في المغرب لا يعيش المواطن كي يرتاح ولا يلقي بالا للراحة إذا غدت مثالب الرزق على كفي عفريت. إن راحته للعيش مرهونة بسد خصاص الستر. وأقل الستر صد الجوع عن القهر ورد الفاقة إلى ما لا تبوء به ذات اليد والمحيط الاجتماعي والحالة الاجتماعية.
إن أكبر قوة تناهض الوجود الإنساني وتستلزم وقوفا متأنيا أمام جبريته وسلطته القهرية هو الفقر. إنه الدافع إلى العنف المعنوي بامتياز،والحائط الذي تتمترس خلفه أنساغ القهر وخلفياته المبطنة. ولهذا تجد غاندي يكيل للعنف أعنف الألفاظ قوة فيقول :”إنه أسوأ أشكال العنف”.
الأمة التي تعيش بالفقر قطيعة دون استبعاد، مع ما يغرمها من التيه في جحيمه وانكسار في دياجيه، أمة خانعة ومستبلدة ومتآمرة على نفسها. لأن الفقر لايستحيي من خروجها عن سنة التاريخ وتكسيرها لقيود التبعية والركون إلى الموت البطيء.وهي أمة القطيع التي تتناسل بلا تفكير ولا تدبير. أمة تأكل بالبطون ولا تتعبأ لارتياد آفاق العقلانية نظرا وممارسة.فكيف بها أن تتدافع لمناهضة عنف الفقر ومقاطعته بالعلم والعرفان؟
بهكذا تجذير وارتياب يكون الفقر فينا عاهة غير ناجزة، نقيرا للعوز المبين الذي لا ترتدع له قلوب ولا ضمائر، ولا ترنو لهمته أوثاق ولا ذخائر. وصدق من قال إن للفقر مسافات لمواجهة أعباء الحياة.مسافات تقطعها منظومة قيم ومعارف تستجيب لصروف إدارة العقول المدبرة والأجساد التي تتحرك ببرامج وخطط. فإن وسع الإنسان أن يقيم بوصلة للاختيار والتمكين ومنافحة الصعاب، يسهل آنئذ تنحية أسباب الفقر والعوز. وإن مالت البوصلة في الاتجاه المعاكس تأثرت البدائل واستحال عليها اجتياز الاختبار.
لانبحث هنا بالمؤكد عن مفهوم الفقر وانشقاقه ما بين النسبي والمطلق، المعايير الموحدة التي أوصت بها واعتمدتها المنظمات الدولية ذات الصلة. نحن نحاول هنا وضع الفقر وإشكالية تجذره في المجتمع التقليدي غير المندمج. وتأثير ذلك على مناحي تطوير الحياة.
ثم ليس غريبا أن نتماهى مع هذه المقاربة على ضوء صدور مجموعة من الدراسات والاستطلاعات الوطنية والأجنبية، تمايز فيها ما بين الفقر الذي يقاس من خلال ثنائية الإنفاق والدخل والفجوات المتسعة في اتجاه التفاوت والتباين.
لقد عصف الفقر طيلة عقود بالبنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع المغربي. وظلت آثاره الخطيرة متغلغلة في النسيج العمراني والإنساني والفكري، لم تنفع معها خطط وتدابير حكومات تعاقبت على تسيير دفة الحكم، ولا استشرافات لمناهج وضوابط غرفتها سيول الفساد ومعامع الإسفاف.فانخرمت عرى هذه الفجوة، التي كرست جنونا إقطاعيا بشعا، وإمبريالية رأسمالية غير رحيمة. جعلت الأغنياء فوق القانون والفقراء عبيدا.وبخاصة بعد أن استقوى نفوذ العائلات ذات الألقاب والأنساب إياها. فصار الجاه والمال عنوانا للرفاهية والوجاهة.
لم تقو الدولة على الحد من بطش قوة المال وتجذير فساده في إدارات وعقارات وإشهارات بعض من أفلتوا من العقاب، بعد أن دارت الدوائر واستفحل شرهم و”غيض الماء وقضي الأمر”..وجاء بن كيران صاحب النظرية الشهيرة”عفا الله عما سلف” فانتهت قصة مكافحة الغنى الفاحش بالمال المنهوب المسروق من دافعي الضرائب. وانكمشت قدرة الفقراء على الفهم.. بل زادوهم رهقا، بعد سيل من الزيادات في أسعار المواد الأساسية في البلاد.
