الفساد الأكبر لم ينحن بعد

الفساد الأكبر لم ينحن بعد
الأحد 29 يوليوز 2018 - 12:52

يبدو أن تقارير المجلس الأعلى للحسابات توضح أننا ما زلنا بعيدين كل البعد عن معايير “الحكامة”، التي جاء بها دستور2011. ومن يعارض ما ذهبنا إليه، فبإمكانه أن يفسر لنا أسباب استفحال ظاهرة الفساد ببلدنا، وما الأسباب التي جعلتنا نحتل الرتبة الـ90 من ضمن 176 دولة، بسبب النتائج المتدنية المحصل عليها في جل المؤشرات الخاصة بالرشوة والشفافية؟

حتى لا نقع في المزايدات التي ترهق مصيرنا، فمن الأولى أن نلتزم الصمت، كحكمة عندما نصل بالملموس إلى أن منطق المحسوبية والزبونية يتحكم في عدد كبير من التعيينات التي تتم في بلدنا.

وحسب ما اطلعت عليه، فإن المندوبية السامية للتخطيط ترى أن ما يقارب 26 في المائة من التعيينات والتوظيفات لم تجد تفسيرا لها. إن المؤسسة سالفة الذكر قد وجدت أن بعض الأشخاص الذين حصول على وظائف لا يتوفرون على الكفاءة؛ بل إن بعضهم لا يتوفرون على شواهد تؤهلهم لتحمل مسؤولية الإدارة.

ومن ثم، فمن حقنا أن تستغرب، وإن كان عدم الاستغراب بالمنطق المغربي فطري في مثل هذه القضايا، إذا علمنا أن ربع التوظيفات بالمغرب يتم بمنطق الزبونية.

ولا ننسى أن المنطق السياسوي يخلق ما لا يمكن تصوره في عالم الزبونية والفساد، الذي يهدد كيان الدولة ويؤدي إلى نتائج سياسية واقتصادية في غاية الخطورة، كما يؤثر على الأداء الحكومي، ويشيع أجواء عدم الثقة، كما ينشر الإحساس بالظلم، ويقوم بتقويض الشرعية السياسية للدولة، ويخلق أمام الذين يسيرون دواليب الدولة مفاتيح للمنافسة في إطار ريع الفساد، وهذا ما يغضب الشعب، وبالتالي الإضرار بالنمو الاقتصادي وبالتنمية الاجتماعية عموما.

ولهذا، نجد أن الكلفة الاقتصادية للفساد ببلدنا تقدر بحوالي 2 في المائة من الناتج الوطني الإجمالي، وبذلك تصل قيمة الخسائر المترتبة عن ذلك إلى حوالي 200 مليار درهم. وبدون الاستناد إلى لغة الأرقام، فجل المغاربة يعترفون بأن الفساد سمة من سمات بلدنا.

أعتقد أن كل ما ذكرناه يتعلق بالفساد الأصغر. أما الفساد الأكبر، فهو الأشد خطورة على حاضرنا ومستقبلنا، ولا يمكن أن ندعي معرفة تفاصيله، بحكم تعقد ملتبساته؛ ففي بعض الحالات تتضح معالمه، لكي تبين لنا أن ما خفي أعظم، وفي حالات أخرى تجعلنا بعض الحقائق التي نقف عندها، نختار الرجوع إلى الوراء، لكي نتأمل قصة رواها القديس أوغسطين، حيث وقع قرصان في أسر الإسكندر الكبير، الذي سأله: “كيف يجرؤ على إزعاج البحر؟” ثم “كيف تجرؤ على إزعاج العالم بأسره؟”، فأجاب القرصان: “لأنني أفعل ذلك بسفينة صغيرة فحسب، أدعى لصا.. وأنت الذي يفعل ذلك بأسطول ضخم تدعى إمبراطورا”.

وهذا ينطبق على واقعنا؛ فاللصوص الكبار وما أدراك ما الكبار من الصعب محاكمتهم، على اعتبار أن تصرفاتهم تأخذ مشروعيتها من الأعلى في عالم الفساد الذي لا تخفى معالمه عند أهله.. وبذلك يرون أن من تجب محاكمتهم هم غيرهم في حالة تجاوزهم الخطوط الحمراء التي تثير الانتباه وتزعج الرأي العام.. وما الفساد الأكبر سوى أصل الداء الذي يستحق المحاسبة قبل محاسبة الفساد الأصغر، حتى تكون عملية الإصلاح والتغيير المنشودين ممكنة التحقق بشكل عملي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • زينون الرواقي
    الأحد 29 يوليوز 2018 - 15:59

    الفساد لا ولن ينحني أبدا ما دام من يحملون شعار محاربته ما إن يوضعوا على صهوة السلطة والمناصب حتى يتوضوّوا ويدخلوا في دينه أفواجاً ، الفساد يتمتع بمناعة مقاومة لأشد الفيروسات التي تدٌعي الإصلاح ثقته في نفسه لا يستطيع أياً كان ان يزعزعها ومن تجرأ وحاول نصبوا له كمينا وانتهى في العتمة بتهمة زعزعة عقيدة مفسد .. الكل يدرك مدى قوته فيفضل الدوران في محوره واستطابة نعيمه وملذاته .. تناوب على مقارعته أهل اليسار ممن كانت جدران مجلس النواب تهتز لوقع قبضاتهم الغاضبة وهي تهوي على الطاولات فَانتَهُوا حملان غاية في الوداعة خصخصوا وباعوا واشتروا فاغتنوا قبل ان يعمّدهم الفساد بمائه المقدس .. تلاهم أهل الصلاح والفلاح الذين يستفيقون على التذكير بعدل عمر وسعير النار التي تكوي جباه الفاسدين والذين يكنزون الدهب والفضة فسارعوا الى معانقته والاعتذار له والعفو عما سلف بعضهم اقتنى أسطولا من الكاطكاطات في أفقر جهة تسلم مقاليد شؤونها فأصبح ينظر من اعلى بينما رفيقته في الحزب والعقيدة تنكر بجزم عالم الفيزياء ان الفقر انقرض في المغرب مادام بإمكان الفرد تحصيل 20 درهم وأخر جعل مكانته ومنصبه كوزير في خدمة مسيو دانون

  • الصراحة راحة
    الأحد 29 يوليوز 2018 - 16:17

    غالبية المغاربة اليوم مجمعون على أن الحياة في المغرب أشبه بحياة الجحيم. و كثيرون يمنون النفس بمغادرة البلاد إلى أي مكان في العالم يجدون فيه بعضا من الكرامة و الراحة النفسية، متناسين بأنهم مسؤولون بالدرجة الأولى عما يحصل لهم، و لن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. شبه مواطن يبيع صوته في الانتخابات بدراهم معدودة، و آخرون يتكدسون في أحزاب و نقابات طمعا في منافع أنانية، راشون و مرتشون جعلوا الرشوة تعاملا يوميا عاديا، حرفيون و تجار و أطباء و غيرهم غشاشون و نصابون و قضاء يسير بالمزاج و المصالح و ليس بتطبيق القانون. و كل هذا لأن الذين من المفترض أن يكونوا قدوة حسنة للمواطنين تجدهم يقومون بكل التجاوزات و الخروقات و التصرفات التي تدفع المواطن العادي ليكون فاسدا أكثر منهم. ندعو الله إما أن يخلصنا من الفاسدين الظالمين أو أن يخرجنا من هذه البلاد التي أصبحت مرتعا للفساد و المفسدين.

  • الفساد المتوارث
    الأحد 29 يوليوز 2018 - 20:37

    لقد ضرب الفساد أطنابه وريحتو عطات لكن كيف سيكون التغيير الجواب هو أنه من سابع المستحيلات أن يحارب الفساد المالى والسياسى والإدارى الذى خرب البلاد واستعبد العباد الفساد متحكم فى كل مفاصل الدولة فهو أيضا يجدد آلياته فكل من حاول محاربته سيكون مهدد إما بتلفيق تهمة والزج به فى السجن أو إغتياله …

  • Dragonaut
    الإثنين 30 يوليوز 2018 - 03:09

    مشكلة المغرب هي انقراض الفئة الوسطية من المثقفين والسياسيين التي تقول الأشياء كما هي بإنصاف دون تملق و دون عدمية. فتركت الساحة للمتملقين الذين يستفيدون من الوضع كما هو، تزاحمهم فئة في الطرف الآخر من المعادلة يقال عنهم العدميون و المزعجون. هذا الاستقطاب الحاد ليس في صالح الوطن. و ربما هو ليس انقراض و إنما صمت، و ربما هذه الفئة تمثل الأغلبية لكنها لم تجد كيف توازن المعادلة سواء من خلال العمل السياسي لضيق أبوابه أو من خلال إبداء الآراء لانعدام حرية التعبير.

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان

صوت وصورة
مغاربة ينتظرون الأفضل من الحكومة
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 15:34 7

مغاربة ينتظرون الأفضل من الحكومة