المعاني السياسية لأوضاعنا الاجتماعية

المعاني السياسية لأوضاعنا الاجتماعية
السبت 28 يوليوز 2018 - 22:40

على الرغم من أن كل المؤشرات تنذر بأزمة سوسيو-اقتصادية خانقة وبتصدع الوضع السياسي على أكثر من مستوى، فإن تنفيذ العديد من التوصيات والقرارات والقوانين ظل موقوفا، لا سيما تلك المرتبطة بالنموذج التنموي.

والتحضير للانتقال الديمقراطي وللتغيير السياسي لم يكن في مستوى الطموحات والتحديات، ويظهر أن القرار كان-ولزمن طويل-بيد نخبة إدارية وتكنوقراطية وعلمية عالية، ولم تحسن وضع المغرب على السكة الصحيحة من الناحية الاجتماعية ومن ناحية زرع قيم المواطنة بين المواطنين، والتحضير للانتقال الفعلي وللتغيير السياسي الذي لم يكن-طوال هذه السنوات الأخيرة-في مستوى الانتظارات التي طالت.

لهذا، فليس غريبا أن يتذرع الجميع اليوم بأن تقارير العديد من المؤسسات الرسمية والمستقلة تحذر من احتمال تعرض بلدنا للخطر؛ ولذلك لجأت السلطة إلى مقاربات غامضة لم يعد يقبلها أي كان في بداية القرن الواحد والعشرين، وفي مقدمتها نشر الغموض والتحريض على فقدان الثقة في الأشخاص والمؤسسات والافلات من العقاب.

وبالطبع، لا تكشف لنا هذه التقارير المصادر التي استقت منها معلوماتها وتوجهاتها، كما أنه لم نعد نفهم ما إذا كانت مؤسساتنا قد تأكدت من صحة المعلومات التي باتت تروجها العديد من المنابر الإعلامية والشبكات الاجتماعية نقلا عن مسؤولين حكوميين أو من ينوب عنهم.

وسواء كانت السلطة هي التي أوعزت للحكومة بالقيام بكبح جماح الحركات الاجتماعية وتنظيم عدوان جهنمي على قوت الطبقات المتوسطة والصغيرة والفقيرة، فإن ما يتحدث به الشارع المغربي اليوم يشير بوضوح إلى تجاوز ما جاءت به الوثيقة الدستورية، وما أفردت من حيز مهم للأحزاب السياسية، وما بينته من وظيفتها ووضعها، وما ركزت عليه من أدوار في مقدمتها مسألة تأطير المواطنين.

لكن ما يحرك الدولة اليوم ليس فقط تقارير الوكالات الأجنبية وتقارير المنظمات الحقوقية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني في التأثير على القرارات المصيرية، بل إن الاحتكارات الكبرى، لا سيما في العديد من المجالات الصناعية والتجارية والفلاحية، لها دورها هي الأخرى في التأثير على القرارات المصيرية، خاصة وأن هذه الاحتكارات تعيش منذ شهور انزعاجا غير مسبوق؛ ما أعطى للوضع السياسي المتردي معاني جديدة أشعلت حروبا اجتماعية ضد الطبقة الوسطى والصغرى وضد ملايين الفقراء والمهمشين، وأدت إلى خلق بؤر التوتر الاجتماعي في شتى أنحائه، وجنت منه أرباحا طائلة على حساب دماء المغاربة المساكين والفقراء المتعلقين بالدولة والوطن والمؤسسات/ حراس المعبد..

ولم تقتصر دوافع الغزو الاجتماعي على الطبقة الوسطى والصغرى وعلى المسكونين بأوضاع الهشاشة، بل إن الهدف الأساسي الذي سعت إليه الحكومة، والذي عبرت عنه في العديد من المناسبات، يكشف هو الآخر عن دافع أساسي من دوافع الغزو الاجتماعي وهو خلط الأوراق وتنامي الإحساس بالقوة إلى درجة ممارسة القمع غير المبرر ضد وقفات واحتجاجات سلمية ونضالات عمالية وشبابية.

فجنون القوة هو الذي دفع الحكومة إلى ارتكاب أخطاء والاعتقاد بأنها شرطي يحكم المغاربة، فتسجن من تشاء وتنصب من تشاء وكأننا نعيش في مغرب آخر، غير مغرب تقرير الخمسينية والتنمية البشرية والانصاف والمصالحة.

هذه الفوضى في السلطة تعرف الدولة جيدا من وراءها، وربما عبرنا على هذا بوضوح في أكثر من مناسبة، سواء في نقدنا للأحزاب السياسية وللفاعل السياسي بشكل عام، أو حين عبرنا على رأينا في منتديات وملتقيات ومؤتمرات وتجمعات.

إن الدولة تعرف كل واحد منا، والشعب يعرف جيدا من خانه ومن دافع ويدافع عنه، ولا أحد بإمكانه أن يتوهم أنه يستطيع قهر إرادة التحرر والانعتاق.

إن النتيجة التي جنتها الحكومة غير المنسجمة نلمسها حاليا في العديد من المجالات، لأنها أدت إلى تنامي شعور العداء ضد الأحزاب السياسية وضد النقابات وضد البرلمان بغرفتيه وضد التنظيمات الترابية وضد المواطنين فيما بينهم.

