اغتصاب فتاة: إفلاس المجتمع أم انقراض القيم؟

اغتصاب فتاة: إفلاس المجتمع أم انقراض القيم؟
الخميس 29 مارس 2018 - 15:52

فيديوهات وصور توثق لجريمة اغتصاب من قبل شباب متهور غير آبه بما قد ينتج عن مثل هذه الأفعال الإجرامية من متابعات قانونية قد تذهب بمستقبله مهب الريح، وتجعله عرضة لأحكام جنائية قاسية.

كميات أخبار كثيفة عن جرائم اغتصاب وقتل لأطفال البراءة تسائل المجتمع المغربي قبل الدولة عن أسباب هذا التوجه العنيف والمتطرف الذي يسيطر على جيل من الشباب، وأصبح خارج التأطير وخارج المنظومة الأخلاقية. فهل هي أزمة أسرة أم إشكالية انهيار المنظومة التعليمية والتربوية أم إفلاس للمجتمع المغربي في ظل غياب وفشل المؤسسات في التأطير وفي القيام بمهامها من مجتمع مدني وأحزاب ووسائل إعلام؟

الأسرة والمدرسة وسؤال التربية

التطور الذي عرفه المجتمع المغربي في العديد من المجالات، سواء على المستوى المعيشي أو التطور الاقتصادي والتكنولوجي، لم يواكب بتطور على مستوى المنظومة التعليمية والقيمية التربوية، التي عرفت بدورها فشل العديد من المخططات الاستعجالية الإصلاحية. كلها مخططات وتصورات لم تساهم إلا في تراجع الجانب الأخلاقي والتربوي لدى جيل شبابي صاعد لا يعترف بالتركة الثقافية ولا بإرث الأجداد المبني أساسا على الأخلاق والاحترام المتبادل. جيل تم شحن محفظاته المدرسية بكراسات مليئة بمحتويات علمية تعتمد تكريس منطق الفردانية والأنانية وحب الامتلاك، وتلغي الجماعة والأسرة. محفظات غيبت الجانب التربوي في محتوياتها.

الأسرة التي أصبحت مجرد جينيرك أو ديكور يؤثث المجتمع المغربي، أضحت فاشلة في تأطير ومراقبة أبنائها الذين أصبحوا عرضة وفريسة للعديد من الوحوش الآدمية التي تستغل التطور التكنولوجي لاختراق العائلة المغربية وتدميرها من الداخل عبر استقطابات متعددة، منها الاستقطاب نحو براثن الإرهاب.

الدليل على ذلك ما تطل به علينا وسائل الإعلام الوطنية والدولية حول عمليات إرهابية يكون “أبطالها” شباب مغاربة يافعون، ضحايا الجهل بتعاليم الدين الإسلامي السمحة. عمليات استقطابية أخرى خطيرة تعتبر المواقع الالكترونية والاجتماعية ملعبا لها، وهي استغلال الأطفال جنسيا في ظل انشغال الأسرة والمجتمع بكل ما هو مادي ونسيان الجانب التربوي، المهمة الأساسية التي وجدت من أجلها الأسر والمجتمعات أصلا.

الأحزاب والمجتمع المدني أي دور تربوي؟

الوجود التاريخي للأحزاب السياسية والمجتمع المدني مبني في أساسه على تأطير وتوجيه المجتمع نحو سياسة مجتمعية مبنية عن الأخلاق، وفق سياسة تعتمد برامج استراتيجية يكون الهدف منها الرقي بالمواطن نحو الأفضل. غير أن الملاحظ أن هذه المؤسسات غلبت الطابع السياسي والصراع الأيديولوجي والمصلحة الخاصة الضيقة على المصلحة العامة. بنيات سياسية ساهمت في إنتاج مجتمع الخلافات وليس مجتمع الاختلاف والتنوع والاعتراف بالآخر. برامجها يغيب فيها الجانب الإنساني بشكل يدعو إلى القلق، يجعلنا نتساءل عن أي دور تقوم به هذه المؤسسات في بناء مجتمع مغربي متسامح؟

أصبحنا اليوم في حاجة إلى إعادة النظر في السياسات العمومية، خاصة في شقها الاجتماعي والتعليمي التربوي والعمل على فتح المجال، وتشجيع الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية للوصول إلى مكامن الخلل بغية إيجاد حلول لهذه المعضلة التي يمر منها المجتمع المغربي المهدد بالإفلاس.