وحسب آخر تقرير منسوب للبنك الدولي تحت عنوان ” الخروج من الفقر ” فإن
15 ٪ من سكان المغرب تعيش في وضعية فقر، الثلثين منهم يعيشون في الوسط القروي. ويشير التقرير إلى أن أولئك الذين يعيشون على 50 ٪ تحت عتبة الفقر يعتبرون معرضين اقتصاديا للأمراض أو للتقلبات المناخية أو لفقدان العمل. وأن 40 ٪ من السكان يواجهون صعوبات في الحفاظ على نمط عيش متواضع أو مجرد البقاء على قيد الحياة يوما بعد يوم.
الإبر مسكنات التعتيم على نسبة درجات الفقر، والتخبط الذي تلاقيه مؤسسات الدولة لغض البصر عما يجري في خارطة التنمية وأبعادها والمؤطرة في التقارير المالية الدولية وواقع القوانين المالية المرتبكة، يشكل كبوة في مسيرة التخلص من معيقات النهضة وأسباب تكييفها.
فالتدابير الليبرالية المتطرفة التي اتخذت في السنوات الأخيرة، آخرها تجربة بنكيران ، عمقت في تفقير الطبقة الوسطى بتقييدها وعدم دمجها مع منظومات الإصلاحات المنتظرة، وألحقت أضرارا عميقة في نسقية خريجي الجامعات وسوق الشغل وكذا عقمها عن مناجزة خطة لإصلاح الصناديق الاجتماعية، مع محاربة الفساد وإصلاح جهاز القضاء.
الفقر أصبح ملحقة تاريخية للإنسان المغربي. استمرار لتخريب جذوة الانتماء، واستبعاد الثقافة كوعاء لمناهضة أساليب ومخططات الإفقار، واتساع هوة الفوارق الطبقية لدرجة لا يمكن تصورها، ومناقضة الالتزامات الوطنية والدولية القاضية بضمان حد أدنى للعيش الكريم للمواطنين الغلابة، ومحاولة إيجاد حلول اجتماعية عاجلة لمكافحة الهشاشة الفقرية ومداواة جروحها وآثارها على السكن والصحة والتعليم والشغل …إلخ.
ولست أدري إن كانت هذه البدائل والممكنات المطروحة قادرة على مواجهة ملمات الفقر والجهل والمرض، المظاهر التي استفحلت في المجتمع المغربي، وأصبح من اللازم والضروري الحد منها أو من آثارها. لكنني أخشى أن يتحول الفقراء، على طول وعرض البلاد مجرد صور اجترارية مأهولة بالبذخ العولمي والفناء الروحي، حيث لا تشكل شيئا في ألبوم المتاهة التغولية للآليات الإعلامية الأخطبوطية التي تدير اقتصاديات العالم بالأسلحة الخضراء والحمراء وغيرها.
هي نفسها حدود التشابه بين فقر يفتقر إلى من يحفزه على الصعود، ليرتقي مدارج أهل الرضى والكفاف والغنى عن الناس،وآخر لا يبعد عن حصول القناعة فيه حبة خرذل، فإن غالب أمر تفقيره فله أجر، وإن فاته القطار فلا إثم عليه.
أخيرا أعجبتني قولة لأحلام مستغانمي تقول فيها:” إن العدل أقل تكلفة من الحرب، ومحاربة الفقر أجدى من محاربة الإرهاب، و إهانة الإنسان العربي وإذلاله، بذريعة تحريره، هما بمثابة إعلان احتقار وكراهية له، وأنّ في تفقيره بحجة تطويره ،نهبًا لا غيرة على مصيره، و الانتصار المبني على فضيحة أخلاقية هو هزيمة، وإن كان المنتصر أعظم قوة في العالم”.
هل الفقر نظرية تآمرية لترويض الشعوب؟
* ألفقر هو عذر وشماعه للمجتمع الفاسد
لا يمكنك الانتصار على الفقر الا بنهج سياسة محاربة الغنى.