أزمة المثقف أم مثقف الأزمة؟

أزمة المثقف أم مثقف الأزمة؟
الإثنين 2 أبريل 2018 - 10:17

سؤال بات يفرضه الواقع المغربي، هذا الواقع المزري الذي يُسائل يوميا طبقة الأنتلجانسيا المغربية، يسائلها عن طريقة تعاطيها مع قضايا المجتمع المغربي، عن كيفية تحديد نوعية هذه القضايا، وعن تجنبها المقصود للأوليات التي ينبغي أن تُعتمد في معالجة هذه الأخيرة، عن تواطؤها المعلن والمضمر مع لوبيات الفساد، عن الفجوة العميقة والقطيعة غير المفهومة بين السياسي المدبر والمثقف المنظر.

ففي الوقت الذي يوجد فيه المغرب على صفيح ساخن من خلال ما عرفته الحسيمة وجرادة… من أحداث خطيرة، وما واكب ذلك من اغتيالات لحقوق الإنسان على مرأى ومسمع من العالم، لاحظ كل مهتم أن كل هذه الآهات والمعاناة لم يكن لها وقع على نفسية مثقفينا؛ وذلك لانشغالهم بالكتابة والتوثيق لقضايا الإرث والتعصيب، وبالبحث الدائم عن إجابات لأسئلة هم من ابتدعوها في هذا الوقت تحديدا من قبيل: هل المغاربة أحرار في الاعتقاد؟ لماذا المساواة بين المرأة والرجل في الميراث؟ هل الإسلام صالح لكل زمان ومكان؟ وهلم جرا من أسئلة يُراد من طرحها والإجابة عنها إلهاء الناس عن قضايا جوهرية تهم البلاد والعباد.

إن حال المثقف المغربي اليوم يثير الشفقة، بل يثير التقزز والاشمئزاز؛ وذلك بالنظر بعين العقل إلى الدور الذي بات يرتضيه هذا المثقف لنفسه ويقوم به بطواعية تطرح أكثر من علامة استفهام، دور يشبه إلى حد ما دور أطباء التجميل، فتراه يجد ويكد في البحث عن مصوغات ومبررات الفساد المنتشر هنا وهناك في هذا البلد، مصوغات ومبررات يكشفها صمته المطبق وخرسه المثير للقلق عن قضايا حقوق الإنسان، عن كرامة المغربي التي تهان، وعن التراجع الكبير الذي عرفه المغرب في مجال الحريات والديمقراطية.

وفي المقابل، تجد هذا المثقف لا يذخر جهدا في إبراز العيوب التي تطال قسمة الميراث بين المرأة والرجل في الإسلام، أو تجده ينتشي وهو يكتب أو يتحدث عما يسميه هو القيم الكونية، بل هناك من المثقفين من دعانا إلى التخلي نهائيا عن الإسلام وعن لغة الإسلام، وقدم البديل المتمثل في التطبيل ومساندة من يدعو إلى علمانية هو وحده من حدد دلالتها ومعناها، وإلى “دارجة” لونها كما هي عادته بـ “الراقية” ونسي المسكين أنه هو من يحتاج الآن وهنا إلى “رُقية” علمية ومعرفية تحميه من إدمانه على امتطاء صهوة التدجين والتطبيل والترديد المقرف لكورال “بلادي يا زين البلدان”، والبقية تعرفونها، مع احترامي وتقديري للمطرب نعمان لحلو.

إن المثقف المغربي يعيش اليوم، ونحن على أبواب نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أزمة خانقة تحول دون قدرته على تحمل مسؤولياته حيال تنوير السياسي والحكام بصفة عامة بآراء وأفكار وتصورات من شأنها أن تزرع الأمل والثقة والاطمئنان في نفسية المغربي التي لم تعد تحتمل الاستمرار في الصبر والصمت والرضى بما قسمه لها السياسي الحاكم الفاسد وسياساته العرجاء التي أهلكت الضرع والنسل وحركت المياه الراكدة في الحسيمة وجرادة.

