمة لتعرف كم هم متفقون على تدمير الامة

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30

اللغات المغربية في الأدب والإعلام