ولهذا، السياسة ليست لعبة من ورق وليست استلاء على المال العام وعلى الأملاك العامة للدولة، كما أن السياسة ليست فقط صناديق وترتيب الفائزين، بل هي الصلابة في وجه أعتى قوى الغدر مهما بلغت ضخامتها.

ربما كنا صغارا نرتدي ثوب الخجل وعباءة الوقار والحشمة، وتركنا من اعتدوا علينا وانتهكوا حقوقنا حتى انتقلوا من وضع النفوذ والمحسوبية إلى أوضاع المس بالروح والوجود.

ربما نمو أشكال جديدة متعددة المهمات والاختصاصات لدى العديد من السياسيين ببلادنا يجعلنا نخاف من التشابك بين النخبة السياسية والمسيطرين على المال وعلى الاقتصاد، ويجعلنا نخاف على أنفسنا من “الأوليغارشية السياسية الجديدة” ومن سلوكها العدواني الذي تنتهجه للتقرب من السلطة السياسية ومن تركيبتها الاحتكارية والعائلية.

الدولة اليوم تعرف كل الفاعلين، وعليها أن تختار من يريد حماية الوطن بإرادة المقاومة والنضال الجاد والمسؤول، وبين من يريد إعادة إنتاج شروط الاحتيال والنصب السياسي.

لا نريد مغرب النصابين والطوائف، نريد مغرب المواطنة والعيش الكريم، مغرب الوحدة الوطنية، مغرب الكفاءات والأطر، مغرب الشباب والنساء، مغرب الكرامة، مغرب المدرسة والصحة والسكن والشغل، مغرب الأمن والاستقرار، مغرب العدل والعدالة الاجتماعية، مغرب من دون فقراء ولا مهمشين، مغرب من دون فوارق طبقية…

مغرب الحق في الثروة الوطنية والسلط والعدالة المجالية والبنيات الأساسية في ظل الدولة الاجتماعية.

هذا المغرب ممكن، ومن أجله سنضحي بالغالي والنفيس ضد أي مصادرة جديدة لحقوقنا ولوجودنا الشرعي …

ربما كنا صغارا نرتدي ثوب الخجل وعباءة الوقار والحشمة، وتركنا من اعتدوا علينا وانتهكوا حقوقنا حتى انتقلوا من وضع النفوذ والمحسوبية إلى أوضاع المس بالروح والوجود.. هذه المرة لن نتركهم. وفي مغرب المستقبل كل الأمل.. ابتداء من الغد..

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • خلط الأوراق
    الأحد 29 يوليوز 2018 - 00:04

    يا أستاذ وأنت سيد العارفين لماذا تحمل حكومة ضعيفة مسكينة مشلولة كل ما عرجت عليه من مشاكل سوسواقتصادية وسياسية؟ هل تتعامى أم قصدك أن تهاجم خصومك السياسيين الذين تعرفهم جيدا وهكذا تزيد الأوراق اختلاطا.
    وآخذ مقتطفا من مقالك "… بل إن الهدف الأساسي الذي سعت إليه الحكومة، والذي عبرت عنه في العديد من المناسبات، يكشف هو الآخر عن دافع أساسي من دوافع الغزو الاجتماعي وهو خلط الأوراق وتنامي الإحساس بالقوة إلى درجة ممارسة القمع غير المبرر ضد وقفات واحتجاجات سلمية ونضالات عمالية وشبابية." وأسألك هل أنت مقتنع بما جاء في هذا المقتطف؟

  • جاء في المقال ...
    الأحد 29 يوليوز 2018 - 13:42

    … التحرر والانعتاق دون ذكر من ماذا؟.
    هل المقصود هو التحرر من سلطة الدولة وقوانينها؟
    وذلك سيؤدي الى الفوضى والفتنة و شريعة الغاب والتناحر بين الناس .
    ام التحرر من سطوة ارباب المال والاعمال ، وتلك طبيعة الانظمة الراسمالية الليبيرالية .
    يعتبر هذين التحررين من المستحيلات.
    والممكن هو ان يتحرر الانسان من اهواء النفس البشرية التي تجعله في سخط دائم على احواله .
    ان يتحرر من الطمع فمن يملك درهما او مليونا او مليارا او سيارة او منزل يريد اضعاف ما لديه.
    شهوات الغرائز ومتع الحياة هي التي تستعبد الانسان وتتسبب في قلقه وسخطه وعذاب نفسه.
    فاذا تحرر وانعتق منها ورضي بعيش الكفاف والعفاف شعر بالسعادة وكان من الحامدين الشاكرين.

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 2

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور

صوت وصورة
لقاء خاص | هشام رحيل
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 19:30 3

لقاء خاص | هشام رحيل

صوت وصورة
الزاهيدي وتقليص الفوارق المجالية
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 14:45 4

الزاهيدي وتقليص الفوارق المجالية

صوت وصورة
ذكرى رحيل الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 12:04 4

ذكرى رحيل الحسن الثاني

صوت وصورة
نادية فتاح والرفع من الأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 11:44 10

نادية فتاح والرفع من الأجور