دور النخب في النهوض بالمجتمعات

دور النخب في النهوض بالمجتمعات
الأحد 18 مارس 2018 - 00:04

إن حركات الشعوب وتطور الحضارات عبر التاريخ ساهم فيهما بشكل كبير العديد من النخب، منها السياسية والمثقفة والاجتماعية والاقتصادية، إلا أن هذه النخب قد تكون وَبَالا على المجتمعات في حالة ما إذا لم تَفهم وتَتَفهَّم معاناة ومتطلبات ورغبات الشعوب، وهذا المعطى الأخير هو ما أصبح شائعا وممارسا في جل البلدان المتخلفة، فالنخب السياسية في بلداننا مثلا تكون حريصة كل الحرص على تطبيق وتمرير أجنداتها وخطاباتها السياسية المعسولة، بغية الرفع من شأنها – كنخبة سياسية – وجعلها تتسلق أعلى المناصب والرتب محليا ودوليا، وكل هذا على حساب الطبقة المنهوكة اجتماعيا واقتصاديا.

فالتغني بالنظريات السياسية التي ذاع صيتها تاريخيا، وتمرير خطابات سياسية مُنمَّقة ومُطرَّزة بأسلوب درَامَاتِيكي لا تخدم مصالح الشعوب ولا تُخفِّف من معاناتهم على جميع المستويات، لا ينبغي تمريرها أو جعلها شعارات وعناوين يكون الغرض منها اجتياز مرحلة سياسية معينة لا أقل ولا أكثر.

إن إصلاح الأوطان والشعوب يستدعي إرادة سياسية قوية وليس نظريات سياسية غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع، إن انتشال أفراد المجتمعات من الفقر والتخلف يستوجب توافق والتقاء إرادة الشعب مع إرادة النخب السياسية.

أما بالنسبة للنخب الثقافية، فالحديث عنها قد يقودنا إلى طرح العديد من التساؤلات حول دورها في تنوير وتأطير المجتمعات حتى تصير قادرة على مواكبة التطور المتسارع الذي تعرفه كل شعوب العالم، ولاسيما المتقدم منها، فالثقافة تعتبر عاملا مهما ورافعة من رافعات التقدم والتطور الحضاري لكل الملل، كما أنها تساعد المجتمع على معالجة مشاكله انطلاقا من تبنيه لأفكار وقيم إنسانية ترفع من شأنه وتجعله قادرا على الانفتاح والتجاوب مع مختلف الثقافات الأخرى، كما أنه يصير واعيا كل الوعي بضرورة مساهمته في تغيير واقع حاله المتردي.

إلا أن الإشكال الحقيقي ليس في الثقافة عينها، ولكن الأمر يتعلق بالنخب المثقفة التي يجب أن تلعب أدوارها الحقيقية في الرقي بالمجتمعات، وأن تقف في صف المجتمع، لا أن تتسلق الأبراج العالية وتضرب بذلك حصارا على مخزونها الثقافي الذي لا يُنتفع منه، أو تصبح مُنتقدة له – المجتمع – وغير قادرة على التجاوب مع فئاته، وخصوصا الهشة فكريا وأخلاقيا وقيميّا.

فالمثقف النموذجي، الذي يُنتفع من علمه وثقافته، هو من يسعى دائما إلى تَقاسم المعلومة مع كل فئات المجتمع دون تمييز أو تفييئ، المثقف الحقيقي هو من يُخالط الناس ويُضيء بفكره كل دروب الحياة، المثقف الكُفْء هو من يقدم الدعم والتشجيع لكل تَوَّاق لإبراز مواهبه وإبداعاته في شتى المجالات، دون أن يُحبطه أو ينتقده بأسلوب فظ يفتقد إلى آليات النصح والتقويم.

الشيء نفسه يمكن أن ينطبق على العديد من النخب الأخرى، كالاقتصادية والاجتماعية، التي غالبا ما تغرد خارج السرب. وخلاصة القول في هذا الباب المتعلق بالنُّخب التي لا يُنتفع من علمها فهي، كمثل الحمار يحمل أسفارا، مصداقا لقوله تعالى.