إنه لا مناص للمثقف من الاضطلاع بدوره المنوط به المعروف والمحدد في تنوير الرأي العام وتقريبه من عمق قضاياه المصيرية على كل المستويات، ومواجهة الحاكم بأسئلة محرجة ومستفزة تدفعه دفعا إلى إعادة النظر العاقل والمتعقل والديمقراطي في أولويات الشعب المغربي من سكن وخبز وكرامة وحرية وصحة وتعليم وأمن وسلام، وهي أولويات المثقف وحده من يكرس لدى السياسي الحاكم والسياسي المدبر الإيمان القوي بجدوى الاهتمام بها وبما يفرزه هذا الاهتمام الجاد والدائم من سلم اجتماعي من شأنه أن يسهم بسلاسة في تنمية مستدامة للمجتمع المغربي.

إننا بتنا نتعايش على مضض مع خرجات مثقف الأزمة، خرجات تزيده هو بعدا عن دوره الحقيقي في المجتمع، وتزيد الأزمة استفحالا إلى درجة لم نعد معها نميز بين مثقف أزمة ومثقف يعيش أزمة… وذلك لما في الوضع الأول من خنوع وتكسب ومداهنة ومهادنة مذلة، وما في الوضع الثاني من تراجع وتقهقر في وتيرة أداء مثقف اليوم.

وضعان جعلا المغربي يحن إلى زمن المثقف المزعج والمشاكس من أمثال عابد الجابري، عبد الكبير الخطيبي، المهدي المنجرة وآخرين ممن عرفت معهم وبهم الثقافة المغربية وهجا لافتا وسمعة وصل صداها إلى أبعد جغرافيات المعمور، ومعهم وبهم أيضا عرف المغرب نضالات تاريخية وضعته على سكة الديمقراطية التي يبدو أن البعض يريد، عبر المثقف المغربي، تحويل مسارها نحو مصير الله وحدة يعلم معالمه ومخاطره…

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • KITAB
    الإثنين 2 أبريل 2018 - 10:52

    أولاً أصبحنا نتحدث عن المثقف وكأنه يمتلك أدوات سحرية إما لبناء وعي أو ترميمه أو لإحداث قطيعة مع أفكار دون أخرى، والحال أن هذا المثقف وبهذا التوصيف لا يوجد أصلا وحتى البيئة الثقافية الموصومة بالتصحر لا تسمح بوجوده ولا بحضوره بهذا الثقل. استوقفتني شاردة مما جاء في عرض الأستاذ حيث يقول "أسئل ..يُراد من طرحها والإجابة عنها إلهاء الناس عن قضايا جوهرية تهم البلاد والعباد " هذا كلام مردود وإلا حكمنا على كتاباتنا بأنها مغرضة تنشد "إلهاء" الناس عن القضايا الجوهرية…. أما الاحتقانات الاجتماعية كانت في الحسيمة أو جرادة أو غيرهما فكم من مداد سال وما زال يسيل عنها، وكأننا لا نتتبع الأحداث أو نمسك فقط بجزئية منها لنتخذها قاعدة وهذا خطأ في التحليل، لكن عموماً يمكن القول بأن واقعنا الحالي جد معقد تميزه تصاعد نسب الأمية الأبجدية بين شرائح واسعة من الشعب إلى درجة بتنا معها أمام معضلة الهمجية والتي بدأت تأتي على الأخضر واليابس، وهل بنظرك ونظر أي مثقف أن هذا الأخير ما زال له وجود في هذه البيئة المكفهرة ؟…. وتحياتي

  • كفى وصاية على الناس!!!
    الإثنين 2 أبريل 2018 - 11:31

    تحية للجميع. من باب التفاعل مع ما كتبه الأستاذ أشير بأن المثقف ليس مطلوبا منه أن يكون وصيا على أحد وإلا فإن لحظات من التاريخ الحديث للمغرب صاغ المثقفون بعض تفاصيلها هي نتاج ما نحن فيه اليوم من ترد للأوضاع. ثانيا بالنسبة للأوضاع الاجتماعية التي تعرفها بعض المناطق في المغرب فهي مؤشر على تنامي وعي شعبي مهما اختلفنا معه إلا أنه يجسد إدراكا من طرف الجماهير أن زمن الوساطات انتهى بعد أن تم تفسيق العمل النقابي والنضالي جراء تطاول عدد من الانتهازيين الذين شوهوا قيمة أي فعل نضالي فأفقدوا الجماهير الثقة في كل الهيئات وتنامي التنسيقيات مؤشر على ذلك. ثالثا هذا المثقف نفسه المطالب بأن يمثل طليعة الفكر تم تكبيله بغير قليل من القيود وأدخلته في متاهة البحث عن الذات وتحقيق عيش كريم مما اضطر بعضهم إلى نهج أسلوب المهادنة خاصة في ظل تراجع دور الثقافة في بلد يشهد تنامي الأمية في صفوف المتعلمين.

  • Bilal
    الإثنين 2 أبريل 2018 - 14:32

    ا ظن ان المثقفين من طينتك هم سبب الازمة عوض الانكباب على خلق ثقافة عصرية حديثة متصالحة مع العلم الحديث تراهم يتلكاون و يتهربون و يمجدون في الفكر التقليدي بل يمنحون الفرصة للجهلاء للقيام بدورهم.
    المثقفون الحقيقيون منذ عقود و هم يحذرون من خطر الفكر السلفي و من خطر التردد في مواجهته او حتى تبني مسلماته و منهاجه.
    ان لم يحمي المثقف الثقافة الحديثة فماذا يتبقى له?

  • ع الجوهري
    الإثنين 2 أبريل 2018 - 14:38

    إذا كنت تفتقد المدرسة والتعليم الجيد فكيف لك أن تطالب بوجود مثقفين الأمية هي صاحبة الكلمة لحد هذه الساعة و تنتج متفقين أميين أما المثقف بالمعايير المعترف بها ففي أحسن الأحوال تجده درس ونشأته في فرنسا وشكرا

  • عبد الرحيم فتح الخير
    الإثنين 2 أبريل 2018 - 15:09

    عندما ندعوا لقراءة جديدة للموروث الديني ، والتقافي المغربي ، لا ندعي امتلاك الحقيقة ، بقدر ما نلقي حجرا في المياه الراكدة . ولانروم الهاء المواطن عن قضاياه الاجتماعية ، ومطالبه المشروعة ، في العدالة والمساواة . فليس هناك حوار جاد ، وآخر للإلهاء . فالساحة حبلى بالأحداث وصيروة الأمر تقتضي المواجهة ، والتعاطي الأعم الأشمل ، دون الوقوع في شرك الأستاذية . فرأيي خطأ يحتمل الصواب ، ورأي غيري صحيح يحتمل الخطأ . فالحوار المجتمعي والأخد والرد كان دائما يصنع الرأي العام . هذا الرأي العام هو الذي يصاغ قانونا ، فيعرض على البرالمان . وحتى بعد أخده قوة القانون ، لايحول هذا دون مناقشته ، وتعديله متى ما دعت الضرورة ، واقتضت ذالك . وعليه فالتعاطي لا انتقاء فيه ، والحرية أن أقول ، وتقول .

  • الثقافة قوة للتغيير
    الإثنين 2 أبريل 2018 - 15:38

    إذا اتفقنا على أن المثقف هو كما وصفتَ أي المثقف العضوي الكرامشي صاحب الالتزام بقضايا الإنسان والساهر على التفكير والإبداع والعمل من أجل ذلك فمَن تتكلم عنهم لا يدخلون في زمرة المثقفين أصلاً والكلام عنهم قد يكون مضيعة للوقت اللهم من باب تحذير الناس من تلك الفئة الانتهازية المتطفلة على الحقل الثقافي والمُضرة به. الثقافة قوة تغيير وقوة المثقف نابعة من رؤية واضحة ونظام أفكار متسق ومنسجم وكما يقول آلان باديو الإقتناع أوالإقناع يأتي من قوة الفكرة نفسها. تلك الفئة التي تشير إليها لا تستطيع أن تتبنى موقفاً محدداً وبالأحرى أن تُناطح من أجله لأنها تقف على أرض مهزوزة رخوة لا تملك اقتناعاً فمن أين لها أن تُقنع أحداً؟ ضبابية الرؤية والتخبط بين الأفكار وعقم التفكير ينتهي بصاحبه لتبرير الانبطاح والهرولة نحو وجاهة الفيترينات أما وجاهة وخلود المثقف الحقيقي فذاك أمر يُنال استحقاقاً بعد عمل وجهد واجتهاد فيأتي لصاحبه هرولةً. رحم الله ع. الجابري الذي قال عن الجهاز التربوي بالمغرب أنه هو نفسه يحتاج لتربية فكيف سننتظر منه أن يُربي الأجيال. لعل هذه المقولة تنطبق على الجهاز الثقافي كذلك طبعاً دون تعميم. شكراً

  • بوسلهام
    الإثنين 2 أبريل 2018 - 18:43

    في نظري أن المثقف المغربي أصبح في الوقت الراهن رهين المقاهي ورهينا بالتمثلات السائدة بانكبابه على تمييع المصطلحات والمفاهيم دون الغوص في الواقع الحقيقي
    مقال موقف الأستاذ حسن زغلول

  • HAMID
    الإثنين 2 أبريل 2018 - 18:52

    يا سلام إذا أردت أن تكون مثقفا ،يجب أن تعالج المواضيع التي تبدوا لي مهمة وأساسية وإلا فأنت شبه متقف ولا تفقه شيئا .
    أنا غير مثقف لكنني حر وأحترم حرية الآخرين يكتبون في ميادين إختصاصاتهم وميولاتهم ؛قد يصيبوا أو يخطئو ا ،ولست مجبر لقرائتهم.
    وجودهم مرهون بعدد قرائهم وتجاوبهم معهم.
    الأنانية مرض خطير

  • KANT KHWANJI
    الثلاثاء 3 أبريل 2018 - 07:44

    تحية،
    أولا،المثقف لا يخضع لمزاجية المتلقي، فهو يتناول القضايا من وجهة نظر محايدة ومستقلة عن التوجهات السياسية و الدينية. إلا أن الكاتب،يريد أن يصنع مثقفا على مقاساته السلفية القومية العروبية،على نموذج الجابري،الذي لم يكلف نفسه عناء تناول قضايا مجتمعه، بل غرق في هموم وطن وهمي عائم على الماء!
    والكاتب،يجلد المثقفين الأمازيغ الذين يريدون رد الإعتبار للغة الأرض والتاريخ في إطار حقوق طبيعية معقولة اقرتها كل المواثيق الدولية، بوصفه لهم أنهم يحاربون الاسلام ولغة الإسلام.وهو يصفع نفسه دون وعي،فكيف يستقيم في عقله أن يكون الإسلام رسالة رحمة للعالمين بمختلف لغاتهم وهو يحرم عليهم ترجمة النص المقدس إلى لغاتهم مثلما تفعل كل الاديان الأخرى. ناهيك أن العربية قبل أن تكون لغة الإسلام (يعني لغة مقدسة) كانت لغة الوثنية والوأد والمجون!
    أما مسألة الإرث فهي مسألة وقت ليس إلا. وهي جزء لا يتجزأ من القضايا الإجتماعية فلا يعقل أن يتم الحجر على انسان كامل الأهلية أنه ناقص عقل!
    أخيرا،إذا كان الإسلام صالح لكل زمان ومكان وكل لا يتجزأ،فلم إنتقاء نصوص قطعية(الإرث) دون أخرى(الغاء كلي لقطع يد السارق وجلد الزاني)؟
    KK

  • متتبع
    الثلاثاء 3 أبريل 2018 - 07:58

    لماذا تعمم،والحال ان من مثقفينا من هم في صلب ما يهم المواطن؟

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 1

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''