بدأت بشائر العطلة في الثانوية فسألت التلاميذ عن برنامجهم خلال العطلة الصيفية. من خلال تلخيص الأجوبة يظهر أنه في المجمل سيذهب الأولاد إلى البحر وستشاهد البنات المسلسلات التركية. ففي سن السادسة عشرة يشتد الفصل بين الجنسين. تشتد الرقابة على البنات حرصا على سمعتهن من تجارب الحب. وعليهن ملازمة أمهاتهن ليسهل عليهن إعادة إنتاج نمط حياتهن. أي الزواج إن شاء الله.
سألت تلميذة: هل ستتابعين مسلسلا جديدا سيبدأ في الصيف؟ أجابت أنها تتابع المسلسل الحالي وحين طلبتُ مثالا جاءت العناوين تفيض حبا مثل ثمن الحب، لعبة الحب، لارا، سامحيني…
يبدو أن شبه البنت بأمها يترسخ منذ الصغر. بل حتى الجدات يتابعن مسلسل “سامحيني”، وفيه صراع الحماة وزوجة ابنها. تشابهات كثيرة مع الحياة المغربية. للتدقيق صغت أسئلة استمارة لفحص الأمر من وجهة نظر ربات البيوت. وذلك عبر طلب استجواب الخالة والجارة وليس الأم. لأنه ما أن تسألَ أحدا عن أمه حتى يحتاط وينتقي الكلمات. بينما يجري في الاستجواب وصف علاقة الجارة بالمطبخ والتلفزيون بكل حرية. وفي النهاية أعتبرُ أنه لا فرق بين الأم وجاراتها. فالبيئة الواحدة لها قانون واحد. وحتى حين توجد استثناءات فهي تؤكد القاعدة ولا تكسرها.
لقد فتر الحديث عن المسلسلات المارطونية في الربيع العربي الأمازيغي. ولا يكْمن السبب في تراجع الغلاف الزمني للبث بل لأن العادة تقتل الملاحظة. لقد وقع تطبيع مع هذه المسلسلات وهي بديل مُسلي للقنوات الإخبارية التي قالت اليوم:
قصف في سوريا وتفجيرات في العراق وحكومتان في ليبيا ومحاكمات في مصر… نفس ما قالته القنوات البارحة والأسبوع الماضي. حاليا يشارك المغرب في حرب تجري في اليمن الشقي. الشرق الأوسط بعيد ولا تصل حرارة حربه للرباط لذا ينشغل الوزراء بالحب والشوكولاطة الفاخرة من المال العام.
يؤكد هذا التطبيع على أن نجاح المسلسلات ليس موضة عابرة بل حاجة راسخة. وقد ترسخ هذا بسبب تحولات زمن المرأة. فحسب الإحصائيات استطاعت المرأة المغربية أن ترفع من وقت فراغها بنسبة الثلث يوميا بينما انخفض الوقت المخصص للأعمال المنزلية بنصف ساعة يوميا لدى ربات البيوت في الوسط القروي.
في دفاعها عن مشاهدة المسلسلات تقول الجارة “ماذا سأفعل حين يذهب الأولاد للمدرسة والرجل للعمل أو المقهى؟”
في المدينة خاصة، حلّ الناس مشكلة المرقد والموقد، فتفرغوا للترفيه بدلا من التعلم وهنا يبتلع التلفزيون جل الغلاف الزمني للترفيه. حتى أن هناك مقاهي تعرض المسلسلات التركية حين لا تجري مباريات كرة قدم من البطولة الأسبانية. يكاد المقهى يصير المؤسسة الأولى في مجتمع الرجال بعد سن الأربعين وقد تراجعت حيويتهم الجنسية ومزاجهم العاطفي وبذلك صارت التلفزة مُنقذا لربات البيوت في وحدتهن.
للوصول لهؤلاء النسوة تتهافت القنوات العربية على المسلسلات التركية… في اللوحات الإشهارية بالشوارع الرئيسية بالدار البيضاء دعوة لمشاهدة الجزء الثالث من حريم السلطان. صارت المسلسلات جزء من العادات الاستهلاكية للأسر المغربية مثل الأكل والنوم والمرحاض.
حسب تفريغ الاستمارة يبدأ أهم مسلسل في السابعة والربع. تجلس الجارة أمام التلفاز. تنظر بانتباه كي لا تفوتها أية لقطة من “سامحيني”. يحب البطل وليد البطلة فريدة ويحاول الأعداء التفريق بينهم. ويفترض أن ينتصر وليد على الأعداء. وهو رجل كريم يحب امرأة مغتصبة، ويطلب منها أن تسامحه لأنه لم يحمها… هذا كرم عاطفي نادر. عادة لا يطلب الرجال المسامحة.
يتم تشغيل التلفزة من الثامنة صباحا حتى الثانية عشرة ليلا، وغالبا في كل بيت شاشتي تلفزيون. وبقياس الغلاف الزمني وعدد الشاشات فالتلفزيون أكثر تأثيرا من التعليم. تشتغل التلفزة ست عشرة ساعة يوميا. وقد بلغ صراع فريدة من أجل الحب الحلقة 640. أي عمر الطفل الأصغر في الأسرة. حين يدوم مسلسل ثلاث سنوات فإنه يصير جزءا من الحياة اليومية لربة البيت لذا تتراجع الحدود الفاصلة بين الواقع والمشاعر الجياشة على الشاشة. بعد كل حلقة تلتقي الجارات لتبادل وجهات النظر، يضعن تخمينات عن الحلقة القادمة وطبعا عن الحلقة النهائية.
أسألُ: هل توجد أمك ضمن الجارات؟
طبعا.
هنا لم يعد الحديث عن الجارة بل عن الأم وقد صارت الشهادات أكثر عمقا:
تركز أمي على المسلسل مائة بالمئة. حين تفوتها الحلقة لسبب ما تسأل جارتها لمتابعة التطورات بينما أنا أشعر بالجوع. فعادة أتناول لمجة جيدة مساء السبت والأحد لأن التلفزة لا تعرض المسلسل. لكن لا لمجمة خلال باقي أيام الأسبوع. صارت أمي جد متأثرة بفريدة. عندما تفرح فريدة تفرح أمي. وعندما تحزن فريدة تحزن أمي. تنصح أمي البطل بأن يحب فريدة بصدق. كتبت تلميذة “من فرط إدمان المسلسل تريد أمي أن تعيش مثل فريدة، وقد اشترت ملاءة تركية ب 160 دولار للسرير”.
نتابع ما جاء في الشهادات:
أمي ممنوعة من الخروج، لا تستطيع مغادرة البت دون اذن الزوج وإذا لم تحصل على الإذن عليها اصطحاب طفلها الذي يكون في المدرسة لذا فالتلفزيون متنفس ربة البت وفيه تتابع حكايات التضحية والمواساة والجريمة والحزن.
تنهي أمي أشغال المنزل بسرعة لتتفرغ للمشاهدة. أحيانا لا تحضر أمي العشاء بسبب المسلسل، وفي حالات كثيرة تطبخ القطاني… وقد هدد أبي أمي بأنه سيتزوج فريدة. للممثلين والممثلات أجساد تثير الحسد لذا يظن بعض الرجال المغاربة أن الجمال الحقيقي يوجد في تركيا فقط. لذلك يشاهد الشبان المسلسل بسبب جمال البطلة وملابسها. تضع البنات صورة البطل على بروفايلهن في الفايسبوك. بينما يقلد الأولاد قَصّة شَعر البطل. إن مظهر شخصيات المسلسل مهم جدا، تستشهد أمي بالبطلين وليد وكمال فيغير أبي كثيرا.
يُعلّم المسلسل ربة البيت كيف تكون رومانسية مع زوجها فلا ينظر لغيرها. ثم إنه لا توجد أحلام في المسلسلات المغربية، بالعكس فيها الكثير من الكوابيس.
انتشرت عدوى المسلسلات. وقد صار الأطفال يشاهدون أيضا. وهكذا صار التلفزيون يجمع العائلة. حتى الجدة تتابع المسلسل. لا ترتاح جدتي للبطلة شقراء وتفضل امي خلود لان شعرها اسود. النتيجة هي أن الجدات المستقبل سينسين حكايات القننفذ والذئب وستروين حكاية فريدة ووليد..
تُبث المسلسلات بالتزامن مع الوجبات الرئيسية وتشاهدها الأسرة جماعيا. مسلسل ثمن الحب في الغذاء ومسلسل سامحيني في اللمجة. وحين تتعذر المشاهدة الجماعية بسبب اللقطات الساخنة يتناول كل فرد وجبته لوحده. لكن مقص الرقيب حريص على الحياء العام. وقد سبق لوزير الاتصال أن وصف المسلسلات المكسيكية بالماخور فاحتجت سفارة المكسيك بالرباط على ذلك، خاصة وأن رئيس المكسيك متزوج من بطلة مسلسلات. وقد توقع الكثيرون من المحافظين أن تمنع الحكومة الإسلامية عرض المسلسلات. لكن المسلسلات أكثر شعبية من الإخوان المسلمين. الغريب أن هناك فكرة شائعة وهي أنه “بخلاف المسلسلات المكسيكية فالمسلسلات التركية ليست متشبعة بالأفكار اليهودية”. (يبدو أن سمعة رجب طيب أردوغان كمعادي للصهيونية تنسحب على المسلسلات التركية أيضا).
هنا ينتهي تفريغ استمارة وجهة نظر ربة البيت وابنتها. والخلاصة هي أنه قد زاد تأثير المسلسلات مع تراجع الانتباه إليها تحت تأثير العادة.
عند البحث عن مسلسل “سامحيني” في غوغل تظهر آلاف الفيديوهات والصور. لكن ولا تحليل نقدي واحد. من جهته يقدم موقع القناة الثانية المغربية المسلسل هكذا: وليد وفريدة، كمال ومنار، قصتا حب يحاول الأب عثمان منعها بكل الوسائل، فهل ينجح في ذلك؟ مع التأكيد على أن المسلسل حقق نسب مشاهدة عالية.
تعليقا على هذا التأثير يقول الناقد السينمائي المصري أمير العمري إن المسلسلات المفتعلة الطويلة “لا تساهم سوى في إشغال الملايين والإبقاء عليهم في المنازل، منعزلين عن المشاركة في الحياة العامة. لقد أصبح المسلسل الطويل، أداة لسجن المتفرج لمدة ثلاثين يوما أمام الشاشة الصغيرة، عاجزا عن مناقشة ما يشاهده، يبتلع ما يُعرض في سياق ذلك من إعلانات تجارية.”
لحد الآن فالتلفزيون يحقق هذه أهدافه مائة بالمئة. وهذا يحتاج إلى تعرية، لأن الاستمرار في استقبال واستهلاك صور المسلسلات دون نقدها أمر مضلل ومضر للأجيال الصاعدة التي يؤثر فيها التلفزيون أكثر من المدرسة. ذلك أن إدمان التلفزيون يؤدي – حسب بربارا ويتمر في كتابها “الأنماط الثقافية للعنف” – إلى نقص تلقي الانتباه وعدم التركيز وأن النصف الأيسر من الدماغ الذي يعالج المعلومات بشكل منطقي وتحليلي يتوقف عن الاستماع ليسمح للجانب الأيمن، الذي يعالج المعلومات عاطفيا ودون نقد أن يعمل بدون عائق. واضح أن التلفزيون والعادة يعطلان الحس النقدي، لذا يتهم ستيفن كوفي في كتابه “العادات السبع للقادة الإداريين” البشر بالتوقف عن التعلم بعد مغادرة المدرسة فيضعف عقلهم ويصيرون عبيدا للتلفزة. وآخر دليل أنه وتحت تأثير المسلسلات المدبلجة للعامية المغربية، صار التلاميذ يكتبون بها في الامتحانات ظنا منهم أنها فصحى لأنهم سمعوها في التلفزيون.
و الله اصبت يا كاتب المقال .المسلسلات التركية قمة فى التفاهة لا من حيث المضمون و لا من حيث الاداء و لا اعرف كيف يستطيع الناس مشاهدة هده التفاهة لمدة 3 سنوات.
هناك اعمال سورية و مصرية بل حتى مغربية احسن من التركية 100 مرة لكن قناة °°°°°° تصر على تكليخ الشعب.
للأسف هذه المسلسلات التركية يتم عرضها في قنواتنا بلا أي مراعاة لقيم المجتمع المغربي الإسلامية ،فهي تصور الخيانة الزوجية و العلاقات خارج إطار الزواج على أنه أمر عادي بل وقد تعطيها طابعا بطوليا داخل القصة ،و تكرار مثل هذه المسلسلات في شاشاتنا يؤثر سلبا في أذهان كثير من الأطفال و الشباب وبالتالي في سلوكياتهم ومن سيجني ثمار ذلك هو المجتمع .
السلام عليكم
لا يمكن الحكم على جميع المسلسلات . فدوزيم تجلب لنا المسلسلات التركية الرومانسية فقط . في حين انه توجد مسلسلات تركية اخرى جميلـة
سبب نجاح المسلسلات التركية هو براعة التمثيل و براعة التصوير وقصص غير معادة . هذا ماتفتقر له المسلسلات المغربية للاسف
بالتوفيق اخواني
تقول ربة البيت انها تشعر بالوحدة والفراغ بعد انصراف ابنائها للدراسة وزوجها للعمل ونسيت انه -لاقنطة تحت رحمة الله-
نحن نحس بها ولكن يمكنها القيام باشياء اخرى كقراءة القران لما فيه من راحة نفسية وعلاج شامل ,قراءة الكتب وتصفح المجلات حتى يتسنى لها تثقيف نفسها
حتى وان كانت امية يمكنها ان تتلقى دروس محو الامية
اما بالنسبة لتلك المسلسلات الخليعة فهي تمرر للمشاهد ثقافة سطحية فارغة
…………………………وللكلام بقيةchay
عن أي مجد تتكلم !! مسلسلات هابطة تصور العلاقات اﻹنسانية الفاسدة من خيانة زوجية و تبرج واضح و جعل الحرام حلال و الحلال حرام. مسلسلات تعرض في أوقات ليشاهدها الجميع بلهجة مغربية تفهمها أمي و جدتي يعني هناك سياسة لضرب اﻷسرة المغربية و قد نجحوا في ذلك. أنظر الى المجتمع المغربي : إغتصاب زنى المحارم إجهاض بالجملة زنا تبرج…. هذا بسبب هذه اﻹنتاجات الهابطة و بسبب موازين الهابط و بسبب مناصريه. إنه البعد عن الله و حبنا للدنيا. هل بهذا المجتمع سنحرر القدس.
لا مجال للمقارنة بين المسلسلات التركية والمصرية! المسلسلات التركية قمة في الأداء والعفوية والتصوير والسيناريو والدراما والحوار، أما المسلسلات المصرية فمبتذلة وممجوجة. والناس تعودوا منذ وقت طويل على متابعة المسلسلات في كافة أنحاء العالم، وإذن فلا داعي للتفلسف لأنها لن تتوقف أبدا بسبب تلبيتها الحاجة لدى بعض الناس، حتى المثقفين منهم، إلى الحكي والإشباع العاطفي
موفق دائما أستاذ بنعزيز بارك الله في علمك
والله العظيم أصاب بهستيريا من الضحك عندما أشاهد مسلسلا تركيا …فسامحيني مثلا مسلسل مليء بالأحذاث المقحمة و المملة و بالأكاذيب و البعد عن الواقع فكل حلقة يخطف أحدهم وو عندما يطلق سراحه تختطف الزوجة و بعدها الإبن ثم الأم حتى خفت أن يختطفوني هههه…الكل يدس المكائد للكل و الكل يريد الإنتقام…فراغ درامي يخاطب الأميين و ذوي العقول المحدودة و يكلخ الناس … مع الإطالة و الإطناب و تجباد الحلقات …مائة مسلسل مصري ولا وواحد تركي
و الله منذ مدة طويلة و انا ارى ذلك المسلسل المسمى سامحيني كنقول لهاد خيتي عالعار سامحيه اسالي هاد الحامض ديالكم, كما ذكر احد المعلقين هناك مسلسلان مغربية مصرية سورية او حتى خليجية احسن بكثير, لا افهم كيف تستطيع بعض النساء متابعة يحتوي على ازيد من 700 حلقة وااااااااااااا بزااااااااااااااااااااااااااف