فلا بد لنا أن نميط اللثام عن مثل هكذا قضايا حتى يَتسنَّى لنا جميعا إدراك حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقنا تجاه مجتمعاتنا، حكومة ونخبا وشعبا، فنحن لا ننكر الدور التاريخي الذي لعبته هذه النخب، التي نحن بصدد الحديث عنها، إلى جانب حضور إرادة الشعب في تغيير الذِّهنيات، وبناء الحضارات، وإنصاف المجتمعات، فهناك بعض الأحداث التاريخية التي ذاع صيتها عالميا ساهمت في رقي المجتمعات ودافعت عن مصالحها، رغم ما كان لهذه الأحداث الكبرى من نتائج وخيمة على المستوى البشري والسياسي…، ولاسيما بأوروبا، لأن المسألة كانت تتطلب التضحية بالغالي والنفيس بغية الوصول إلى الغايات المنشودة، وهي التحرر الفكري والديني، وتغيير الواقع السياسي والاجتماعي بأوروبا العصر الحديث…

وهنا نستحضر بعضا منها كعصريْ النهضة والأنوار والثورة الفرنسية بالنسبة للعالم الغربي المسيحي، واليقظة الفكرية التي عرفها المشرق العربي خلال القرن التاسع عشر الميلادي، دون أن ننسى الدور الريادي الذي لعبه العالم الإسلامي برمته خلال العصر الوسيط، الذي حقق فيه العرب والمسلمون ثورة ثقافية وأدبية وعلمية واقتصادية، ما جعل الأوروبيين يقتفون أثر المسلمين في جميع المجالات، ويتبنون إنجازاتهم العلمية وقوانينهم التشريعية المستوحاة من الكتاب والسنة في تسيير أمور البلاد والعباد.

إن المجتمع العربي والإسلامي اليوم يحاول أن يستنجد بكل ما يمكن أن يمثل له طوق نجاة، قصد التخلص من براثن الجهل والفقر والتخلف الذي فُرض عليه بالآلة العسكرية والقمع تارة، وباسم الدين والمتاجرة في الذمم تارة أخرى.

فالكل مدعو للانخراط بشكل جدي وآني للنهوض بمجتمعاتنا، وتقريب المسافة بين مختلف فئات المجتمع، حتى يصير كل واحد منا في أمس الحاجة إلى الآخر، فعلى العالم أن يعطف على المُتَعلِّم، وعلى المُتعلم أن يأخذ بيد الجاهل والأمي، وأن تكون لنا مصالح مشتركة تُعزَّز بروح الانتماء للأرض والدين والمجتمع.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • محمد أيوب
    الإثنين 19 مارس 2018 - 15:19

    صيحة في واد:
    يقول الكاتب:"..إن انتشال أفراد المجتمعات من الفقر والتخلف يستوجب توافق والتقاء إرادة الشعب مع إرادة النخب السياسية".بودي أن أسأله:هل"النخب" السياسية التي تتصدر مشهدنا السياسي والتي خبرناه حتى مللناها بامكانها أن تقدم شيئا مفيدا للوطن والمواطنين؟لقد مر الآن على ما يسمى ب:"الاستقلال" أزيد من 60سنة..فماذا قدمت:"نخبتنا"السياسية غير الفساد والافساد والنهب والارتشاء والانبطاح والانتهازية والوصولية؟أي عاقل هذا الذي لا زال يثق في هذه النخبة؟لقد جربناها بكل تلاوينها:يمين ويسار و"اسلاموي"فتبين بأنهم لا يختلفون في شيء عن بعضهم:جلهم يتهافت على الريع السياسي والاقتصادي وينبطح أمام الأسياد من أجل ذلك..عاينا كيف تمهد هذه النخبة لنفسها ولأبنائها ولأفراد عائلتها لتتبوأ المناصب وتحتل الكراسي وتخضع لأسيادها بخنوع قل نظيره.لا مجال اطلاقا لمقارنة نخب الغرب مع:"نخبتنا"نحن.لقد شاهدت كيف يستعمل مسؤولو البلدان الديموقراطية الحقيقة وسائل النقل العمومي الرخيصة في تنقلاتهم داخل اوطانهم وخارجها..عاينت كيف تتم محاسبة كل مسؤول ثبت في حقه تفريط في مسؤولياته أو استغلاله لها.أقول:لا حول ولا قوة الا بالله.

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 2

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 10

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا