يقدم الأستاذ العناوين الرئيسية للمجزوءة الأولى لمقرر الفلسفة لتلاميذ البكالوريا وعنوانها “الوضع البشري”. وفيها تعريف هوية الشخص والغير، الأنا والآخر وتحلل ماضي الانسان والعلاقة المعقدة بين الذات والآخر والتاريخ. تحدد القوانين البيولوجية والنفسية والاجتماعية التي تخضع لها الذات ويستشهد الاستاذ بقول جون لوك في تعريفه لهوية الشخص في كونه كائنا عاقلا قادرا على التفكير والتأمل.. وينتقل الأستاذ للغير وخضوعه للقوانين الأخلاقية ويختم بالمستوى التاريخي وفيه يخضع الكائن البشري لشروط حتمية تتطور في استقلال عن إرادة الأفراد.
يعرف الدرس النظري الشخص كجوهر مفكر. لكن حين تفحص الميدان تجد كائنات بيولوجية تتسابق وتتشاجر على المقاعد. توجد مقاعد قريبة من نافذة الفصل تصيبها الشمس ويتجنبها التلاميذ ويجلس فيها آخر من وصل… هنا يصير المكان مصدر قلق للشخص قبل التفكير في الدرس. وهذا يضع حدا فاصلا بين الوضع البشري المجرد والمثالي الذي صاغه الفلاسفة من جهة والإنسان الواقعي من جهة ثانية.
هذا هو الصراع الأول وفيه يخالف التلميذ وصية كانط التي تحث على الالتزام بمبدأ عقلي أخلاقي عملي… يعتبر فرويد أن الصراع اساس هوية الشخص. من يتصارع مع نفسه كيف سيكون في سلام مع الغير؟
ينجز الاستاذ الدرس في ساعة، يدخل التلاميذ ويجلسون في عشر دقائق، بقيت خمسين دقيقة لخمسين تلميذ. هذا وعاء زمني محدود ولا يشبه الزمن التاريخي الذي يقاس بالقرون. الدرس هو لحطة حجز في عالم مادي لمدة ساعة.
يشرح الاستاذ لخمسين تلميذا في حجرة مساحتها ستين مترا. يتحدث دون ميكروفون لذا فوضع حنجرته سيء. يواجه ضغوطات متناقضة أولها ضغط الوعاء الزمني لتحقيق الهدف. ثانيا ضغط المقرر التعليمي الذي ينبغي ختمه قبل الامتحان. ثالثا ضغط الاكتظاظ الذي يفرض رفع الصوت. وهذه الضغوط قد تفجر حنجرة الأستاذ أو قلبه. للإشارة يعاني ثلث المدرسين من الضغط الدموي والسكري.
عادة يقدم درس الفلسفة لثمانية وأربعين تلميذا، ولا يحضر الثلاثة اليائسين إلا يوم الامتحان. يراقب الاستاذ واحدا وخمسين تلميذا دفعة واحدة لكي لا يغشوا ويُتوقع أن يكون التقويم سليما. وبما أن لدى الاستاذ عشرة فصول، في كل فرض خمسين ورقة وعليه تصحيحها وعليه أن يكون دقيقا وعادلا.
يركز درس الوضع البشري على المثال الجامع ولا مكان فيه للحالات الفردية. في الدرس تجريد كثير بينما هنا نعرض حكاية وضع ملتصق بالأرض ونصف التجربة. إنه التفكير في الوضع البشري هنا والآن، يقول فيلسوف يوناني بأن “الفكر هو الدم الذي يحيط بالقلب”. من يفكر في الفصل الدراسي يجده كبطن مزدحم. في معجم المعاني اكتظ أي ازدحم. واكْتَظَّ مِنَ الطَّعَامِ اِمْتَلأ بَطْنُهُ حَتَّى لَمْ يُطِقِ الحَرَكَةَ.
في باب الوضع البشري بالمستوى الابتدائي هناك الضم، ويعني تكليف معلم بتدريس العربية والفرنسية بعدة مستويات في فصل واحد. وقد تدهور التعليم بسبب الإكتظاظ وزيادة حصص الأساتذة والضم في العالم القروي… حسب منظمة اليونيسيف فإن 30% فقط من تلاميذ قرى المغرب يلجون التعليم الثانوي. و70% في المائة يجرفهم الهدر.
قد يكون الوضع البشري مقبولا في الابتدائي لأن الأجساد الصغيرة لا تسبب ازدحام الفضاء. في الثانوية والجامعة أجساد الطلبة أكبر وهذا يجعل الوضع اشد. عمليا سيحال أربعون في المائة من الاساتذة الجامعيين على التقاعد بين 2018 و2020 ونظريا يقول رئيس المجلس الأعلى للتعليم بأن الجامعة المغربية بحاجة إلى خمسة عشر ألف أستاذ في أفق 2030… في انتظار تعيينهم فوزارة التعليم العالي ترقّع الخصاص بما توفر، أي بمزيد من الاكتظاظ والزحام وهذا يضر بجودة التعليم.
زحام في الفصل، زحام في الثانوية وزحام في الشقق. يعيش ابناء الزحام في شقق ستين متر، في كل عمارة من أربع طوابق عشرين شقة. أربع شقق في كل طابق، في كل شقة سبعة أشخاص على الأقل في أسرة ممتدة، وهكذا يعيش أكثر من مائة وأربعين شخصا في عمارة مبنية على مساحة مائتين وستين مترا. وفي ألف عمارة يعيش 140000 شخص. واقع بشري مكتظ. أكثر من أربعة آلاف شخص في الكيلومتر مربع اليأس. الزحام يسبب الإحباط والكراهية. جاءت قناة ألمانية صورت الحي وقالت أن 300000 شخص يعيشون في المنطقة. من يعترض لم يعش قط في الزحام. تشتكي تلميذة من جحيم التواجد مع الغير في الفصل، تعتبر الفصل مكتظا بعقول فارغة، التعبير الوحيد عن الذات هو السخرية من الأخر وغالبا ما يتم توجيه السخرية لتلميذ معين وبشكل جماعي.
في 2008 أعلنت وزارة التعليم عن برنامج للحد من الهدر المدرسي والحد من الاكتظاظ. في 2015 أعلن وزير التعليم إن “15 ألف فصل تضم بين 41 و45 تلميذا”. لم يقل الوزير خمسين. السوسيولوجي البصاص لديه الدليل. وأضاف الوزير أن عدد تلاميذ المدارس المغربية اليوم هو ستة ملايين وأربع مائة ألف تلميذ بزيادة أربعة بالمائة منذ 2013. ويبلغ الاكتظاظ تسعة في المائة في الابتدائي. وثلاثة وعشرين بالمئة في الثانوي. وهذا يفسر نسبة الانقطاع في الثانوي والتي تصل إلى أربعة عشر في المائة. يبدو أن الهدر المدرسي، أي مغادرة التلاميذ إراديا للثانويات يخفف الاكتظاظ.
خلاصة منطقية: دون هدر سيكون الاكتظاظ أشد.
خلاصة واقعية: كلما زاد التلاميذ زادت حرارة الفصل، كل تلميذ زائد يرجع بالدرس للخلف، يصير التركيز والإنصات عسيرا. إن الوضع البشري في الفصل كثيف في حضور الأنا والآخر. ركز الفلاسفة على الذات وركز هيغل على الغير. يوتر الاكتظاظ العلاقة مع الغير. الزحام يضعف الفردانية ويقوي القطيع لذا تختلط الرغبات الحقيقية بالمزيفة وتكثر الاستجابات غير المطابقة.
الغير هو الجالس بجانبك، والمسافة قليلة لذا يحصل الاحتكاك. في قسم مكتظ لا قيمة للأستاذ ولا سلطة له، لا يرى كل من أمامه ولا يعرف أين سينظر وغالبا ما ينظر للجهة الأكثر شغبا… في الدرس يكثر الإزعاج والصراخ وتقليد بعض أصوات بعض الحيوانات أو يتم الدخول في دردشات ثنائية. يبدو أن الشفتين هما الاكثر نشاطا في جسم التلميذ… أحيانا يتولى الببغاوات ترديد الكلمة الاخيرة من جمل الاستاذ فيضطر للإملاء للحصول على القليل من الصمت.
هذا وضع جعل التلميذة المستجوبة تكره الحضور للمؤسسة، وتفضل البقاء في البيت لإنجاز تمارين الرياضيات والفيزياء. مع الاكتظاظ في المدرسة العمومية لابد من دروس خصوصية.
الوضع البشري في الفلسفة مصقول ومثالي ولا يحتاج دروس خصوصية. لكن الواقع على الأرض في المدرسة معتل ويحطم النموذج المثالي. في الدرس النظري الآخر مثالي، لكن الآخر الواقعي في الفصل هو كتلة وعرق وعنف… يشعر كل تلميذ أنه غير مرغوب فيه بين التلاميذ، جو لا يصلح حتى لمحاربة الأمية ويجري فيه درس فيزياء… وهذه حقائق تزعج التصور الرومانسي للمدرسة العمومية.
إن هوية الشخص – في تصور شوبنهاور – تتمثل في الإرادة، أي في أن نريد أو لا نريد. لكن مدير الثانوية في الواقع يريد ولا يستطيع زيادة فصل آخر لأنه لا يتوفر على قاعة وعاجز عن توفير أستاذ، والحكومة لا تستطيع أن توظف لأن صندوق النقد الذي يُسلّفها لا يريد. توجد الإرادة وراء الاطلسي ويوجد العجز هنا.
سيدفع المغرب ثمن هذا الاكتظاظ من مستقبله، وهذه مقدمات: إن نصف الناجحين في انتخابات رابع سبتمبر 2015 لم يتجاوز تعليمهم المستوى الإبتدائي. هؤلاء نخبة يفترض ان تسير البلديات. نتيجة للتعليم في هذا الوضع البشري فإن بطالة المتعلمين هي خمسة أضعاف بطالة غير المتعلمين. سيستنتج أي ملاحظ بسيط ما يلي “كن أميا لكي لا تكون عاطلا”، مع انتشار فكرة كهذه يصعب إقناع التلاميذ بتحمل الوضع البشري في المدرسة العمومية.
تلك هي الحقيقة المرة مع الأسف ..