أصبح اليوم من الضروري، وبشكل مستعجل، التفكير السياسي الجماعي، بواسطة البنيات الحزبية ومنظمات المجتمع المدني، للاجتهاد لوضع خطة عمل مشتركة، ميزتها القرب والحس الوطني للقيام بمهامها التأطيرية المتعلقة أساسا بفئة الشباب، حتى لا نصبح أمام مجتمع مريض أخلاقيا يصعب علاجه، وأمام مجتمع يتغول فيه الفرد على المجتمع وعلى قيمه.

الإعلام المغربي في الواجهة

التقدم الكبير السريع الذي شهده الحقل الإعلامي وسياسة الانفتاح التي اعتمدها المغرب دون وجود سياسات احترازية، ساهم بشكل كبير في إنتاج جيل شبابي قابل للتأثر بمختلف التوجهات المتطرفة. في وقت طغى فيه الطابع التقليدي على الإعلام المغربي المرتكز أساسا على ثقافة الاستيراد التي ساهمت في الاستلاب الثقافي للهوية المغربية المبنية على التعايش السلمي بين أفراده رغم اختلافهم ثقافيا ودينيا، ظل الإعلام يلعب دور المتفرج على الكوارث التي يعرفها المجتمع المغربي. لم يعمل على إنتاج برامج مغربية بثقافة مغربية موجهة للشباب، هدفها توجيه هذه الفئة التي هي مستقبل هذا الوطن نحو ثقافة عمادها التعايش والتسامح.

الرجوع إلى الهوية والثقافة المغربية الأصيلة هو الحل

ارتفاع التمدن وتطور ديمغرافيا البلد وتوسع البناء العمودي، عناصر ساهمت بشكل كبير في خلق مجتمع مغربي غير محدد الهوية الثقافية. فلا هو ظل متشبعا بثقافة المغرب، ولا هو غربي حقيقي، ولا هو بمشرقي. في هذه البيئة بدأت تضمحل معالم الهوية والثقافة المغربية، الشخصية المغربية الفردية، خاصة لدى فئة الشباب الذي أصبح عرضة لثقافة الاستلاب في وقت تكتفي فيه المؤسسات التأطيرية، من أسرة وأحزاب ومجتمع مدني ومدرسة وغيرها، بلعب دور المتفرج غير القادر على تغيير الوضع أو حتى العمل على وقف هذا التدهور الأخلاقي والتربوي الذي يعرفه المجتمع المغربي.

العودة إلى الهوية والثقافة المغربية تبقى هي الحل عبر إنتاج سياسة عمومية استراتيجية تستهدف بالأساس فئة الشباب، من أجل إعادة الاعتبار لها عوض سياسات عقابية لا تنتج سوى فيالق من المجرمين والمحترفين متغولين على سكينة باقي شركاء الوطن والمجتمع.

*باحث في العلوم السياسية بجامعة مكناس

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • محمد ايوب
    الخميس 29 مارس 2018 - 17:17

    الحل سهل…لكن:
    يقول الكاتب:"كميات أخبار كثيفة عن جرائم اغتصاب وقتل لأطفال البراءة تسائل المجتمع المغربي قبل الدولة عن أسباب هذا التوجه العنيف والمتطرف الذي يسيطر على جيل من الشباب،وأصبح خارج التأطير وخارج المنظومة الأخلاقية. فهل هي أزمة أسرة أم إشكالية انهيار المنظومة التعليمية والتربوية أم إفلاس للمجتمع المغربي في ظل غياب وفشل المؤسسات في التأطير وفي القيام بمهامها من مجتمع مدني وأحزاب ووسائل إعلام؟"..يكمن الحل في أن يكون السجن سجنا فعلا لا مكانا لتلقي ما لم يجده المسجون خارج السجن..وكما نقول بالدارجة:"الكورفي"..ما قام به هذا الشاب يفوق كل تصور..فأن يتعرض لفتاة ويحاول اغتصابها فهذا قمة التهور..غدا سينتصب للدفاع عنه محام سيحاول ايجاد الثغرات ليبرر بها فعل هذا الشاب وربما سيدلي بشهادة طبية تثبت أنه كان أو يوجد في غير قواه العقلية،وربما سنرى جمعية حقوقية تبرر تصرفه والبنت: "مشات على عينها ضبابة"..مجتمعنا فاسد ويؤيد الفاسدين ويباركهم من القمة الى القاعدة..فمن يوجدون في الواجهة أغلبهم رموز للفساد..السرة لا حول لها ولا قوة ان لم تقم السلطة بواجبها..:"ولكم في القصاص حياة ياأولي الالباب"..

  • راحلة الحزينة
    الخميس 29 مارس 2018 - 17:24

    قلبي يعتصر الما حينما اصطدم بمثل هذه الأحداث فحينما ننتظر التغيير نتفاجا بالاسوا . ارى اننا كلما ابتعدنا عن فترة الاستعمار إلا وازداد مجتمعنا هما وتخلفا، حيث انتشرت الجريمة بشكل يصعب كبحها، والسبب لا يعود لانهيار المنظومة التعليمية بل يعود إلى غياب الردع وانتشار الرشوة أحيانا بين أسلاك الشرطة وأحيانا بين القضاة فإن حضرت النزاهة بين الشرطة غابت بين القضاة وتم إطلاق سراح الجاني.. ان ظلت بلادنا على هذا الحال، فللنتظر أن نضع حارسا أمام منازلنا حتى لا نتعرض للهجوم.

  • لنسمي الاشياء باسمها
    الخميس 29 مارس 2018 - 17:36

    لنسمي الاشياء باسمها الحقيقي الاسباب هي:
    1-الثقافة الخوانجية التي تحتقر المراة وتشيطنها
    2-فقهاء النكاح وشيطنة المواطنات وتبرير العنف ضدهن
    3-الثلاثي الاخواني:الرميد الحقاوي وبوانو هؤلاء افرغوا مشروع تشديد العقوبة ضد المتحرش والمغتصب وحصروها في اقل من 3سنوات بدل 10الى 20المقترحة من طرف جمعيات حقوق الانسان
    4-خطب الجمعة التي لا تخلو من احاديث البخاري التي تشيء المراة وتساهم في الكبث والهوس والحنين المرضي لزمن السبايا وملكات اليمين
    5-غزو ثقافة البدو وتساهل الدولة مع التيارات الوهابية المهووسة بعقدة المراة ….

  • عبد الرحيم فتح الخير
    الخميس 29 مارس 2018 - 18:13

    إلى (نسمي الأشياء بأسمائها) أتحداك أن تثبت لي أن المقدم على هذا الفعل الشنيع يعرف شيئا عن الإيماء ، أو ما اصلحت انت عليه بثقافة البدو، أو يعرف شيئا عن الوهابية ، بل واتحداك أن يستطيع استظهار الفاتحة عن ظهر قلب . وبالتالي أرفض تحميل القصة فوق ماتحتمل ، وإعطائها بعدا عقاءديا ما أبعد الفتى عنه . فالفتى مجرد مجرم لارحمة في قلبه ، استغل فتاة لإشباع رغبة جنسية ، ألهبها الكبث وسوء الأخلاق ، وسواد القلب . وعليه أن يكون شاكرا لمقاومتها التي لم تمكنه من اغتصابها ، والا كان الحكم عليه بالإعدام . أما التوصيف القانوني للحالة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي فهو : الترصد ، والعنف الشديد ، واستغلال الضعف البشري ، والتشهير . وهو ماسيجعل الحكم دون العشر سنين ، لكلا ذئاب الفعل الشنيع .

  • لوسيور
    الخميس 29 مارس 2018 - 21:57

    بلا لف ولا دوران ..الامن والسكينة والطمانينة من واجب الدولة…لقد اغتصب دانييل فريقا من الاطفال ثم ماذا بعد….اين دور الشعب؟؟

  • ياسين الفكيكي
    الخميس 29 مارس 2018 - 22:17

    جزء كبير من انهيار منظومة الاخلاق و القيم و الكبت الذي يعيشه المجتمع اليوم يتحمله الاسلاميون و تجار الدين ممن رفض تدريس التربية الجنسية في المؤسسات التربوية في الثمانينات و التسعينات ووصفها بالتغريب و الانحلال و الفسق و هذه هي النتيجة الحتمية لمجتمع تسوده الامية و الجهل و الخرافة و التدين السطحي الزائف الخالي من قيم الانسانية و الفطرة السليمة التي نجدها لدى جميع شعوب الارض فبغياب العلم و الوعي الجنسي لدى الاطفال سيبحثون عن التعرف على الجنس الاخر في غياهب الزواريب و الاباحية في ظل خطاب ديني متزمت يحرم الحياة و مهووس بالجنس و يلغي المرأة ككيان و يصفها باقذع الاوصاف ناهلا من تراث ديني عفن و فقهاء كل همهم ما تحت السرة سيصبح لدى اطفالنا ابسط لقاء بالانثى هو فرصة للمضاجعة.

  • "إفلاس مجتمع أم انقراض قيم"؟
    الجمعة 30 مارس 2018 - 12:11

    "إفلاس مجتمع أم انقراض قيم" ؟
    هذا ليس خيارا، وإنما الأول نتيجة حتمية للثاني.

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة